As Safir Logo
المصدر:

محطّة مصر

«سد النهضة»: بين «ميكروفوني» محمد مرسي وسامح شكري

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره السوداني عمر البشير ورئيس وزراء إثيوبيا هايلي ماريام ديسالين بعد توقيعهم وثيقة إعلان المبادئ لسد النهضة في الخرطوم، في آذار الماضي (ارشيف «السفير»)
المؤلف: بسيوني مصطفى التاريخ: 2016-02-05 رقم العدد:13286

القاهرة ـ مصطفى بسيوني كان مشهداً صادماً بحق، عندما تُرك «الميكروفون» مفتوحاً خلال الاجتماع الذي دعا إليه رئيس الجمهورية محمد مرسي لمناقشة قضية «سد النهضة» الأثيوبي في العام 2012، لتذاع على الهواء أحاديث أقرب إلى الدراما التلفزيونية الرديئة في قضية يفترض أنها تؤثر بمنتهى القوة في مستقبل أجيال قادمة في مصر. يومها، عبّر هذا المشهد عن اهتراء وتدنٍّ في مستوى الآداء للدولة المصرية في ظل حكم «الإخوان المسلمين». بعد نحو ثلاثة أعوام من زوال حكم «الإخوان المسلمين»، عاد «الميكروفون» ليلعب دوراً مركزيا في قضية «سد النهضة». وعلى مدار ثلاثة اجتماعات لوزراء الري والخارجية لكل من مصر والسودان وأثيوبيا، كان الخبر الرئيسي التي تتناقله وسائل الإعلام هو إلقاء وزير الخارجية المصري سامح شكري «ميكروفون» فضائية «الجزيرة» القطرية من منصة المؤتمر الصحافي عقب الاجتماع الوزاري. في الواقع، فإنّ ازمة «سد النهضة» تتجاوز كثيراً واقعتي «الميكروفون» الأول والثاني، لتصل الى ما يمس مستقبل مصر وأمنها القومي. وليس من قبيل المصادفة أن يكون أهم حكام مصر في العصر الحديث، وهما محمد علي وجمال عبد الناصر قد وضعا مياه نهر النيل في أولياتهما، فقام الأول بإرسال بعثات لكشف منابع النيل وتأمين استمرار تدفق المياه العذبة لمصر، فيما خاض الثاني معارك كبرى لبناء السد العالي لحماية البلاد من الفيضان وتوفير المياه للري طوال العام. ولكن يبدو أن ما أنجزه الزعيمان معرّض للتبديد في الوقت الحالي، ذلك ان «سد النهضة» الذي تشيده أثيوبيا على النيل الأزرق، الذي يمد مصر بنسبة 85 في المئة من حصتها من مياه النيل، قد يؤدي إلى الانتقاص من تلك الحصة البالغة 55 مليار متر مكعب سنوياً، مع العلم ان هذه الكميات المائية أصبحت عاجزة بالفعل عن تلبية احتياجت مصر، مع الزيادة السكانية واحتياجاتها التنموية. العمل في «سد النهضة» الاثيوبي بدأ في نيسان في العام 2011، أي في فترة حكم المجلس العسكري بعد «ثورة 25 يناير». يومها كان المجلس العسكري منشغلا بالشأن الداخلي، ولم يبذل جهداً حقيقياً في مواجهة الأزمة مبكراً، فورّثها الى حكم «الاخوان المسلمين». وفي فترة حكم محمد مرسي، لم تشهد ازمة «سد النهضة» تحوّلات حقيقية في الاهتمام الرسمي إلا على الصعيد الدعائي، لتكبر اكثر فأكثر مع وصول عبد الفتاح السيسي الى الحكم، تزامناً مع بدء الخطوات الأخيرة في المشروع الاثيوبي، فهرعت الدولة المصرية لإنقاذ الموقف. وفي آذار من العام الماضي، تم التوقيع على وثيقة إعلان مبادئ بين مصر وأثيوبيا والسودان، اعترفت مصر فيها بشرعية «سد النهضة»، في حين لم تلتزم أثيوبيا بحصة محددة لمصر من المياه. واكتفت الوثيقة بوضع مبادئ عامة، اقصى ما فيها التعهد بعدم الإضرار بمصالح الدول، وحل المشاكل التي تظهر عبر الحوار والتفاوض. وبموجب تلك الوثيقة، عمدت أثيوبيا إلى تسريع الانشاءات في «سد النهضة»، مع المماطلة والتسويف في المفاوضات والحوارات التي أقرتها الوثيقة، حتى أصبح السد في مراحله الأخيرة، حيث من المقرر أن يبدأ التخزين وتوليد الكهرباء تجريبياً في حزيران المقبل، اي بعد أربعة أشهر فقط، على أن ينتهي العمل بالكامل في تشرين الأول في العام 2017. وفي المقابل، ما زالت المفاوضات جارية حتى الآن من دون التوصل لاتفاقات نهائية. وبصرف النظر عن التفاصيل الكثيرة المرتبطة بالمفاوضات، لا سيما قضية اختيار فرق الخبراء والمكاتب الاستشارية لتقييم آثار «سد النهضة» على مصر والسودان، وآليات المماطلة التي استخدمتها أثيوبيا للانتهاء من بناء السد، فإن القضية عكست أمرين مهمين في السياسة المصرية: الأول، هو الانكماش الواضح للعلاقات المصرية ـ الإفريقية، بعدما وصلت الى عصرها الذهبي في الستينيات، عندما لعب النظام الناصري دوراً مركزياً في دعم حركات التحرر الوطني في أفريقيا، ومد الجسور مع الأنظمة الصاعدة وبنى تحالفات متينة في مواجهة القوى الاستعمارية. ولكن الدور المصري في أفريقيا تراجع تدريجياً في السنوات السابقة حتى انعدم تقريبا. وفي المقابل، فإن الفراغ الذي تركته مصر لم يظل خاويا، فالقارة الغنية الضعيفة تسابقت عليها القوى الإقليمية والدولية لبناء نفوذها، وتزايد فيها الدور الإسرائيلي والصيني والإيراني، وحتى الخليجي، بينما اختفى الدور المصري، الذي كان ضامناً على الأقل لحماية مصالح مصر المائية في حوض النيل. الأمر الثاني، هو الأداء المتواضع والهشّ للغاية للديبلوماسية المصرية في أزمة «سد النهضة». ولا يمكن التذرع بحال من الأحوال بالأوضاع عقب «ثورة 25 يناير» لتبرير أداء الديبلوماسية المصرية، فالجهد الذي بذلته الديبلوماسية المصرية في تلك الفترة كان مختلفاً في الملفات الأخرى. وفي هذا الإطار، يمكن الحديث عن توطيد التعاون مع إسرائيل لمواجهة الجماعات المسلحة في سيناء، وقد نجحت هذه الجهود بالفعل في زيادة القوات المصرية في سيناء بعد خفضها لعقود بموجب اتفاقية كامب ديفيد. كما نجحت الديبلوماسية المصرية في كسر العزلة عقب إطاحة «الإخوان المسلمين» في العام 2013، حيث تمكنت، عبر مناوراتها بالعلاقات مع روسيا والصين، في الضغط على الولايات المتحدة والاتحاد الأوربي في تخفيف الضغط عن النظام المصري. ومع ذلك استمر ملف «سد النهضة» بكل ما يعنيه من مخاطر على الأمن المائي المصري يراوح مكانه من دون تقدم، في الوقت الذي استفادت فيه أثيوبيا من هشاشة الأداء المصري في التقدم بسرعة في بناء السد. واللافت أن الأداء المصري في ملف «سد النهضة» يتناقض بوضوح مع طموحاته التنموية التي لا يتوقف الحديث عنها والتبشير بها. وفي الوقت الذي تشهد حصة مصر المائية من النيل تهديداً جدياً، وهي لا تكفي بالفعل لمشاريع التنمية، يتحدث النظام المصري عن خطط تنموية طموحة تتضمن استصلاح وزراعة مليون ونصف فدان، بينما لا يبدو أن ما يجري في حوض النيل حاليا سيترك الحصة المائية لمصر كما هي، خاصة أن بناء سد النهضة قد يليه بناء سدود أخرى. عمد محمد علي قبل أكثر من 200 عام إلى تأمين موارد المياه لمصر بكشف منابع النيل. وسعى عبد الناصر قبل أكثر من نصف قرن لتخزين المياه لتوليد الطاقة ومواجهة الجفاف. عبّر كلاهما عن مشاريع تنموية تخطط لعشرات السنين في المستقبل، بينما لم يستطع النظام المصري مؤخراً في حماية شريان مصر المائي. كل ما فعله كان... إلقاء «الميكروفون»!

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة