لم تسع نضال الاشقر في »منمنمات تاريخية« الى ابراز امكانات المخرج وحده. احترمت النص تماما. وقد يعود هذا الى تقاليد الاحترام الصارمة في المسرح الانكليزي وفي الفضاءات الاكاديمية الانكليزية، هي خريجة الاكاديمية الملكية الانكليزية في لندن. حسنا، لولا ان هذا بقي خارج اطار استيعاب وجهة نظر سعد الله ونوس في واحدة من أبرز الشخصيات التاريخية الفلسفية العربية والاسلامية، بهدف الخروج على صورتها المرسومة: ابن خلدون، الانتهازي، الالعبان في مسرحية سعد الله ونوس وفي مسرحية نضال الأشقر. ذلك ان ابن خلدون بقي على الخشبة، كما رسمه سعد الله ونوس على الورق، كمحصلة نهائية لقراءة احادية الجانب، وجدت في ابن خلدون نزوعه الى الاستقرار، حتى امام الغزوات المدمرة. بدا متلهفا الى لقاء العدو في اي ظرف وفي اي مساحة لقاء. هوية في جزء واحد. او هو وجه العملة، من دون وجهها الآخر. هوية في جزء واحد، سوف تعارض قيام حبكة درامية، في مستويات عدة. هكذا اضحى ابن خلدون كلاميا، بدون احتمالات، بدون اوجه، بدون طبقات هو صاحب المقدمة، الذي رأى الى التاريخ بوصفه افقا وليس مسدا، والذي ذهب الى تيمورلنك، لكي يلقاه وفي رأسه، مفهومه للتاريخ: ان التاريخ لا بد متبدل. وان ما حدث يستبدل قريبا. افقد هذا احتمالات الاثر الجمالي. في حضور ابن خلدون، المغربي الذي بدا مصريا في مسرحية نضال الاشقر. اي فيلسوف بدون فلسفة ومؤرخ بدون تاريخ، سوى انعكاس تاريخ الآخرين عليه، وفي ذلك افتئات على هذه الشخصية التاريخية الهامة. ولأن ابن خلدون رسم على هذه الصورة، صار كلاميا، صار ثرثارا وانتهازيا بمجانية غير مبررة. اذ لا منطق في علاقته بالواقع والوقائع التاريخية. وكذلك في علاقته بالواقع المسرحي. ابن خلدون وسعد الله حضر ابن خلدون فوق الخشبة، بدون تبرير حضور، وبدون تبرير انتهازيته. تلميذه، في الطرف المقابل. لن يبلغ الاخير القمة، الا في خروجه على انتهازية استاذه، في ثنائية لم ترتفع الى قوة الفعل الدرامي، امام ثنائية الخيانة البطولة او التعامل البطولة. بينما الدراما، بحاجة الى تمثيل الاطراف في نصوصها المختلفة ووقائعها واحتمالاتها، بدون سلفيات. احسب ان نضال الاشقر في هذا المطرح، بالذات فوتت واحدة من الالعاب الدرامية البالغة الاهمية. لعبة، لو أُخذت بالاعتبار، لطارت المسرحية الى سماءات بعيدة، لعبة في جزأين، موضوعي وجمالي: حضور ابني خلدون. واحد هو ابن خلدون نضال الاشقر، والآخر ابن خلدون سعد الله ونوس. ابنا خلدون، يقيمان حوارا بينهما، بحيث تأخذ الشخصيتان من بعضهما، يتناقضان ويتعارضان ويلتقيان بحيث لا يعود ابن خلدون ابن خلدون واحدا. الا ان هذا يحتاج الى دأب في العمل والبحث والتنقيب في ابن خلدون ومؤلفاته واعماله وسيرته. دخول في كوامنه، الشخصية والفكرية. هذه الفكرة ذات الآفاق المتعددة استبعدت في قراءة النص الونوسي، غير القادرة على تزويد اية قراءة محتملة بصورة جامعة مكتملة، خالية من اي تقطع بخصب الحياة، في لحظات من المأساة لا تنأى عن التركيز الوجداني او الفرح الذي يستغرق النفس في اوقات. هكذا بدا ابن خلدون نقطة الدائرة. دائرة تضيق، كلما تكلم او حكى او ثرثر او اقترح. لم يطلق ونوس ابن خلدون في نطاقه الحقيقي، كرجل اشكاليات فعلية، بما لا يتناقض مع امكانية استيعابها لكثير من المواقف التراجيدية. لنقل ان مؤرخنا، خضع الى نوع من الرسم النمطي، على ما هو شائع ولا يزال. نمطي في واجهة نمطية تاريخية متداولة. نمطيتان اوصلتا الى رسم شخصية، بلا عمق. شخصية مرموقة، لا هدف لها ولا هم، الا ان تكون كذلك لدى الملوك والامراء والغزاة. أحاطت الشخصيات كلها ابن خلدون وافعاله، انه في الوسط، بين حيز القلعة وحيز بيت التاجر. حيز خصص به وبالآخرين، جماعات المصلين والمهاجرين والمهجرين والمقاومين. كتبت سينوغرافيا العرض، بأسلوب ميزان. كفتان، واحدة شرقية واخرى غربية، بينهما بيضة الميزان او القبان. واذ ان بيضة القبان هي على قدر من اللاثبات، فإن خلل العناصر الاخرى، سوف يبدو كالفطنة او كالبديهة. لن تتوصل نضال الاشقر، من جراء ذلك، الى بنية سينوغرافية وتراجيدية، تتمناها. دفعها ذلك الى تقسيم المنصة الى ثلاثة اجزاء. جزء اول، هو الوسط الساحة. جزء ثان، هو القلعة المحاصرة. جزء ثالث، بيت التاجر. وهي استعملت جزءا عند زاوية المنصة اليسرى اسفل بيت التاجر، كبيت لشقيقة المقاوم وزوجها. لا بأس في ذلك، لولا جملة ملاحظات جوهرية: 1 التقسيم النمطي، اوصل الى حركة نمطية. 2 فرضت السينوغرافيا، ان يصبح بيت التاجر في حجم القلعة وفي مستواها، لولا بعض الامتدادات البسيطة في زاويتيها الشرقية والغربية. وهذا لا يجوز في اية قراءة دراماتورجية لمعاني التخطيطات السينوغرافية من خلال وظائفها. ذلك ان القلعة المحاصرة، لا بد من ان ترسم في حجم مواجهة قوات غزو كبرى في حين لا بد من رسم البيت في حجم أضيق وأصغر وأقل قيمة وأهمية. 3 ضيقت السينوغرافيا مساحات التحريك، بالاضافة الى تنميطها. مثلثات ومربعات ومخمسات حركية. هندسيات دائمة، اضطر الاخراج الى التعامل معها في اجواء صارمة ومرصوصة. سينوغرافيا قطبية، حدت من دور الاخراج، وخصوصا في استعمال نضال الاشقر للشاشة التي ثبتتها في الزاوية الغربية في عمق المسرح. التغريب الشاشة لعبت دور الفانوس السحري، في ارسال صور شرائح ملونة عليها او خيالات ظل. بداية تغريب، بداية حضور بريشت في المسرحية. نضال الاشقر، بريشتية، تغريبية في قراءة مسرحية سعد الله ونوس، الميالة الى نبرة ملحمية هادرة، تبسط اشياء وتعمق اشياء. تغريبية في خط سير واضح وصريح، يقترب كثيرا من الرغبة في توجيه تحية الى مرحلة الستينيات وتجربة فرقة محترف بيروت للمسرح. ذلك ان التغريب، هو تغريب اصولي لديها، تغريب تقاليد صارمة، فهمت واستعملت واستلهمت في الستينيات والسبعينيات من تجربة المسرح في لبنان. عندها التغريب منهج، لذا لا تدور حضور الحكواتي البريشتي لصالح الحكواتي الممثل. او الممثل الذي يروي حكاية هو جزء منها. دور الممثل، غيره هنا. دور متداخل في النص، لا لكي يتداخل فيه فقط، بل لكي يكسر تداخله فيه، برسمه مسافة عنه، في لحظات تغريب واضحة المعالم. بيد ان المسرحية، في هذه اللعبة، تصير حكاية، تصير رواية، تزيد على السرد سردا، في ظل طغيان عارم للسرد. ولكن، قبل الدخول في السرد وفي نقيضه، وقفة امام تغريب الاداء. انه في مستويين، مستوى الخروج من الشخصية، حين يخلع الممثل قطعة من ملابسه، للايحاء بالخروج من الدور، متحولا الى حكاء. ومستوى آخر، يتمثل في خروج الممثل الى الرواية مباشرة في مجموعات، من ثلاثة او اربعة او خمسة. في المستوى الثاني، ينقلب تغريب الاداء، الى اداء ناهر. اداء ينهر. لست ادري، فيما تنقلب سحن الممثلين في لحظات تغريب الاداء الى القسوة المبالغ بها. قسوة برانية لا تطابق روح الاداء التغريبي. وهو أداء، يذكر بتجارب قديمة بعيدة، اتكأت على التغريب في الاداء. تغريب، يرتد على جميع العناصر المستلهمة من التغريب، في الطريق الى تخطيه، في الطريق الى اساليب أداء اكثر علاقة بالراوي المحلي او الحكواتي المحلي. الحكواتي بريشتي في »منمنمات تاريخية«، حكواتي ازمنة قديمة، حكواتي دور، يكسر قدمه في التطريب، او في التلوين الغنائي عبر التنويع العُربي على جملة واحدة، تتعلق بالنهر ومستواه، هجوم الضفادع عليه، او ارتفاع منسوبه، او طوفانه. فكرة من افكار، ركبت نضال الاشقر »منمنمات تاريخية« عليها، وصلت حد المبالغة في الاستعمال. وهي مبالغة ارتسمت ايضا، في تأكيد هجوم الضفادع على النهر، بقص مجسمين لضفدعين وانزالهما، خلف الشاشة، حتى تحولا الى خيالين للظل، اشارة الى ترجمة الاقوال والافعال في تعبيرات موازية، ليست بحاجة اليها. يكفي استعمال الصور القديمة ذات الدور الواضح في اضفاء الروح التاريخية على النص التاريخي. ثم ان التغريب، حاضر بدوره في حضور المجسمات التي تمثل جنود الغزاة. مجسمات تملأ المسرح، وتحتله وتثبت فيه. سوف يمنع هذا التحالف، مع ترجمة الافكار بطرق مباشرة، احتمالات التخييل. وهي احتمالات جدل، تناسب المعنى الداخلي العميق لنص سعد الله ونوس. هيئات بالاحجام الطبيعية دائما، الا في حالات نادرة. مطابقة الواقع بالواقع، تغيب قوى تعبيرية لدى المشاهد. قوى اتصال بالمشهد، بالمسرحية، بالادوات المسرحية، بطرق صوغها، بأفكار قيامها. وخصوصا، في وسط نص ذهني تاريخي، في منأى عن صلات الحلم الشرقي بنص مفتوح على الفضاءات الواسعة. حلم واقعي كأن »منمنمات تاريخية« تقدم خلاصة الاحداث، لا الاحداث، يؤثر هذا على الفنيات والجماليات، فمن شوق الى كابوس ومن كابوس الى خيط من الامنيات الدافقة التي لا نجدها على أرض الواقع الا لماما. المسرح لدى نضال الاشقر في »منمنمات تاريخية«، حلم واقعي، ترتد اعتباراتها الفانتازية عند واقعيته، اي عند حدوث ما حدث، بعيدا عن أقنعة الاتيكيت وسلوكياته. التأمل في بنية المسرحية، يوصل الى الانهاك مع امتداد زمنها الى ما يقارب الساعتين. انه السرد، في تداخلاته التعليمية، ينعكس على روح المسرحية، يصلبها، يوقعها في التنميط، وفي الاصرار على التكرار، سواء على صعيد الرواية او عرض المشاهد الظلية او المشاهد السردية. كأنها أرادت بذلك ان تبلور، شيئا بدا في قعر المسرحية البعيد او في دواخلها، هي نضال الاشقر، ارادت ان تبلور حدسا، وهي تصوغ السرد في برلوغات تقديمية بين المشاهد، هي في حد ذاتها مشاهد كاملة. تلخيص موجز للعبر، في هذه العملية وفي الاسقاط التاريخي على الواقع. ذلك ان »منمنمات تاريخية« مسرحية درس تاريخي شرقي. كسر حد السرد، رهن باختزال بعض اجزاء المسرحية، حتى تتلاءم ايقاعا والثقل التاريخي الذهني للنص الونوسي. جرأة نضال الاشقر صريحة، في قراءة النص الأصلي، في موجز للعبر. غير انها في هذه المساحة بالذات، تخوض في مغامرة لا نهائية، تضبط النص في روح مسرح سعد الله ونوس التغريبي. وهي مغامرة، اخذت الكثير من الوقت بهدف القراءة، التي تركت الممثلين على ما يبدو لارتجالاتهم في الطريق الى سلوك طرقات صوغها، على الهمة الشخصية، تحت اشراف مقنن. لذا، مال الممثلون بكلهم، اما الى تقفيص الاجساد واما الى اعتماد الأداء المائل الى الكبر (حتى عند الصغار). هذا ما ظهر تماما في الاشكال الجسدية التي رسمت الجسد المتقفص وبالقدمين المكسورتين وباليدين المنسدلتين الى تحت وبطعج الرقبة، في وحدة غريبة. »منمنمات تاريخية« مسرحية مزج بين الشعبي واللاشعبي، بين الاحتراف وروح الهواية لدى البعض والتدرب على مساقط الاحتراف لدى البعض الثالث. مسرحية بحاجة الى القليل من العمل الاضافي عليها، لكي يتحقق توافقها الوقتي، والى تدرب اضافي على الاداء، لكي يخرج الممثلون من وحدة الاداء الى تنوعه وغاياته لدى المخرجة، في مجال تأقلم الممثلين بدون وقوعهم في النمط، والى تكثيف العمل على الغناء، لأنه بلا ضرورة في احيان، لأن غاية الغناء الجماعي او الفردي، فاعليته في توضيح حال خاصة يصعب شرحها بالتعبير. وهذا ما لم يحدث، امام السرد المستفيض. إعادة نظر بسيطة في المسرحية، تحجب الحشوات الاضافية في مسرحية صعبة، ذات غاية واضحة منذ بداياتها. وضوح غير فلكلوري، في معاينتها الدقيقة للحدث التاريخي وقربها من واقعه. الاختزال، يخفف من سطوة الترجمة، لكي تخرج المسرحية من الفرضيات الكلاسيكية الى تناول التراث التاريخي من منظور نقدي فاحص. تمحيص التراث وتنقيته من شوائب احد عوامل نهوض المسرحية. انها قريبة، على بعد خطوتين، صعبتين. ولكنها هناك، ولو في ظل حضور لا موضوعية سعد الله ونوس في رسم شخصية ابن خلدون، وهي لا موضوعية ضمنية، تتضمن لا ضمنيتها احداثا متفجرة، كحصار دمشق وسقوط قلعتها.