«المجتمعات العربية مجتمعات خطيرة لأنها تمارس المحرمات سريا». الكاتب والروائي الراحل عبد الرحمن منيف تعتري مهنة عاملات الجنس بالمغرب فوضى عارمة بسبب عدم تنظيم الدولة لمهنة صارت تقر بوجودها وتستفيد من مداخيلها شأن المجتمع الذي يتسم موقفه بالنفاق والتناقض، إذ يصف المهنة بأنها «حرام» لكنه يتعامل مع أموالها كـ «حلال». ويشكل عدم تنظيم المهنة وتأطيرها بقانون يحمي حقوق العاملات والسماح لهن بتأسيس منظمات أهلية ونقابية للدفاع عن حقوقهن وصيانة كرامتهن وحل المشاكل التي تعتري مهنتهن، ويصون المجتمع من نشر الأمراض الخطيرة المتنقلة جنسيا، وبالأخص بفيروس «فقدان المناعة المكتسب».. شذرات عن الهيام والنكاح تعتبر عملية ممارسة الجنس من بين الغرائز التي يتمنى ممارستها كل إنسان وحيوان، بينما يمنع الإنسان اليوم من ممارستها باسم الدين والعادات والتقاليد، مما يخلف عقدا نفسية ومشاكل صحية. وقد قال الأولون الكثير عن الهيام والصبابة والحب والجنس. ورد في الأساطير اليونانية أن ديونيزوس ترعرع وراح هو وسيلين يعلمان الناس زراعة الكروم، وصناعة الخمور، وممارسة النشوة، وتحقيق اللذة، ويفرضان في كل مكان مرا به الاحتفال بديونيزوس اعترافا بجميله. بينما كتاب «الروض العاطر في نزهة الخاطر» للشيخ الإمام العلامة الهمام سيدي محمد النفزاوي فصيح لهذه الجهة.. هذا إن لم نذكر سواه وكذلك هناك أشعار شهيرة. وقد خلص الجيلالي المستاري في دراسته المعنونة «الجسد والمقدس: قراءة في الخطاب الفقهي لابن القيم الجوزية»، (والمنشورة في «المجلة الجزائرية في الأنثروبولوجيا والعلوم الاجتماعية») إلى أن العرب القدماء كانوا أكثر انفتاحا منا في نظرتهم إلى جسدهم وفي طريقة تحصيلهم لمتعهم وملذاتهم، والدليل أنهم كانوا يسمون الأشياء بأسمائها ويتحدثون عن كثير من أعضاء الجسد، مما نخجل نحن اليوم من تسميتها، وكانوا يتكلمون عن علاقات الحب والجنس بكلام قد نسكت عنه اليوم إما بدافع الحياء أو بدافع الخوف». وبالفعل تثير أسماء الأجهزة التناسلية للذكر والأنثى ضحك الشباب من الجنسين، بل ويصعب اليوم في المغرب أن ينطق المرء بكلمة «عقد النكاح» باللسان الدارج: سيشعر الناطق بحرج شديد، لأن المعنى سيفهم بدقة ووضوح، وسيوصَف ناطقه بقلة الحياء والأدب، على النقيض من نطقها باللسان العربي المبين الذي يجعل معناها غير مفهوم، الأمر الذي يسري على الخطاب القرآني والتراثي. فالعديد من المؤمنين يصلون بآيات لا يفهمون معناها وتفسيرها، ويستدلون بأحاديث لا يدركون كنهها وروحها. الدعارة قديما أشار المؤرخون المغاربة والإثنولوجيون والإتنوغرافيون والرحالة الأجانب إلى وجود ظاهرة الدعارة في بعض المدن التي كتبوا عنها، وأسهبوا في ذكر أسبابها ووصفوا حال ممتهنيها ووضعهم الاقتصادي والاجتماعي والعرقي والمادي والثقافي والديني. ذكر الحسن بن محمد الوزان الفاسي الملقب بـ «ليون الأفريقي» في كتابه «وصف أفريقيا» أنه عاين في مدينة فاس دُورًا «عموميةً» تمارس فيها الدعارة بثمن بخس، تحت «حماية» رئيس الشرطة أو حاكم المدينة. وورد في كتاب «اختلاف أعلام الناس لجمال أخبار حاضرة مكناس» لمؤلفه عبد الرحمن بن زيدان «أن السلطان عبد الرحمن كان في القرن الثامن عشر كتب عن الظاهرة، وأضاف: «لقد تسلط الشيوخ على نساء رعاياهم بالاحتيال والقبض على من كانت عنده زوجة حسناء حتى توصلوا لإفسادها». وأشار الضعيف في «تاريخ الضعيف الرباطي» أن «القائد الحبيب الملكي سيطر على قرية بأكملها سنة 1767 وجعلها خاصة به. وهي قرية ليس فيها إلا النساء. لقد كانت ممنوعة على الرجال و لا يدخلها إلا بمفرده. كما كان يأتي بالنساء بالإكراه». ويقول المؤرخ الفرنسي لوتورتو، الذي عاش بفاس قبل الاحتلال، إن البغاء كان يشمل أغلب بيوت قصبة بوجلود وقصبة تامريرت وبالقرب من باب فتوح، وكل الأحياء الفقيرة التي كانت تعج بالنساء القادمات من البادية، وكن يقطن في منازل تكتريها «القودات» ويتقاضى منهن ممثل السلطة مبالغ معينة. وقد اشتهر حي مولاي عبد الله، ومواسم باشا المدينة عبد الله احماد، الذي وضع منازله رهن إشارة نساء وافدات على فاس مقابل مبالغ مالية يدفعنها بانتظام (أسبوعيا أو شهريا). أصدرت «إدارة الحماية» الفرنسية قانونا ينظم البغاء في المغرب، وهو المرسوم المؤرخ في 16 كانون الثاني/ يناير 1924، الذي رخص لفتح منازل رسمية للمتعة، وتم إلغاؤه عام 1954. وعملت السلطات الفرنسية على هيكلة أقدم مهنة في التاريخ بمنع ممارسة الدعارة في البيوت في الأحياء الشعبية وبإحصاء ممتهنات الجنس وجمعهن في مكان واحد مراقب وخاضع للمتابعة الطبية تجنبا لتفشي الأمراض المتنقلة جنسيا وكان أشهرها وأخطرها وقتها داء الزهري (السيفليس). ويعد حي « بوسبير» المجاور للمدينة القديمة، وشطره الثاني الواقع بدرب السلطان، أحد أشهر الأحياء البيضاوية التي كانت تباع فيها المتعة الجنسية للجنود الأجانب من فرنسيين وغيرهم، وعنه يقول الصحافي بيير داريوس في ريبورتاج أنجزه عام 1933 «بوسبير اسم ظل مرتبطا في ذاكرتي بمنظر يجمع بين الجمال والبؤس في الآن نفسه». كانت مساحة حي بوسبير تبلغ 24 ألف متر مربع، وبلغ عدد العاملات به ما بين 600 و900 ممتهنة جنس، وحدد رقم آخر عدد العاملات به بألف، من فرنسيات وإسبانيات ومغربيات مسلمات من الأطلس المتوسط وسوس، ومغربيات يهوديات، وبلغ عددهن 3000 بعد توسيعه ليشمل المدينة القديمة والجديدة. وبلغ عدد زواره في اليوم 1500 في النهار، وضم «الماخور» غرفا وحمامات ووسائل نقل تساعد الغادين إليه والرائحين منه، فضلا عن تقديم الطعام للزبائن. وأضحى أول ماخور رسمي قانوني خاضع للمراقبة الرسمية للسلطات زمنئذ. حملت أزقة حي «بوسبير» أسماء «المراكشية» و «الوجدية»، وظلت أبوابه «مفتوحة إلى حدود سنة 1953. وبلغ عدد ممتهنات الجنس بالمغرب آنذاك 30 ألفاً، حسب إحصائيات الكاتبين ماتيو وموران. ويحكى أن إحدى النساء البيض بإحدى المدن المغربية الواقعة في الجنوب الشرقي، تمردت على عرف عنصري ينص على منع زواج النساء والفتيات البيض بالشباب والرجال الملونين أو السود، وعرضت على رجل أسود أن يتزوجها لتتجنب العمل في الماخور الذي ستفتحه السلطات الفرنسية إبان «عهد الحماية»، فقبل الرجل عرضها وجنبها العمل في الماخور، وذلك بحسب الرواية الشفوية المحلية. الدعارة اليوم تعرف هذه المهنة اليوم بالمغرب فوضى عارمة، ويصعب معرفة العدد الحقيقي لمحترفات مهنة الجنس لعدم وجود إحصاء دقيق يحددهن. وقد أكد عالم الاجتماع المغربي وصاحب النظرية الجنسانية، عبد الصمد الديالمي، في محاضرة معنونة «الانتقال الجنسي في المغرب»، ألقاها بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط ، أن «العمل الجنسي حل غير مهيكل لمشكل البطالة في صفوف الفتيات، وأيضا عامل محرك للسياحة الوطنية والأجنبية بل في بعض المدن والجهات، فالعمل الجنسي هو أحسن نشاط اقتصادي». وأردف: «هناك قبول عملي للعمل الجنسي من طرف السلطات في بعض الأحيان، ترفض أن ترى وترفض أن تعاقب، وتفضل العمل الجنسي على الحجاب أو الفقر، مع حملات قمعية من حين لآخر للضغط على المعنيين ولإظهار أن الدولة تحارب الفساد، وبالأساس من أجل مساعدة الإدارة على الارتشاء». ويرى الديالمي أن الجنسانية المغربية اليوم معرضة لمخاطر عدة لأنها غير محمية. وأكبر خطرين هما: الحمل خارج إطار الزواج - الحمل غير المرغوب فيه - ثم خطر الأمراض القابلة للانتقال الجنسي. ويضيف أن «أساس الصحة الإنجابية والجنسية هو الحق في الجنس، وبالتالي لا بد من الاجتهاد، لا بد من الاعتراف القانوني بالجنس قبل الزواج كحق وكممارسة شرعية وحق إنساني بالأساس. والفصل 490 في الدستور الذي يعيد تحريم حق «المحصنة» أي غير المتزوجة، لكنه نص مُعَلمن، لأن كلمة زنا غير مستعملة في الفصل، وغلفت بكلمة فساد. وكذا حذف «الحد» وهو الجلد للزاني غير المحصن ووضع مكانه السجن من شهر إلى سنة، وهذا تعلْمن ثانٍ. ويخلص عالم الاجتماع إلى أن التربية الجنسية عامل أساسي لحماية صحة المغاربة من الأمراض الجنسية ومن مخاطر غير مرغوب فيها كظاهرة الأمهات العازبات. فالتربية الجنسية ضعيفة ووسائل منع الحمل غير مباحة للجميع. وكان الكاتب الصحافي البريطاني جون برادلي (Bradley John R) قد قال في كتابه «وراء حجاب العيب: التجارة وثقافة الجنس في الشرق الأوسط»، (Culture of Sex in the Middle East Behind the Veil of Vice: The Business and)، والمنشور في نيويورك 2010، أنه «يجب التمييز بشكل دقيق بين «المتشددين دينيا» والناس العاديين. بطبيعة الحال، المتشددون دينيا رافضون ومعارضون لأي شكل من أشكال الحرية الجنسية، وهم أقلية، تماما كما هم أقلية الإنجيليون المتشددون بالولايات المتحدة الأميركية». ... هناك بحسب مجلة «نيوزويك» الأميركية، ما يقدر بـ 19 ألف عاملة جنس يشتغلن بكل من الرباط وطنجة وأغادير وفاس، ربعهن لا يستعملن العازل الطبي أثناء ممارسة الجنس مما يشكل خطرا على حياة الزبائن. وأوردت المجلة خبر وجود دراسة رسمية أعدتها السلطات المغربية خلال منتصف العام الماضي (2015) حول الدعارة بأربع مدن مغربية. وكان علاّل الفاسي، وهو من أبرز سياسيي وأدباء المغرب، ومؤسس حزب الاستقلال وزعيم الحركة الوطنية المغربية، وأحد أعلام الحركة الإسلامية الحديثة رفقة محمد عبده ورشيد رضا ومحمد الطاهر بن عاشور وغيرهم قال: «الذي يريد القضاء على الدعارة فليعمل على تغير النظام الاقتصادي القائم في البلاد». صحافي من المغرب