الاجراءات الحكومية في المجال الاقتصادي ليست محل متابعة جدية، ولا هي في رأس جدول أعمال السياسيين الذين يهتمون حصرا الآن بمعالجة الخلل في العلاقات اللبنانية السورية، او الذين يدرسون مخاطر استمرار عمليات المقاومة في مزارع شبعا. ويبدو ان القوة السياسية ل»الحزب المسيحي« تجاوزت ترتيب الأولويات في النقاش الى حدود تغييب او تسخيف الحديث عن مشكلة اقتصادية ساخنة تهدد ما تبقى من مناعة في الجسم الاقتصادي اللبناني، لا بل ان »القطاع الاقتصادي« في هذا الحزب مهتم باعادة تقييم المعاهدات بين البلدين والاتفاقات الاقتصادية وغير الاقتصادية وتأثير العمالة السورية من دون العمالة الأجنبية الأخرى على قوة الاقتصاد وعلى سوق العمل اللبناني الذي يعاني من بطالة غير محددة النسبة بصورة علمية، بل هي محل تضارب في التقديرات. ولذلك، فمن غير المتوقع في المرحلة المقبلة ان يصار الى أي تعديل جدي في الخطاب السياسي الا لناحية تخفيف حدة اللهجة او ارتفاعها بمعزل عن الموقع السياسي للاطراف المعنية التي تدرس بصورة او بأخرى المواقف وردود الفعل التي صدرت عليها من جانب الحكم او من جانب الفريق الموالي لسوريا. ومع ان النقاش حول الملفات الداخلية ليس مستحبا من جانب أهل السلطة لكي لا يحول الى مادة خلافية من النوع الذي يستفيد منه الآخرون، هذا في الوقت الذي عادت فيه الخلافات بين الكبار لتظهر بصورة تشير الى انفجار كبير ممكن ان يحصل في لحظة توتر سياسي او في لحظة انهيار اقتصادي. ولكن اللافت في النقاش الدائر الآن هو ان الاطراف كافة لا تزال تغرق في لعبة التسوية وفق المعايير الاقليمية، أي ان الفريق المسيحي الذي يحتج على العلاقات اللبنانية السورية يهتم أكثر برد الفعل من سوريا على هذا الكلام واعتبار المواقف اللبنانية المعترضة نوعا من الكلام السوري غير المباشر، وبالتالي لم يعد لدى المعترضين على الوجود السوري أي معنى او قيمة لمواقف لبنانية إلا في حال وافقتهم الرأي ولو بدرجة أقل من ناحية التوصيف او الاعلان. وبذلك يصبح موقف وليد جنبلاط المعلن منذ الانتخابات النيابية وما بعدها موقفا مقبولا لكنه غير نهائي بانتظار فترة »اختبار« له حتى يجري التأكد من انه لن يتراجع عنه لاحقا. وإذا حاول جنبلاط اعطاء اشارات تمايز ولو جزئية عن موقف الآخرين من المعترضين على الوجود السوري قيل انه يحاول احتواء ردات الفعل الغاضبة عليه من جانب دمشق. كذلك هو حال رئيس المجلس النيابي نبيه بري الذي اختفت فجأة الانتقادات الموجهة اليه باعتباره »رأس السلطة التشريعية التي صنعتها المخابرات السورية«، على حد ما يردد هؤلاء من دون توقف، ويجري التعامل مع مبادرته التي اعلنها في بكركي على انها اشارة ضعف للعامل السوري. وإذا ما تبين بعد وقت قصير ان مبادرة الرئيس بري لا تمثل بالضبط ما هو في تفكير القيادة السورية، ذهب هؤلاء الى القول انه تعرض للضغط واستجاب له او انه من البداية لا يصلح للقيام بدور المحاور، وهو الأمر نفسه مع الرئيس الحريري الذي كانت تربطه بالأوساط المسيحية علاقات قوية وخاصة منذ وقت غير قصير، فقد جرى تجاهله بصورة لافتة منذ انطلاق النقاش البطريركي حول الوجود السوري، وفقط حين تحدث عن ملف العماد ميشال عون صارت التحيات ترد اليه بالعلن وبالسر، وإذا ما عاد الى موقف اقرب الى الوقائع السياسية المحلية والاقليمية، جرت ادانته باعتباره لا يمثل قوة حقيقية او انه من غير القادرين على القيام بمبادرة. وحده فؤاد بطرس الشخصية التي أتيح لها القيام بدور الوسيط على سبيل اجراء »بروفة« لحوار غير قائم بصورة مباشرة بين الكنيسة وبين سوريا، لم يتعرض لأي انتقاد او ملاحظة من جانب الفريق ذاته، وذلك يعود إما لكون الغالبية من هذا الفريق تعتبر الوزير الأسبق بمثابة »البطريرك السياسي«، او هذا الفريق لا يقبل بمحاور إلا من هذا النوع الذي له مكانة خاصة في الوسط المسيحي كما له حضوره في الوسط الاعلامي، مع العلم بأن احدا لم يشر تماما الى تفاصيل ما قام به او لا يزال يقوم به بطرس الذي كان في العامين الماضيين من الذين صُدموا بالآليات السياسية المتبعة بعد وصول الرئيس لحود الى الحكم، وقال ما اعتُبر الاشارة الابلغ الى الوضع القائم حين قال ان المطلوب في هذه اللحظات تدخل سوري في الحياة الداخلية لمنع الانفجار او لوضع حد لما يجري. ولذلك، تبدو الخلاصة المنطقية لما يجري وكأنها متصلة بالدور الذي يلعبه اللاعبون بما يناسب »الحزب المسيحي«، ومن اقترب من ثوابته وعناوينه تمت الاشادة به، ومن اعترض او رفض تم اعتباره »عميلا سوريا« لا يصلح لشيء، ومن دون اعتبار القيمة الخاصة لهذا الفريق او ذاك، تماما مثل الموقف السخيف والساذج من حالة المقاومة التي يعتقد اصحاب هذا الرأي وكثيرون غيرهم انها اداة بيد سوريا وانها تعمل وتنفذ ما يطلبه السوريون، بما يؤدي عمليا الى القول بأن احدا في لبنان لا يريد تحرير أرضه من الاحتلال الاسرائيلي. او ان هناك فئة من اللبنانيين، قررت ان تضحي بجيل جديد من أولادها فقط لارضاء رغبة سوريا. وفي احسن الاحوال يعتبر »الحزب المسيحي« كما ورد في بيان مكتبه السياسي (مجلس المطارنة) ان فريق المقاومة فئة لا اسم لها فيعمد الى شكرها في النداء الشهير على قاعدة: ».. والذين حرروا الجنوب«!. وهذا ما يدفع الى الاعتقاد مرة جديدة، ان مشكلة الحوار لا تتصل فقط بكون التوازن المفقود بين سوريا وبين » الحزب المسيحي« لا يسمح بنتائج جدية او قريبة، بل لأن هناك خطأ قاتلا يرتكبه اصحاب هذا الرأي عندما يعتقدون ان بالامكان اتمام صفقة مع سوريا تكون قابلة للتعميم مباشرة من جانب بقية اللبنانيين، باعتبار انهم لا يمثلون غير الصدى!.