As Safir Logo
المصدر:

«سبيستون» وأغانيها: تعريب الخيال وتعليب القيم

من مسلسل «المحقق كونان»
الملحن طارق العربي طرقان
المغنية رشا رزق
المؤلف: حريري رضا التاريخ: 2016-04-13 رقم العدد:13341

«بعد أشهر قليلة على انتهاء العام الأوّل من الألفية الجديدة، وقبل تفجيرات 11 أيلول وإعلان أسامة بن لادن تقسيم العالم إلى فسطاطين: فسطاط الإيمان وفسطاط الكفر، كانت معالم الانقسام قد بدأت بالظهور فعلاً في «الوطن العربي الكبير»، لكن في سياق آخر بعيدٍ عن الكفر والإيمان: فسطاط قناة «ديزني» وفسطاط قناة «سبيستون» الناشئة حديثاً. هذا على الأقل ما اعتقده الأطفال في تلك الفترة». في الحقيقة، لا توجد شواهد أو أدلّة تاريخية تثبت حدوث هذا الانقسام وامتداده إلى الدول العربية، لكنّه كان واقعاً وجليّاً في رأسي، أنا ومجموعة أطفال من معارفي. رتّب هذا الانقسام تصنيفاً غامض المعايير للأطفال في أذهاننا: مَن يشاهدون «سبيستون» يملكون معدلات ذكاء أعلى من أولئك الذين يشاهدون «ديزني». يمكن ربط هذا التصنيف بفكرة الإنسان المتفوّق أو الأعلى، والتي دفعت راسكولنيكوف، الشخصية الرئيسية في رواية دوستويفسكي «الجريمة والعقاب» لقتل المرابية العجوز، إذ لطالما تعاملنا نحن أطفال «سبيستون» الأعلى باستخفاف واحتقار ضمني مع أطفال «ديزني». لكن لم ينقذنا تفوّقنا الفكري المزعوم من استعلاء طبقيّ، ضمنيّ أيضاً، من أطفال «ديزني». عصر «الأغنية السبيستونية» انطلقت «سبيستون» كقناة مستقلة في شهر حزيران من العام 2001. واعتمدت منذ نشأتها على التعاون مع «مركز الزهرة» المتخصّص بدبلجة مسلسلات الأنميشن، وتحديداً اليابانية منها. احتلّ الأنيمي الياباني المدبلج إلى اللغة العربية الفصحى شاشة «سبيستون»، وبرزت القناة بسرعة كمنافس لقناة «ديزني». وعلى العكس من مسلسلات القناة الأميركيّة الأصل المصنوعة خصيصاً للأطفال، لم تنتج معظم المسلسلات المعروضة على «سبيستون» لتعرض للأطفال بالدرجة الأولى. إذ يملك الأنيمي جمهوراً واسعاً بين من تجاوزوا مرحلة الطفولة. وتقوم هذه الأنيميات على معالجة المواضيع الكبرى في حياة الإنسان كالخير والشر، الحب والكراهية، البحث عن الأب، الفقدان والموت، إلخ... وساهمت الدبلجة العربية بتدعيم وتظهير هذه الموضوعات بشكلٍ أكبر وأضافت لها موضوعاتٍ أخرى كالانتماء إلى الوطن والمقاومة. لعبت شارات البداية لهذه المسلسلات دوراً أساسياً في تظهير هذه المفاهيم. ويبدو بوضوح مقدار الاهتمام الذي توليه القناة بالأغاني، إذ دائماً ما يتم إنتاج شارة بداية جديدة للمسلسل مختلفة تماماً عن الشارة الأصلية، لها لحنها الخاص وكلماتها الخاصة. ظهر سريعاً ما يمكن تسميته بالـ «أغنية السبيستونية» التي تملك طابعاً متميزاً وخاصاً. وشكّل الملحّن السوري الجزائري طارق العربي طرقان والمغنية السورية رشا رزق الثنائي الأبرز في تلحين وتأليف وغناء شارات المسلسلات المدبلجة، إضافةً إلى أسماء أخرى برزت في الغناء، كالسوريين عاصم سكر وهالة الصباغ. الموسيقى والكلمات كان يكفينا، شقيقي وأنا، سماع صوت الطفل وسيم يقول: «أنا وأخي»، حتى تصعد الدموع مباشرةً إلى أعيننا. تترقرق في أعيننا منتظرة تأثيراً إضافياً واحداً كي تسيل على وجوهنا. يقوم أنيمي «أنا وأخي»، على محاولة الشقيق الأكبر سامي الاعتناء بشقيقه الصغير وسيم بعد وفاة أمهما. في أحيانٍ كثيرة كانت الأغنية، التي لحنتها رشا رزق وغنتها هالة الصباغ برفقة طارق طرقان وبسام الحسوني، تدفعنا للبكاء، خاصة مع الأم التي تظهر كطيفٍ ملائكي في لقطات عدّة. تبدأ الدموع بالتدفق في أي لحظة من لحظات الشارة، حتّى مع عباراتٍ «كطيف أنقى من زبد الأيام أبقى» و «كلماتها باتت نجواي». ما الذي تعنيه كلمات كالزبد والنجوى لابن سبعة أعوام؟ لن تعني له شيئاً في الأغلب لأنّه لن يفهمها، لكنّها كانت تدفعنا للبكاء. بقيت شهرة رشا رزق الأساسية مرتبطة بالأغاني التي غنّتها لـ «سبيستون»، رغم مشاركتها في فرق موسيقية سورية عدّة والغناء إلى جانب زياد الرحباني وفي أفلامٍ سينمائية أشهرها «هلأ لوين» للبنانية نادين لبكي. غنّت رزق معظم شارات «سبيستون»، من أكثرها مرحاً إلى أكثرها حزناً، واستفادت من قدرتها على التلاعب بصوتها، فهي تنجح ببراعة بالغناء بصوت طفولي في العديد من الأغاني. أما طارق العربي طرقان فقد لحّن وكتب العديد من شارات القناة، وتظهر التأثيرات الموسيقية المغاربية بوضوح في أعماله، لا سيما موسيقى المغنّي الأمازيغي إيدير (تحديداً أغنيته «أفافا إينوفا») كـ «ريمي» و «عهد الأصدقاء» و «ماوكلي» و «الرمية الملتهبة». ألّفت هذه الموسيقى بمعظمها على سلم المينور أو السلم الصغير، والذي يضفي طابعاً أكثر جدّية وحزناً، إذا جاز التعبير. في الوقت نفسه لحّن طرقان العديد من الأغاني الحماسية الطابع، والتي يلجأ فيها للإيقاع والطبول، إضافةً للكورال كما في شارة مسلسلات «صقور الأرض» و «هزيم الرعد» و «دراغون بول». تتشابه ألحان هذه الأغاني مع الأناشيد الحزبية أو العسكرية. يستخدم طرقان غالباً مؤدّيين في الغناء لإيجاد التناغم. في شارة «عهد الأصدقاء» مثلاً تبدأ رشا رزق في الغناء قبل أن ينضمّ لها طرقان في أواخر الأغنية، لكنّ صوته يظل في خلفية صوت رزق. أما في «صقور الأرض» فيظهر عاصم سكر كصوتٍ أساسي، مع كورال أطفال يرافقه في بعض مواضع الأغنية. أولى طرقان ورزق أهمية خاصة للكلام في الأغنية. تلعب كلمات الأغنية الدور الرئيسي في جذب المشاهد. تستخدم اللغة العربية الفصحى وحدها في كلمات الأغنية، وكثيراً ما يتم استعمال مفردات أو جمل صعبة الفهم للمتلقين الأطفال. يغني عاصم سكر في شارة «هزيم الرعد» مثلاً: «ما هنتي ولم تهني بل من أجلك ثار اشتد» و «جاؤوك بصوت الحق الهادر كهزيم الرعد»، أما رشا رزق فتغني في «عهد الأصدقاء»: «نستسلم، لكن لا ما دمنا أحياء نرزق»، وتقول في «دروب ريمي»: «دروب قد قطعتيها أفينا البعد أم فيها؟ نسينا، عيبنا في الأمس لم نسأل». وفي «القناص»: «بالعزم انتفضت يمناه». بينما يستعمل طارق طرقان في «ماوكلي» عباراتٍ كـ «عيشٍ فطري هانئ» و «النكران» و «غضّ وطرّي». «الخطاب السبيستوني» خلال البحث عن حلقات أنيمي «سبيستون» على «يوتيوب» ستظهر لك فيديوهات عديدة تحمل عناوين مثل: «أنظروا كيف تحافظ الزهرة على أخلاق الشباب»، و «دليل جديد يؤكد براءة مركز الزهرة»، و «مركز الزهرة في دمشق يتبنّى الماسونية ويرفع شعاراتها» و «طلبات كارهي مركز الزهرة!!». تنقسم الفيديوهات بين مؤيّدين لـ «مركز الزهرة» للدوبلاج وقناة «سبيستون» والكارهين لهما، ولكل واحدٍ من هؤلاء أسبابه. من المعروف قيام «الزهرة» بالتدخل في المسلسل، إن كان من خلال حذف بعض المشاهد أو تغييرها، أو من خلال تغيير الحوار في الدبلجة أو حتّى من خلال شارة البداية. لهذا التدخل أسبابه. منذ نشأتها قدّمت «سبيستون» نفسها كـ «قناة هادفة»، لا ترفيهية فقط، تسعى لنشر «مفاهيم أخلاقيةٍ كبرى» كالخير والعدالة والمحبة والإيمان والأمل. في هذا السياق، يخدم الأنيمي الياباني هذا التوجه، فهو يقدم جميع هذه المفاهيم. لكن، ومن جهة أخرى، تأتي هذه في قالب مليء بصراعات ضخمة كالحروب والفقر والتشرد والموت والعذابات النفسية، بعمقٍ وتكثيف ليسا مناسبين غالباً للأطفال. إضافة إلى وجود مشاهد كثيرة تحذف من الدبلجة العربية كالعنف الجسدي وتعاطي المخدرات إضافة إلى الجنس. يعود ذلك إلى كون الأنيميات اليابانية أنتجت للمشاهدين على اختلاف أعمارهم، وليس للأطفال. يؤدّي ذلك بالضرورة إلى اضطلاع «سبيستون» و «الزهرة» بدور الرقيب الأخلاقي في كثيرٍ من المسلسلات، والذي يحذف كلّ ما يخالف «القيم الاجتماعية والأخلاقية السائدة»، دون أن ننسى الأسباب التجارية المرتبطة بالرغبة بالوصول إلى كل الشرائح الاجتماعية في العالم العربي المحافظة بأغلبها. تبنّت القناة منذ نشأتها الخطاب القومي والوطني لحزب «البعث» الحاكم السائد في سوريا، والذي بقي له تأثيره العاطفي في العالم العربي حتّى العام 2011. يعتبر هذا الخطاب المواطنين في الدول العربية شعباً واحداً تجمعهم اللغة والثقافة والتاريخ والجغرافيا، إلى جانب الإسلام كمرجعية حضارية. يظهر العمل على بث الروح الوطنية بشدّة في شارات مسلسلات كـ «صقور الأرض» (شرف الوطن أغلى منّا وممّا قد يجول بفكرنا في أي زمن.. شرف الوطن قبلي وبعدي) و «هزيم الرعد» (أبرقي أرعدي أبطالاً وعدوك أنبل وعد.. ما عاش الظالم يسبيك وفينا نفس بعد). صحيح أنّ الكلمات هنا تتحدّث عن الوطن كفكرة، لكنّ الفترة التاريخية التي صدرت فيها هذه الأغاني، أي في بداية العقد الماضي، تدفع لربطها بالأحداث الكبرى التي حصلت آنذاك كالانتفاضة الفلسطينية الثانية والحرب الأميركية على العراق. يتجلى الخطاب القومي بشكلٍ أوضح في أغانٍ أخرى مثل «الوطن العربي – فلّة» (عيناها بن يمني والشعر ليالٍ نجديّة تمشي كغزالٍ ليبي والخد ورود شامية.. مروراً بمعظم الدول العربية)، أما في «وطني العربي وطن الحب» لهالة الصباغ فيظهر الدمج بين العروبة والإسلام (وطني مهدي وله مجدي.. من أرضي سطع الإسلام وزهت بسناه الأيام وسعت لهداه الأقوام..). إضافة لذلك، قدّمت القناة مجموعة من الأناشيد الدينية مثل «يا طيبة» و «قمر سيدنا النبي» إضافة إلى «في كل حركة باسم الله» والتي بقيت لفترة طويلة تفتتح يوم البث في القناة. صحيح أن أسامة بن لادن قتل وأن جورج بوش خرج من الحياة السياسية، لكنّ نظرية الفسطاطين التي وضعاها ما زالت قائمة. في هذه اللحظة المحتدمة من تاريخ المنطقة، والتي تعود فيها الجماعات إلى انتماءاتها وهوياتها الضيّقة، والتي تنهار فيها منظومة المفاهيم والقيم التي كانت سائدة، ما زالت «سبيستون» تقدّم لنا خطابها القديم نفسه، لتبدو عالقةً في وهم مات. رضا حريري

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة