As Safir Logo
المصدر:

«خريف البراءة» لعباس بيضون.. حفريات اليتم وتآويل الجريمة

المؤلف: نصور حسن التاريخ: 2016-01-19 رقم العدد:13271

يتمحور العمل الروائيّ الأخير لعباس بيضون، «خريف البراءة» (دار الساقي)، حول حدث مركزيّ عبارة عن جريمة قتل (رجلٌ يقتل زوجته مخلّفاً طفلاً يتيماً). إنّها ثيمة جذّابة تُغري في العادة أيّ تصوّرٍ سرديٍّ إذ تفترض الجريمة، كمحور سرديّ، توتّراً وغموضاً يطالان سائر الشخوص. نعني لناحية التعامل الملتبس مع صدمة من هذا النوع. هنا، ينبني الشغل الروائيّ لا على تقديم هيكل سرديّ متناسق ومتوازن لناحية تفرّع الأحداث من حدث مؤسّسٍ وحسب، بل على تلك الخفّة والبراعة في تحفيز السرد كي يمارسَ تأويلات دائمة على هؤلاء الشخوص، أو، لو صحّ التعبير، كي يترجم التباس الأشخاص، أساسيين أو ثانويين، في تعاملهم مع جريمة فادحة وعارية ومسكوت عنها، من خلال تراكيب لغوية احتمالية تدخل المتلقي في مزاج الراوي المأوّل نفسه. يكون الحفر، هنا، ابتكاراً سردياً، أيضاً، لناحية تفتيح الجريمة كثيمة خصبة على مجمل يتحلّق حولها ويتداعى منها على اختلاف طبقات السرد. إنها الجريمة التي لا تكون محكومة ومطواعة لانطباعات الراوي وذاتيته إلاّ بقدر ما تتحكم وتقولب، هيَ، سياقات القصّ بجاذبيةٍ تغدو ميزة الرواية. لا نقول، إذاً، إنّ هيكل السرد الخارجيّ عند صاحب «ألبوم الخسارة» (2012)، لناحية التداعي الشكلاني والزمني للأحداث، هو ما ينشئ رواية مكتملة وممتعة وحسب، بل إن الرواية تكتمل بإيقاعات داخليّة أو ما يشبه أصواتاً تحتيّة تتخلل العلاقة المضمَرة او المعبّر عنها، على غير مستوىً، للشخصية الرئيسية «غسّان» بالتفاصيل والأسماء التي ينشغل بها السرد، علاقاتٍ قريبة أو بعيدة أو أمكنة (الصديق، قبر الأم، البيت المهجور، سامية...). غسان هو ابن الجريمة. أو هو المجال النفسيّ إذ تصبّ عنده كلّ تعالقات الجريمة باعتباره المنفيّ الاوّل من جرّائها والساكت المستمِع المريضَ كشاهد ذاتيَ، عياني في نصف السرد ومن ثمّ كشاهد متكلّم ناطق وفاعل في الشطر الآخر من السرد. على أن عودة الوالد المرتكِب في هذا الشطر الأخير إلى الضيعة أو، بمعنى آخر، خروج الوالد من سرديات الآخرين إلى سرديته الذاتية بعد نيّف وعقدين من الغياب ليس إحياءً للجريمة. إنّها، بوجه من الوجوه، كيفيّة لإخراج الجريمة من نسيج السرد التحتي إلى سطح الأحداث. الجريمة لا تذهب. إنها تتمدّد أو تتفلّت في المساحة التي لا تكون مرئيّة. وهي، بتواريها المرحليّ، تؤسس لمواقف وسياقات حياتية، تبدو قسريّة، وقد لا تكون قابلة للتجاوز بأيّ حال. إنها، تحيل، في العمق، إلى فكرة كونها تستدرج أحكاماً معيارية حول الثنائيات النمطية التي لا يخلو سردٌ طويل عن جريمةٍ مفترضة منها. نعني الثنائيات التي تتخللها الجريمة كحدث سيّال قابل للتأويل والتنقل في خانات محدّدة: الجلاد/ الضحية، المذنب/ البريء، التائب/ المدلّ بضلاله، وسائر الثنائيات التي تشقّ بيئات كالبيئة القروية الابوية التي يدور فيها سرد بيضون. الجريمة تأكل «غسّان» أولاً ثم تالياً... (يقرر اغتيالَ أبيه ثأرا لمقتل صديقه) وأخيراً. والوالد، بعودته قائداً لجماعة دينية تحكم القرية بالقتل والترهيب، ليس، عملياً، إلا القفلة العبثية السوداء المتوقعة لحياة ابنه غسان التي ظلت مشدودة بخيط الالتباس والشتات الداخليّ. يحيل ذلك بالضرورة إلى سؤال اليتم والفقدان عموماً، لا بكونه سؤالاً يعكس تلك الحاجة الشخصية الحميمة إلى مساحة شعورية بديلة أو تعويضيّة بل بكونه العجز الدائم عن الإقامة في فضاء تأويلي منطقيّ للذات. تغدو الجريمة حالاً ويصير الفقدان بئراً عميقة تجهد الذات لملئها بعزلات كثيرة وثرثراتٍ غريبة مع الأشياء. ثرثرات هي كلامٌ ينشأ من تفريعاتٍ عن الجريمة. تفريعات لا توحي للمتلقي بقابليتها للسكون أو للإقامة في الثبات ما خلا سكونَ الموت وثباته. «أخرجوه إلى الشاطئ ورأسه يغلي، طرحوه على الرمل قرب الموج. تقدّم عماد، ابن بشرى، وبيده سكين ماضٍ، سكين كبير تلمع شفرته، حزّ به خناقه ففار الدم وبدأ الشريان يقذفه إلى البعيد. كان الابن ينطفئ والدم العائلي يصبغ الموج» (ص. 190). يمكن القول إن «خريف البراءة» بعد ساعة التخلّي (2013) والشافيات (2014) هو، في الخلاصة، سرد مكتملٌ متباسطٌ بعدة كاملة للكتابة الروائية. زد على ذلك، أنه سرد غيرُ مستسلمٍ لمنسوبات عالية من الذاتية السردية الحاضرة بقوّة في أعمال روائية سابقة لبيضون. المفارقة، هنا، أننا، نتحدث، عن شاعر لطالما كانت ميزة شغله الرئيسيّة هي الابتكار اللغوي الدلاليّ في خلق الصورة الشعرية من مشهديات وأشياء متنافرة بتوتر وشغف عاليين. في هذا الحيز، تكون الخبرة اللغوية وطرائق تصريفِ الكلام شعرياً وبهذه الدقة إضافةً على السرد الروائي. لكنها ليست تلك الإضافة التي تُزعج السطوح السردية بتفلّت المزاج الشعريّ ومجانيته بل هي الإضافة التي تمرّر بحكمة ومرونة وتكون مذوّبة في المتون السردية.. «سامي صديق طفولتي. نذهب معاً إلى الحقول. وحين ندوس على شتلة كان يسمع أنينها. يعاود الدوس عليها ليتأكد من الأنين الذي سمعه» (ص. 20). حسن نصّور

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة