As Safir Logo
المصدر:

«سوق الضيعة» في اللاذقية.. باقِ برغم الحرب

المؤلف: سليطين بلال التاريخ: 2016-02-17 رقم العدد:13295

اللاذقية ـ بلال سليطين تحمل أم علاء صاجها كل يوم سبت إلى حديقة البطرني في مدينة اللاذقية، لتُذَوّق زبائن «سوق الضيعة» فطائرها المصنوعة على الطريقة الريفية التقليدية، والتي تفوح منها رائحة الأصالة وعبق الطبيعة العذراء التي أنتجت موادها الأولية. هذا الطقس تواظب عليه السيدة الريفية منذ سنوات عديدة، وتدين بالفضل فيه لـ «سوق الضيعة» الذي وفر لها ولعشرات القرويين فرصةَ تسويق منتجات بلداتهم في المدينة بطريقة تجعل المستهلك يشعر وكأنه يجول في إحدى ساحات قرى الريف قبل أكثر من ربع قرن. «سوق الضيعة» ذائع الصيت في محافظة اللاذقية عبارة عن نقطة التقاء بين منتجي المواد الزراعية والصناعية التراثية القروية ومستهلكي هذه المواد بشكل مباشر من دون وسيط، وله أهداف واضحة ومحددة تتمثل ببناء مجتمع صحي من جهة، والحفاظ على الأرض من جهة ثانية. انطلاقة السوق كانت في العام 2006 عندما وجدت مجموعة من نشطاء المجتمع المحلي، وعلى رأسهم الصيدلانية زينة وليد، أن المرضى يحتاجون إلى طعام صحي وأغذية عضوية خالية من أي عناصر كيميائية أو غير طبيعية، فأقاموا من أجلهم سوقاً تتوفر فيه كل هذه المنتجات التي كانت بمثابة مكملات الأدوية لهم، وساعدت على شفائهم بشكل أسرع، إذ تؤكد وليد أن الدواء يحتاج إلى غذاء صحي لكي يعزز فعاليته، ويقوي جسم المريض. «سوق الضيعة» الذي يحتفل بمرور عشرة أعوام على انطلاقه توسعت فكرته بشكل أكبر، وبات هدفه «الوقاية» إلى جانب خدمة المرضى، حيث تبين وليد أنه يقدم الغذاء الصحي المتوازن ويحافظ على صحة الإنسان وصحة «أمنا الأرض»، بحسب تعبيرها. في «سوق الضيعة»، يجد المستهلك الخضروات والحشائش (هندباء، بقلة، حميضة، بقدونس، نعنع، جرجير..)، إلى جانب مواد المؤونة، الحبوب كاملة القشرة، المربيات بأنواعها، الدبس، وكذلك بعض المنتجات اليدوية المصنوعة من مواد الطبيعة الخالصة. وتؤكد لطيفة شبيب من جمعية السوق أن «منتجاتنا خالية من المبيدات الحشرية، والسماد الكيميائي، وهناك عملية مراقبة مستمرة عليها من قبلنا». عند مدخل السوق، يحجز بائع الخشبيات لعلاج الطاقة مكاناً دائماً له، وعلى بعد خطوات منه، تفوح رائحة صابون الغار، فيما تجلس قبالته سيدة في السبعين من عمرها، تعمل على فرش القريص، وتجتمع حولها بعض النسوة ليتناقشن حول فوائد هذه النبتة البرية، فيما تكيل سيدة خمسينية الزيتون بعد تذوق طعمه. أما أم إيناس، فيقصدها الناس من كل حدب وصوب في المحافظة بحثاً عن منتجات التين التي تقدمها (هبول، مجفف، وغيره). يحافظ «سوق الضيعة» على الزراعات العضوية، وكذلك المنتجات التراثية، ويوفرها المشاركون للراغبين بها، كما أن فكرته تشجع على حماية الأرض من الأضرار التي يلحقها بها بعض المزارعين بسبب سوء الاستثمار. بالإضافة إلى ذلك، يعمل هذا التجمع الريفي في قلب المدينة على خلق ثقافة لدى المواطن السوري مرتبطة بالغذاء الصحي وكذلك بالأرض التي يعيش فيها. «نحن زائرون في هذه الأرض، وعلينا عندما نذهب أن نتركها أفضل مما كانت»، تقول الصيدلانية وليد. واستطاع «سوق الضيعة» رسم ملامح علاقة جيدة جداً مع الأوساط المجتمعية في اللاذقية وخارجها، حيث يزوره يومياً مئات الباحثين عن طعام ريفي نظيف يذكرهم بأجدادهم الذين عرفوا بطبيعتهم التي انعكست نكهة في طعامهم. في العام 2010، عاش السوق عصراً ذهبياً، وظل يتقدم تصاعدياً حتى العام 2012 حينها بدأ يتأثر بالحرب التي ألحقت الضرر بالعديد من المنتجين الذين دُمرت مزارعهم وانقطعت سبل وصولهم إلى اللاذقية، خصوصاً أولئك القادمين من المحافظات البعيدة، لذلك فهو يقتصر اليوم على المنتجين القادمين من محافظات طرطوس وحماه، إضافة إلى محافظة اللاذقية. يشكل «سوق الضيعة» حالة اجتماعية صحية بين مجموعة كبيرة جداً من السوريين الباحثين عن السلامة والصحة التي امتلكها أجدادهم من قبلهم، وهو في حالة تطور مستمر، حيث سينتقل المشاركون فيه إلى «المتحف الوطني» (مكان أثري) بعد أيام، ليكون مقراً جديداً لهم يجمعون فيه تاريخ بلادهم وتراث الأجداد وأصالة الأرض الطيبة التي يعيشون عليها.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة