As Safir Logo
المصدر:

«فلك النصّ في الغناء العراقي».. كلمات الدرامي وتفريعاتها

المؤلف: نصور حسن التاريخ: 2016-03-07 رقم العدد:13311

يحيل النصّ الغنائيّ العراقي عموماً وعلى نحوٍ طاغٍ إلى ثيمة «الحزن». الحزن الذي يستمدّ جذوته، بشكل مباشر وغير مباشر من الميثولوجيات قديماً أو واقعة كربلاء. إنها الثيمة التي لطالما كانت موضوع دراسات نقدية نصيّة عديدة. ليست دراسة الدكتور العراقي علي ناصر كنانة (مواليد 1958) الدراسة الاولى من نوعها في ما يتصل بموضعة الأغنية العراقية المعاصرة بل سبقتها دراسات عديدة متنوعة (دراسة شهرزاد قاسم حسن مثالاً لا حصراً). دراساتٌ يشير إليها كنانة، غير مرّة، في متن دراسته الصادرة حديثاً بعنوان «فلك النصّ في الغناء العراقيّ» (2016). على أنّ وجه الجدّة والتمايز في دراسة صاحب ترجمات شعر «توماس ترانسترومر» الحائز نوبل للآداب، تتركّز في فكرة البحث عن معجم الحياة في النصّ العراقيّ المغنّى في حقبة بالغة الأهمية من تاريخ العراق (1920 ـ 1980). في هذا الحيّز، تكون الاحالات النصّية الملحّنة والمدندنة على ألسنة العراقيين والتي تعكس مفردات الحياة في الاغنية العراقية مخزونا ثقافيا يرتبط، إلى حدّ بعيد، بالمحاكاة اليومية للواقع العراقيّ بطبقاته السياسية والاقتصادية والوجدانية وهلم جرا. زد على ذلك أن دراسة كنانة تتمايز عن مجمل الدراسات في كونها لا تدّعي الشمول بل هي أشبه بتوثيق منهجيّ قدر المستطاع يشتمل على عينة مما توفر «من تسجيلات ونصوص عنائية كثيرة جداً يُختار منها ما يلائم هدف الدراسة، نعني رصد مفردات الحياة والواقع والطبيعة والاشياء». المنهج يقوم منهج كنانة على الاستماع إلى تسجيلات أو قراءة نصوص الاغاني العراقية المتاحة ضمن الحقبة موضوعِ الدرس، ثم تشخيص النصوص الغنائية ذات الصلة بموضوع الدراسة وتدوينها. ومن ثم تصنيف النصوص حسب الموضوعات التي تحيل إليها من خارج النصّ والشروع بدراسة النصوص وتصنيف أمثلتها حسب موضوع كل فصل من الفصول. وأخيراً، ختم كلّ فصل بجداول فيها المفردات التي تحيل إليها كلّ موضوعة من المواضيع. وتتحدد الدراسة شكلانياً، ومن حيث الثيمة إلى حدّ ما بدراسة الاغنية الوجدانية العاطفية مبتعدة، بحسب كنانة، عن دراسة «المونولوج» و «المربّع» و «الاغنية السياسية» إذ، من نافل القول، إن الابعاد الفردانية التي تطرحها الاغنية الوجدانية تعكس ذلك الثراء التنوعيّ الحيويّ التي من شأنه أن يقدّم مضامين الثيمة العميقة التي يستهدفها الكاتب، فضلاً عن كون الاغنية الوجدانية لا تكون منحصرة بالتنميطات الهوياتية أو السياسية التي نجدها في أشكال اخرى من الغناء بل هي تعكس بقوّة ذلك الزخم الوجدانيّ للفرد. «المقام العراقي، الموشح، البستات، الأبوذية (الموال)، العتابه، النايل، السويلحي، الركباني، الجوبي، الكصيد، الهجع، المربع، الدبكة، المونولوغ، والأغاني البصري». كلّ هذه أنماطٌ غنائية نصيّة قد أنتجت عبر جميع مراحل تطّور الاغنية العراقية. على أن النمط الحديث للنصّ الغنائيّ العراقيّ الحديث هو، بحسب الدراسة، النمط الذي ولد من رحم البسته في الثلاثينيات والاربعينيات (عبد الكريم العلاف، سيف الدين ولائي) وفي الخمسينيات (برز جبور النجار، محمد هاشم). بين تيارَيْ التجديد والتقليد، تلحظ دراسة كنانة أن النصّ الغنائي الدارميّ (أشطر على القافية نفسها يتخللهما شجن صوتيّ) وتُذكر بعض محاولات الإفلات من عباءة الدارميّ عبر نصوص المثلثات التي تتألف من ثلاثة أشطر وتختم بشطر رابع على سجع اللازمة. في النتيجة يكون المتلقي العربي أمام تركيب إبداعي يحيل عبر النصّ الغنائي العراقي إلى فسيفساء الاجتماع الحضاري العراقيّ بموضوعات قد تفيد القارئ بتصورات سوسيولية، قد يُغفل عنها عموماً، في ما يتصل ببنية العراق الحديث وتأسيساته الثقافية المغرقة في القدم. نتحدث عن متون غنائية لا تقتصر على الوجدانيات والحياتيات النمطية المتواضع عليها، بل تتعلق بمواضيع هي في الأساس تثير جدلاً على مستويات الفرد والاجتماع من قبيل المتون الغنائية التي تحاكي، على سبيل المثال، السفور ومساحة المرأة في الفضاء العام، ومتون الجسد والهوية الجنسية والخمريات ومجمل الأغنيات والحكائيات التي تشاغب على السلطة في هذا البلد العريق. (&) صادر عن دار الجمل

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة