As Safir Logo
المصدر:

»شوق« قصص مية الرحبي مخيلة داخل المخيلة

المؤلف: جابر عناية التاريخ: 2001-01-16 رقم العدد:8804

الكاتب: مية الرحبي. الكتاب: »شوق«. الناشر: »دار الحوار«، اللاذقية، 2000. بكل البساطة والعفوية تكتب مية الرحبي قصصها القصيرة. تمسك هكذا أتخيلها بأناة، قلما، وتفرد ورقة وتبدأ بهدوء كامل، تدوين صرخاتها المحبوسة، وتترك لنا ان نخمن ايها اكثر عذابا، ايها تستدعي ايضا في شبهة هدوئها، كتابة نقيضة وحنونة، غير مستعرضة ولا شاكية. وظيفتها ان تخبرنا فقط، ولنا ان نتألم ما طاب لنا. احببت اكثر »امتحان« و»ذكرى« كما و»لاعب السيرك« واجواء مية القصصية بالكامل. القاصة والروائية، لا تني منذ روايتها »فرات« ثم »امرأة متحررة للعرض« تؤكد تجربتها اللطيفة الروح. ولعل كلمة لطف الروح الآخذ بكتابة مية، لا يؤشر الى توصيف نقدي قدر ما يسجل للكاتبة، ميزة كتابتها الطرية الأساسية، والتي بحسبي ميزة ضرورية لعلاقة متينة بينها وبين قارئها. بانورامية ما تكتبه مية الرحبي، لا يعدو في الشكل ان يكون قصصا قصيرة تسكن ذاكرتي وذاكرة مطلق بارئ، او هي ذبح الفؤاد حين الفؤاد يهم بالطيران فلا تبقى سوى دمائه. غير ان قصصها في مغادرتها الشكل الى »الداخل«، اكثر بانورامية واتساعا وغورا في الذات الانسانية، واكثر تعقيدا وغنائية ايضا وذكاء في نبشها مجاهل عميقة الغور على امتداد العمر كله. وهي تتابع غصات قلبها وتتاليها، وتجول في الروح وندوبها، وفي الحب والشهوة والحنين والقهر والتوق الى الفضاء الواسع. وهي في قصصها القصيرة، انما تحكي طويلا رغم اقتضاب الكلام، وتعترف اعترافاتها العذبة، مشحونة لا تفلح في السيطرة على هذيان معذب وهلوسة واستبطان ظلم تآخى في الزمان والمكان. في »ذكرى« لا يعدو الامر حكاية قلب وجسد لفتاة عوقبت على رغبتها الصغيرة. وهي طوعت أداءها الحكائي فلم تسمح بتفجعه ولا رغبت باستدرار دمع القارئ، بل اكتفت بذلك التلفظ اللغوي حول حادثة بسيطة في بديهيتها هي حق روحها بالحب، لينفلت الصدق من عقاله، وتنحني الكتابة لصالح أنماط اخرى مستترة في فنون القص، هي أنماط وجوهه الأخرى، ومنها الموت واليأس والتشوه مدى العمر، والغصة التي حالت بين الكاتبة وألق عمرها المرجو. وليس ما يدفع مية الى رفع قبضتها والاجهاز على امها المريضة في نهاية قصة »امتحان« هو الدفاع عن قضية حياتها العادلة او غير العادلة. انه ليس العقل الذي دبر تلك الخاتمة المنتفضة المفاجئة، بل هي الروح التي تضخمت اوجاعها الى حد القتل الرحيم، وقود الروح التي ما كانت القصة اكتملت من دونها، والتي لولاها الخاتمة تلك، لبدت عادية القصة، ولبقيت الفتاة مستلقية تحت عذابات عمرها، تنظر بكسل وعجز الى الغيوم التي تتكاثف باضطراد في سماء حياتها. تضخم الروح مية الرحبي في قصصها القصيرة، تعاني تضخما في الروح، وسلاسة في الكتابة لا ترغب معهما اطلاقا بعرض نفسها على خشبة الصلب الكبيرة. وهي ترغب في عمل السكين بذلك الجرح الكبير، سكين الكتابة أعني، تحفر وتحفر ولا تكون اكثر سعادة الا في لحظات مماثلة، حين الكتابة هي سكين الوعي والابداع. والكاتبة اذ تأتي بجديدها الخاص في كل قصة، ولا تترك لها عاديات الخواتيم، يتجاور القص عندها مع ما يمكن تسميته بشاعرية القصة، ليس من التراكيب اللغوية الطرية، بل في مكمن الرواية وبنائها الذي يحتمل عذوبة فائقة، لأنها ثنائية معادلة الحب ما تنشد مية، الوقوع فيه ومغادرته في منتهى الوجع. في »امتحان« تبدو الصبية التي لا تملك في جيبها سوى ثمن دواء أمها المريضة، وما يكفي ثمن ربطة خبز، تبدو، هي التي تتقدم الى امتحان للحصول على وظيفة تقيها غائلة الجوع، ومستعدة لبيع سلسالها الذهبي كقرار أخير ووحيد يؤجل جوعها. إنها قصة عادية لفتاة عادية وجوع عادي. غير انها القاصة، بأناملها الماهرة، تحيل القصة الى ما يشبه الايقونة، في تلك الانفجارات الشعورية المتتالية، التي تفضي بخاتمتها الى النهاية المثلى على صعيد القص وليس الحكم الاخلاقي الساذج. تأمل مية الرحبي في »ذكرى« وفي »قصص قصيرة جدا« ومنها »شفقة«، »سعادة يومية«، »خارج القلب«، »إله«، »نملة«، »خط النهاية«، »ثروة«، »نهر الحليب«، »موسيقى«، »كلمات«، »همس الخريف« وسواها، انما تشدنا بعناصرها التشكيلية والبنائية، وباقتران عمليات تجميع المعنى عند القارئ بمضمر مرن، وبمخيلة داخل المخيلة. حتى ليزداد الحدس عندها في تحوله الى لغة ثانية تقارب اللغة الشعرية التي لا تسيء الى القصة القصيرة جدا هنا، بل تضفي عليها تلك السمة المعادلة لروح القصيدة الكبيرة والملحمية والتي تشبه الحكاية. وهي تبدأ من عمليات ضغط اللغة وحذف توافقاتها المألوفة من دون التشديد على الاستعارات بل بعفوية ومباشرة، تمنح القصة القصيرة تراكيبها البسيطة مع القليل من الغموض في مزج أكثر من فكرة واحدة في آن معا. تندر القصص القصيرة في مجموعة مية الرحبي »شوق« التي تشتمل على حوار وفعل قصصي، بل هناك ما يمكن تسميته بالتأمل القصصي. وتأملاتها في الحب والعيش والغضب والظلم لا يمكن تصورها في بساطتها المتناهية الا في اعمال قاصين وروائيين مشابهين وقلة. وهذا ليس عائد فقط الى لغتها المليئة بالتشابيه والمجازات، بل الى الطريقة الذكية التي تستخدمها الكاتبة في وصفها الاحداث بدقة، وحيث تحيل النتائج والمسببات على جوانب الحياة الاجتماعية والثقافية الضيقة التي تعيشها مجتمعاتنا العربية، مما يمحضها بعدا انسانيا لا يقتصر على دور ووجود المرأة والغبن التاريخي اللاحق بهما، انما يدرك ايضا كل من يتحرك ويتفاعل او لا يتفاعل، في هذه البقعة العربية المحكومة بنظمها وموروثاتها البدائية. نأخذ على مية الرحبي عدم اطلاعها وتصحيحها الاخطاء المطبيعة التي وردت بكثرة في مجموعتها القصصية. سوى ذلك فإن بعض قصص مية الرحبي في اصدارها الجديد »شوق« بما تحتويه من توق الى الانعتاق، هي جزء من شرطنا اللازم، الانساني والأزلي. إن عدم رؤية الضباب الجاثم فوق نماذج بشرية طرية الروح ومعذبة، هو مدخل الى القص، بما هو في الواقع، تجاهل كامل لجوهر الانسان. وهو الأمر عينه الذي أضاءت، وكتبت فيه، مية الرحبي.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة