كان واحة للهدوء والسكينة وسط احدى أكثر مدن العالم ضجيجا.. غير أن مسجد ابن طولون أصبح خلية نحل تعج بضجيج جيش من عمال البناء والحفارات وخلاطات الاسمنت في مشروع حكومي لترميم أحد أقدم وأروع الآثار الاسلامية. شيّده أحمد بن طولون العام 876 للميلاد، وبقي المسجد الذي لا يستخدم حاليا في الشعائر الدينية سليما بدرجة كبيرة رغم اضافات تم تشييدها على مر عصور حكام أرادوا ترك بصماتهم على هذا الصرح الذي أصبح مزارا سياحيا في وسط القاهرة التي تكاد تنفجر بنحو 16 مليون نسمة. ويثير المسجد الإعجاب بطرازه المعماري البسيط والرحب وقاعته الفسيحة ومئذنته الفريدة وهي الوحيدة في القاهرة التى لها سلم خارجي. ولكن بعض أنصار الحفاظ على التراث ينتقدون المبالغة في عملية الترميم. وقال خبير الهندسة المعمارية والترميم علي غالب الذي وصف المشروع بأنه مثل فيلم مرعب »انه أقدم مسجد قائم في مصر. لم يكن بحاجة الى ترميم«. كما قال خبير ترميم بريطاني في القاهرة انه »كان من الافضل تركه كما هو حتى يبقى الكثير من طرازه الاصلي. صمدت آثار مختلفة أمام العالم الحديث ومسجد ابن طولون أحدها ولذلك نحبه كثيرا«. ولكن وزارة الثقافة التي تشرف على المشروع تقول انها تريد تصحيح ترميمات سابقة وجعل المسجد أكثر جاذبية للسياح والمصلين على السواء. وقال أيمن عبد المنعم من الوزارة والمشرف على المشروع »اننا نزيل ترميمات خاطئة تمت في الثمانينات وكانت تسيء لشعور المسلمين والزوار. اننا نعيده الى ما كان عليه. منظر المسجد لن يتغير«. ومن المتوقع استكمال المشروع الذي بدأ في تموز 2000 في كانون الاول 2001. وقد أزيلت أرضية الفناء لكسائها بالغرانيت الاسود. كما تم نزع الطبقة الحجرية من أعمدة المسجد الضخمة لإعادتها الى طرازها الاصلي. وقال غالب ان المقاولين يعملون وفق رؤيتهم لأن المجلس الاعلى للآثار لم يحدد المطلوب بوضوح عند طرح مناقصة المشروع الذي تقدر تكلفته بنحو 5،8 ملايين جنيه مصري (من 58،1 مليون الى 24،2 مليون دولار). وأضاف في اشارة الى زخارف وخطوط يجري استبدالها أو اضافة نماذج إليها ان »المجلس يتحدث عن جزء من المسجد أصابه التآكل من دون إجراء دراسة عما اذا كان قد حدث تآكل أم لا. وبذلك سيكون للمقاول الحرية في فعل ما يريد من دون أن يراقبه أو يصحح عمله أحد. والذي يقلقني كثيرا هو إعادة تبطين الجدران. هل تتخيل أن المسجد بحدرانه الداخلية وطولها 160 مترا سيبدو جديدا تماما.. لم يكن يوجد رخام على الاطلاق عند بناء المسجد.. هذا مؤكد، ومهمة المجلس الاعلى للآثار ليست تجديد الآثار«. وطلب خبير الترميم شعبان طه بتدخل منظمة الأمم المتحدة للثقافة والعلوم »اليونسكو« التي ساعدت في العام 1991 في تحويل مسار الطريق الدائري في القاهرة حتى لا يخترق هضبة الاهرام. وقال طه الذي استقال من المجلس الاعلى للآثار في العام الماضي احتجاجا على الترميمات التي يقوم بها »أين اليونسكو. انهم لا يعرفون ماذا يحدث. وإذا كان الهدف تحقيق أرباح من العملية فإنها كارثة«. ويدافع رئيس المجلس الاعلى للآثار جاب الله علي جاب الله عن المشروع وهو جزء من خطة الحكومة لتنظيف أحياء القاهرة القديمة التي تغطيها الاتربة لزيادة السياحة، المصدر الرئيس للعملة الاجنبية. قال جاب الله »أتلقى تقارير من مسؤولينا والعمل مستمر بطريقة مرضية.. انهم يعرفون اننا نراقبهم طوال الوقت. المسجد في حاجة لترميم من الاساسات حتى الزخارف الدقيقة«. ويخشى المنتقدون بصفة خاصة من ان الاسمنت المستخدم لدعم جدران المسجد الداخلية قد يسبب أضرارا خطيرة لهذا الصرح الذي يرجع الى 1100 سنة. (رويترز)