نستطيع ان نسمي الفيلم »امتحان عمر اميرالاي«. لولا ان الفيلم عن الحريري لما استفز من استفزهم. بالاحرى لولا ان صانع الفيلم عمر اميرالاي لما اثار ما اثاره، فهذا المخرج يعتمد في اشرطته الوثائقية الفضح والمفارقة الساخرة والتناول النقدي القاسي. انه مخرج راديكالي على نحو ما. راديكالي في عرين المال والسلطة وحيدا امام غواياتهما، فهل يصمد وينجو بنفسه، ذلك هو امتحان عمر اميرالاي. فالرجل الذي لا نرى له وجها ونسمع صوته احيانا هو بطل الفيلم غير المعلن. الفيلم في نظر من تناولوا الفيلم هو عرض تجربته في جب الاسود. هو حكاية امتحانه وخروجه. والذين شاهدوا الفيلم كانوا كل لحظة فيه يرون عمر اميرالاي صامدا او متنازلا. محتارا او واثقا، ممتنعا او مغترا، مهاجما او متراجعا، ناجيا بنفسه او معرضا اياها للتهلكة. وفي النهاية يرونه خاسرا لنفسه وإيمانه او رابحا لهما. عمر اميرالاي بطل الفيلم غير المعلن. المصير مصيره والنزاع نزاعه. هنا دراما الفيلم. ما سيبته الفيلم وما يعالجه ضمنا هو خلاص عمر اميرالاي ومغامرته. المشاهدون لم يكونوا فقط بحت مشاهدين، كانوا مجربين وممتحنين متزمتين غالبا. وككل المتزمتين المتشددين كانوا في داخلهم انصار الشيطان. انتظروا بصبر سقوط عمر اميرالاي وتحينوا له اي زلة، وفي النهاية شعروا بأنهم ظفروا بما يريدون. تأكدوا مجددا من فساد الانسان وفساد المثقف خاصة، وكان احرى بالفيلم بعد ان كان امتحان عمر اميرالاي ان يتحول الى ذلك العنوان الذي اضمره نقاد الفيلم لياقة وصونا لماضٍ وود قديم »سقوط عمر اميرالاي«. *** اذهب واجعل الرجل يؤدي حسابا عن سنوات حكمه. اذهب وقده الى نقد ذاتي. اذهب واكشف شخصه السياسي. الى مهمة كهذه أرسل عمر اصدقاؤه الثلاثة (فواز طرابلسي، الياس خوري، سمير قصير) كانوا شبيهين بالمجربين في مسرحية كمسرحية إليوت »مقتلة في الكاتدرائية«، ولو كنت معهم لأشرت في الغالب عليه، بما اشاروا او ربما اكثر، بل يبدو ان اميرالاي نفسه (حقا او لغاية روائية) لم يجد ما اشاروا به عليه فوق طاقته. وكان ينبغي فيلم كهذا لنرى جميعا مدى استحالة وخيالية هذه المشورة. طلب من اميرالاي لا ان يغلب الحريري فحسب بل ان يقنعه، ان لا يغلبه فحسب بل يجبره على الاعتذار، ان يغدو ضميره وضميرنا في آن معاً. لم يقل احد لأميرالاي »اعرف الحريري« و»صوره كما تراه« فليست هذه غاية سجالية ولا نقدية ولا قتالية بالطبع. قيل له، اذهب واغلبه وعلمه واجلبه لنا معتذرا. بأي قوة يستطيع اميرالاي ذلك. بقوة الكاميرا أم بقوة الحقيقة والعلم، بقوة الثقافة والفكر، بأي قوة؟ كان من الواضح ان أيا منا ليس بريختيا ولم يخطر له ما يسميه بريخت »التبعيد« في ترجمة لDestination، وهذا ما يعني ببساطة ان للآخر في أي موقع كان حجته ومنطقه وحقائقه وليس أميرالاي او اي من مستشاريه، منفردا في ذلك، وإذا أرسل اميرالاي لمهمة كهذه فأي سلاح حمل او حمّلناه نحن لها. سؤال يحتاج الى تمهيدات قبل ان نسعى الى جواب عنه. لم يخطر لأميرالاي ما يخرج عن تصور مستشاريه، لقد قيل بوعي او لاوعي ان »الفيلم« مواجهة بينه وبين الحريري، ان الفيلم برأسين او بطلين: اميرالاي والحريري، وانه يروي لا رؤية الاول للثاني، بل مغالبة الاثنين. قبل اميرالاي ان يكون الفيلم قصته هو مع الحريري او امتحانه الشخصي في صلته بالحريري وبذلك كان البطل غير المعلن. فالمصير المهم في الفيلم هو مصيره، والتطور الذي يتابعه الفيلم هو تطوره والتغير والاعتذار بعد ذلك هما تغيره واعتذاره، والحيرة حيرته والاشكال اشكاله والقلق قلقه. انه درامياً شخصية الفيلم ولو اننا لم نر له وجها (الا في النادر). هل كان صدفة ان يجمع اميرالاي بين أمه التي تحضه على حب الحريري ومستشاريه نقاد الحريري في متوالية لقطات واحدة، كأنما يقول انه يتردد بين امه (فطرته وربما عفويته) وبين مستشاريه (راديكاليته او موقفه). بعد ذلك نرى عمر اميرالاي يتدخل بصوته مرات ليروي مراحل علاقته بالحريري. في البدء يقول ان الحريري تردد والارجح ان اميرالاي تردد اكثر. لم يرتح الحريري الى سمعة اميرالاي النقدية، والارجح ان اميرالاي لم يرتح اكثر الى سمعة الحريري المالية والسياسية. لكن هذا طور أول في العلاقة يتبعه طور ثانٍ هو التنازع بين المودة والريبة. أما الطور الثالث فهو الاغواء. إغواء الحريري لأميرالاي الذي شاقه كما يقول في لحظة اعتراف صريحة ومؤثرة ان يجد مثقف مثله اعتراف رجل سلطة ومال كالحريري. هل نلاحظ ان التسلسل الذي تتبعه »اعترافات« اميرالاي، ولنسمّها اعترافا بما لهذه الكلمة من صدى ديني، يتوافق مع تطور التجربة الدينية نفسها: التردد والنزاع الداخلي ثم السقوط في حبائل الغواية. لم يحتج اميرالاي الى من يتهمه بالسقوط. لقد قالها (كلمة »السقوط« بلسانه: الغواية). قبل اميرالاي المهمة المستحيلة التي أسندها له اصدقاؤه ومجربوه »المغالبة« ثم أقر على نفسه كما يفعل مثقف حديث بالهزيمة. اي اقر على نفسه بالضعف البشري، بضعف المثقف نفسه، وغفر لنفسه ذلك كما يغفر مثقف حديث، لكن الآخرين لم يغفروا، لا الاعتراف ولا الاقرار ولا الغواية او الضعف. لقد كان الموضوع من البداية هو هذا الامتحان، هو تلك العلاقة، والغريب ان الحريري نفسه لم يكن معنيا أقل بهذه العلاقة. لم ير في اميرالاي مجرد صحافي او سينمائي جاء ليصنع فيلما عنه. لم يكن اهتمامه الاساسي مهنيا. لم تعنه الكاميرا فقط ولا السيناريو. لقد اهتم بالشخص اولا، بأميرالاي، وكان أسبق الى الوعي بأن العلاقة بينه وبين الشخص هي ايضا مغالبة. إذا جاء اميرالاي ليريه حقيقته وليجعله يؤدي الحساب عن سياسته، فإن الحريري يعرف ايضا انها مغالبة، وان هدفه هو ان يهزم صورة اميرالاي عنه. أن يجعله بدوره يغيرها. يقول له من الاول انك تحمل صورة غير حقيقية عني، لست انت وحدك، وسأجعلك تغيرها. والحريري يعرف ما هي هذه الصورة ولا يترك لمحاوره فرصة للوقوف عندها. لا أقبل بأن تجعلني في صف المدافعين عن الاغنياء وتضع نفسك في موقع المدافعين عن الفقراء والمساكين. لا تجعلني أبدو في صورة الجاهل الغني وانت في صورة المثقف الفقير فأنا ايضا مثقف، المال لا يصنع وحده سلطة. انت لا تقدر ان تشتري كل النفوس، مالي كله جمعته بالشرف ولا أندم على شيء ولا تشوب ماضيّ المالي والاقتصادي شائبة، ولو وجدت لشهرها خصومي وقلبوها عليّ. يرى الحريري نفسه دائما بإزاء اميرالاي. يقول له لا تضعني هنا وتضع نفسك هناك. يعرف كأميرالاي ان المسألة مغالبة فعلا. كما يعرف تماما اي صورة يحملها اميرالاي عنه. ينتظر اي اشارة من اميرالاي وأي ايعاز ليذهب ابعد منه وليسم ما يتجنب اميرالاي تسميته باسمه الفعلي وليطرح (ربما قبله) السؤال الذي يضمره. ألهذا استحق ان يصفه اميرالاي بالذكاء الشديد، ألهذا ربح الحريري المجابهة باعتراف اميرالاي. ألهذا تحول هو الى مخرج وأخذ يشرح تصوره هو للفيلم. المهم ان الفيلم لما ظهر كان من جهتي اميرالاي والحريري معاً. الغريب ان يكون هذا الموضوع أساسيا، ان يقحم المخرج او الراوية نفسه الى هذا الحد في النص، ان تغدو علاقة المؤلف ببطله هي اشكال الرواية، ان يتحول عنصر فني او تقني او مبدأي الى موضوع غالب. أهذا نوع من السينما داخل السينما، شبيهة السينما التي لا يخفي المخرج فيها وظيفته وسرعان ما يدخل في صراع مع عمله ونفسه وابطاله. غريب في فيلم وثائقي ان يختار موضوعا له من كواليسه ومن ضمنياته. يتردد المخرج ويتردد البطل لكن هذا مما قبل العمل، من ملابساته وظروفه التي لا تتحول موضوعه، يدخل المخرج في حيرة وإرباكات تجاه بطله لكن هذا أيضا لا يتحول موضوعا، إنه تماما من كواليس وظروف العمل، ومن المستغرب ان يغدو صلبه وأساسه. يتواطأ الحريري وأميرالاي على جعل الامور هكذا. كلاهما كان مستعدا لذلك. صورة الحريري وصورة اميرالاي في المرمى وكلاهما يسعى للدفاع عن صورته. لم يكن الحريري في ذلك أقل حجة. لن يكون الفيلم تماما عن الحريري، على الاقل لن يكون فيلما »عاديا« عن الحريري، سيكون ما قبل فيلم اكثر منه فيلما، سيبقى نزاعا على فيلم وعلى صورة، ولن نجد لذلك فيلما بل مقدمات فيلم. أما لماذا اختار اميرالاي هذا المسلك الضيق فالأرجح ان الفيلم ضاع بين حسابات مختلفة، حسابات المستشارين وحسابات الحريري نفسه. قبل اميرالاي ان يذهب في مهمة مستحيلة: اقناع الحريري والى حد تأدية الحساب والنقد الذاتي. مهمة مستحيلة وعجيبة ولامنطقية بالتأكيد. لكن ما جعلها »طبيعية« هو شيء من أوهام المثقفين كما كان يسميها آرون. لم يكن مسموحا انتاج فيلم عن الحريري، بذريعة اقل ولا بادعاء أقل. انتاج فيلم عن شخص ليس مناظرة كما نعلم، انه خطر اكبر. انه تحويله الى بطل. المشاركة على نحو او آخر في الماركتينغ الذي له، نوع من ترويجه وتقديمه. ولن يقبل مثقفون راديكاليون بأمر كهذا الا اذا تذرعوا له بذريعة من قبيل الاقناع واقتضاء الحساب. فهكذا، بادعاء كهذا، وبوهم كهذا، يمكن تبرير الفيلم خاصة ان الحريري لن يجلس الى كاميرا اميرالاي في اي فيلم ومن دون شروط. كان صعبا، في ما يبدو، انتاج فيلم سلبي عن الحريري، وكالعادة في مثل هذا الظرف تم الهرب الى مهمة اكبر وهي محاكمة الحريري وإقناعه بطلب العفو. مهمة مستحيلة ويعرف ذلك الجميع، أما الذي بقي فهو الحيرة والاشكال الداخلي ومحاولة التسوية والوفاق، وهذا ما استهلك فيلم اميرالاي وجعله بالتأكيد عاديا، تحقيقا تلفزيونيا لا اكثر، كما قال الزميل نديم جرجورة. نقاد الفيلم قالوا انه انشغل بحياة الحريري الخاصة اكثر من سياسته، وانه قدمه في هيئة الرجل الطيب. هذا الرأي يبدو متماسكا قبل مشاهدة الفيلم، أما بعد مشاهدته فإن ثقتنا به تقل بالتأكيد. كل فيلم اميرالاي سياسي، على نحو ما، وكل حواراته سياسية بما في ذلك افطارات الحريري الرمضانية واجتماعاته الانتخابية ولقاءاته العالمية، وكلامه عن المال والاخلاق والناس وماضيه الفقىر وحاضره والمثقف والسياسي والعلم والجهل. كل هذا لا يندرج في باب اكثر مما يندرج في السياسة، لكنها، كما سنوضح، سياسة أسئلتها ومفاتيحها وأجوبتها ايضا معروفة دارجة. انها سياسة مبسطة او عامة لكنها سياسة على كل حال. اذا كانت السياسة من دون عمق فإن الحياة الشخصية غائبة تماما. عدا صورة واحدة واحدة نرى فيها زوجة الحريري فإن الكاميرا لا تدخل الى بيته وأهله وحياته اليومية. لا شيء عن عائلته وهواياته وأصدقائه وذكرياته. لا شيء خاصا وحميما، الغريب هو نقص واضح في استحضار الامكنة. يقتصد اميرالاي، ربما عن قصد، في تصوير بذخ الحريري. نرى بالطبع أمكنة واسعة ورواقات لكن الكاميرا تمر بذلك من دون ان تتوقف عند تفاصيل واضحة، ثم ان المكان البيروتي والخارج قليلان ايضا، كل هذا يؤدي الى فيلم يركز عدسة ثابتة على الحريري تتبعه في لقطات كاملة ونصفية (نجد مرة واحدة كاميرا متحركة في نصف دورة). هذه الكاميرا الثابتة مع كادرات ساكنة تقريبا منحت الفيلم مظهرا ساكنا وصارما وثقيلا احيانا. لم تكن تلك كاميرا المفارقة الذكية التي نعرفها لأميرالاي، حتى تلك اللقطات للكولوارات الطويلة ولجوف الطائرة الطولي بدت في هذا الجو غير كثيرة الدلالة وأقل لغزية وإيحاءً بل بدت احيانا جزءا من هيكلية الجو الصارم والهندسي للفيلم. هنا بالطبع فلتات جميلة بقيت فلتات. مشهد الحريري واقفا كتمثال على مدخل الباب المعدني الذي ينغلق عليه، او مشهده بالعباءة حيث المجسم الديني على الاريكة العربية، وهو يقول كما لو كان في عظة دينية »أكرمني ربي«. وهناك بالطبع مشهد انهيار جبل القاذورات الرائع وهو في حركته الدوامية يوحي بالتجدد بقدر ما يوحي بالسقوط. هناك وهناك لكن هذه فلتات ليس الا. ثمة فلتات كلامية ايضا. الحريري وهو يقول للعائلات المجتمعة انها اذا لم تصوّت تترك بيروت للأرمني والدرزي. لكن لغة المفارقة اجمالا ليست لغة الفيلم. لا شيء خفي في الفيلم، ثمة فقط هذا السرد الخطي الايجابي الرتيب غالبا، فيلم عادي اكثر مما يقدر اميرالاي، لعل هذه العادية هي نقد اميرالاي الاكبر للحريري او لظروف الفيلم نفسها. ذهب اميرالاي لمصارعة الحريري من دون عدة تقريبا. هل اختار ان يذهب اعزل. مستشاروه ليس فيهم اقتصادي رغم ان اي مجابهة للحريري لا بد ان تكون على المستوى الاقتصادي. ذهب من دون اي معرفة واضحة لملف الحريري الاقتصادي والسياسي والشخصي. حمل معه أسئلة صحافية عادية. اسئلة من أقرب متناول. يتكلم عن المال كما لو اننا امام سؤال عام »علاقة المال بالسياسة« ويجيب الحريري كما لو ان السؤال ايضا عام »لا تستطيع ان تشتري كل النفوس « لا يبدو انه هكذا ينهي النقاش. كأنه نقاش نظري فقط. ما من خاص ولا عيني، ما من رقم ولا تفصيل. ما من سؤال حول ما يلعبه المال، ولعبه في تضاعيف حياة الحريري السياسية. يسأل اميرالاي عن المقارنة الشائعة بين برلسكيوني والحريري، يجيب الحريري ان استثماراته بخلاف برلسكيوني غالبها خارج لبنان. لا يعرف اميرالاي كثيرا عن استثمارات الحريري اللبنانية ليسأل، اذا ما كانت هذه الاستثمارات مهما كانت نسبتها الى استثماراتها الخارجية، تشكل مصالح حقيقية يمكن ان تدعم بالنفوذ السياسي وتتغذى منه ام لا. ما من سؤال واحد خارج المعرفة العامة والصحافية بالحريري، يمكن عندئذ أن يسأل عن مدى تحضير اميرالاي لموضوعه، كما نفهم عندئذ كيف قفز السجال الى عام آخر »صلة المثقف بالسلطة«. موضوع أثير اليوم لكنه طرح ايضا على نحو عام ودارج وكليشيهي. يلخص اميرالاي موضوعه بالصراع بين المثقف والسلطة لكنه رغم ذلك لا يقدم للحريري أي صورة ثقافية. نرى الحريري أمام لوحة لغيراغوسيان لكن أميرالاي لا يهتم بأن يعرف كيف وصلت هذه اللوحة الى هنا، لا يعنيه أن يرى لوحات القصر وأثاثه ومعماره لا يتحرى هوايات الحريري وأذواقه في السينما والمسرح والكتب التي قرأها وإيماناته الدينية وغير الدينية ومشاريعه الثقافية وصلاته بالمثقفين، لخص أميرالاي موضوع الفيلم بأنه صراع المثقف والسياسي المالي لكن الفيلم لم يخرج عن كليشيهان وعموميات كأن مسألة المغالبة هذه كانت في الاكثر عنوانا دراميا او ذريعة درامية لفيلم فقد موضوعه او وجده مفقودا. في فيلم لا يصمد فيه أي سؤال، ولا يبقى منه بعد انهيار كل الاسئلة سوى صورة الحريري بالعباءة يقول ان الله أكرمه، يمكن ان تحل علاقة المثقف بالسلطة على نفس المستوى. ألا ننسى ان والدة عمر أوصته بالحريري لأن من يحبه الله يحبب به عباده. ليس هذا هو العار كما قال زميل في مقالة له. لقد عبّر اميرالاي عن حيرته ودلل، كما أظن، على نزاهة عندما قال لمثقف حديث ان اعتراف الحريري أغواه، لم يقم كمثقف عربي بعرض بطولي، لم يقل في فيلمه سوى ما ظنه نقاده كشفا وأقاموه حجة عليه. قال انه لم يربح في مغالبه للحريري ويمكننا ان نفهم لماذا لم يربح، لأن عمر، كما كان يسميه الحريري واجه دولة الرئيس كما يسمي عمر (ويسمي الجميع) الحريري. والندّية في هذا المجال مستحيلة، لأن للحريري حجته وخطابه ولا يمكن تصوره من دون حجة، بل ويمكن تذكر ان الرجل مولع بهذه المجابهات وقد رضي اثناء دولته بسجال مع اقتصادي يساري هو كمال حمدان كان فيه كفئا له، على الأقل. ثم ان اميرالاي ذهب من دون عدة ولا ملف وبأسئلة عامة لم يكن أسهل على الحريري من دحضها. لقد ذهب اميرالاي بقدمه الى جب الأسود وكان علينا ان ننصحه بألا يذهب اذا شئنا للأسطورة ان تبقى، او ان نتركه يصنع فيلما عن الحريري من خلف الكاميرا من دون ان يكون طرفا فيه، او يحوله غير ذي موضوع سوى تلك المغالبة الخيالية التي لم تقع، لو صنع أميرالاي فيلما كالافلام ومن دودويكشتويه لكان حتما اكثر حرية، ولما وجد نفسه مقيدا بالمثقف ومقيدا بالسلطة في آن، ولاستطاع في الأغلب ان يخرج برؤية اكثر نقديه. ذهب أميرالاي من اللحظة الاولى، فهم ان مهمة المغالبة والاقناع مستحيلة فجعل من فيلمه وثيقة لانهزامه. وإذ لم يستطع ان يصنع فيلم معركة فقد صنع فيلم اعتراف ذاتي. وإذا كان تجريد المسألة الى المثقف والسلطة غير مجد الا ان اميرالاي تكلم عن نفسه كمثقف عرف حدوده وغروره ووهمه وضعفه حيال السلطة. كمثقف يفقد ثيابه حين يخرج من شرنقة الكلمات ويرى سلطة من لحم ودم. أنقذ اميرالاي فيلمه حين حوله الى فيلم عن نفسه. حين حول الى فيلم عن حيرته هو وتنازعه وشبه استسلامه اذا جاز القول. اذا لم نجد في ذلك نزاهة، اذا فضلنا الاستماع الى عشرات الناعمين بسلطات شتى ولا ينفكون عن عروض بطولية ضد سلطة بلا اسم. اذا حولنا اعتراف اميرالاي الى ادانة. فإن ذلك يعني اننا نفضل ان نعمى ببهورات المثقفين عن رؤية أنفسنا.