حينما دعا الرئيس السيسي إلى تجديد الخطاب الديني، لم ينتظر أحد أن يوقف برنامج إبراهيم عيسى هجومه على الوهابية وإقالة جابر عصفور هكذا لا يعدو التجديد أن يكون مظلة لغوية ومنافسة للجماعات الإرهابية على الدين، هكذا لم ينتج عن مؤتمرين للأزهر حول التجديد الديني شيء يذكر. لا جديد. 2015 هو عام اجترار قضايا الماضي بامتياز. ولكن القضايا تتحول إلى مهزلة من فرط تكرارها. يبدو التاريخ دائريا، نتصور أننا نمضي إلى الأمام بدون ان ندور في نفس الدائرة لنصل إلى النقطة ذاتها مرة أخرى. وهكذا يمكن أن تكون القضية الرئيسية المهيمنة على نقاشات المثقفين وخطاباتهم هي تجديد الخطاب الديني منذ اليوم الأول للعام، عندما يتحدث أحد عن التجديد يجد نفسه أمام القضاء محاكما بتهمة إزدراء الأديان. في يناير الماضي تحدث رئيس الجمهورية مخاطبا شيخ الأزهر «أنتم والدعاة مسؤولون أمام الله عن تجديد الخطاب الديني وتصحيح صورة الإسلام، وسأحاججكم به أمام الله»، وطالب بثورة دينية لتغيير المفاهيم الخاطئة. اعتبر البعض أن كلام الرئيس ثورة، لم تحدث من قبل، ايده المثقفون أو النخب الراغبة في التجديد الحقيقي.. وجاء جابر عصفور وزيرا للثقافة وواصل هجومه على الأزهر والخطابات الجامدة، وواصل المذيع التلفزيوني إبراهيم عيسى على قناة (أون تي في) معركته مع الرجعية الدينية وخطاب الوهابية الذي أنتج داعش، ونفس الأمر بالنسبة لإسلام البحيري مذيع تلفزيوني أيضا ومقدم برامج دينية... بداية الأمر كأنها حملة جادة للتجديد، تقودها السلطة... ولكن ما الذي حدث؟ ردود غير متوقعة تم وقف برنامج إبراهيم عيسى بسبب هجومه على الوهابية! حكم على إسلام البحيري بخمس سنوات سجنا بتهمة إزدراء الأديان بسبب هجومه على ابن تيمية! تمت إقالة جابر عصفور من منصبه وتسليم وزارة الثقافة لعبد الواحد النبوي الوزير المحافظ خريج الأزهر! خرج السيسي نفسه ليؤكد أنه عندما تحدث عن تجديد الخطاب الديني لم يكن يقصد ما فهمه البعض... بالهجوم على الدين! هكذا، أصبح الأمر «محلك سر» وهو ما يفسره الباحث الدكتور وحيد عبد المجيد: «لم يفعل الأزهر شيئا في تجديد الخطاب الديني، والواقع المصري القديم منذ 60 عاما الماضية، حدث فيه انتكاسة، في التعليم والسياسة، والاقتصاد، والبيئة المحيطة، وكل ذلك أدى إلى انهيار الخطاب الديني نظرا لارتباطه بكل الأمور المجتمعية، أصبحت البيئة الآن منتجة للتطرف والتعصب، اللذين يؤديان إلى العنف، وهما منتشران انتشارا هائلا في مصر وخاصة على المستوى الديني، كما رأينا من الجماعات المتطرفة، نظرا لأن بعض المتطرفين، يتحولون إلى التعصب ومنه إلى العنف، وهو أخطر الظواهر». بينما يرى الباحث في شؤون الأديان نبيل عبد الفتاح يبدو استخدام تجديد الخطاب الديني أو إصلاحه مجدداً لا يعدو أن يكون جزءاً من مظلة لغوية وشعاراتية تستخدم في الحرب اللغوية مع الجماعات الدينية السياسية، والراديكالية، ودعاة الطرق - وفق العميد طه حسين - وبعض الفتاوى والآراء الدينية «الغرائبية»، أو التي تنطوي على الغلو والتزمت والمحافظة الشديدة، جزء من مفردات حرب لغوية من مثيل التطرف والإرهاب وغيرها من الصفات السياسية ذات المحمولات السلبية. إن بعض الاستخدام الديني الرسمي لتجديد أو إصلاح الخطاب الديني لا يعدو أن يكون تغيير موضوعات الخطب الدينية الرسمية لوعاظ وأئمة وزارة الأوقاف في صلاة الجمعة أساساً، وهى سياسة مستمرة ومتغيرة في موضوعاتها منذ عقد الستينيات من القرن الماضي، وتحددها وزارة الأوقاف، وكبار مشايخ الأزهر الشريف، ومع ذلك لم يحدث تغير في عمق بنية الخطاب الديني ومرجعياته، ومنطوقه، وتوظيفاته إلا قليلاً لدى بعض الوسطيين أو الأشعريين، أو المعتدلين على قلتهم، إن تجديد الخطاب الديني يعني لدى بعضهم - وهو الشائع إعلامياً -، هو تحديد رأي المؤسسة الدينية الرسمية في بعض المشكلات الراهنة، من قبيل مواجهة الإرهاب، والتطرف الديني، وبعض آراء الإخوان، وفتاوى مشايخ السلفية التي تبدو غريبة من منظور ثنائية الحلال والحرام، كالقول مثلاً بحرمة مشاهدة مباريات كأس العالم.. الخ، أو بعض حقوق المرأة أو الطفل والعنف ضدهما.. من ناحية أخرى مساندة الخطاب الديني الرسمي السلطة الحاكمة في سياساتها الاجتماعية، أو مواجهة ظواهر البلطجة والجريمة والأشكال الأخرى للخروج على القانون في جرائم الوظيفة العامة، أو الاستيلاء على المال العام.. ويضيف عبد الفتاح: إذن لا جديد في معنى واستخدامات مصطلح الخطاب الديني وتجديده وإصلاحه وتطويره وتحديثه إلى آخر هذه المفردات السائلة والغامضة في الأسواق اللغوية والسياسية والإعلامية والدينية، ومن ثم لن يحدث أي تغيير حقيقي أو جدي في مواجهة الجماعات المتطرفة وفى أنماط التدين الرسمي والشعبي والراديكالي الشائعة في بلادنا، وفى تدريس العلوم الدينية بل أن النزوع نحو الأشعرية كمذهب ومنحى في الكتابة والإفتاء والخطابة الدينية لن يجد صدى كبيراً، بعد شيوع الفكر السلفي والوهابي، وتغير بعض الوسطية الاعتدالية في أفكار وتوجهات بعض أساتذة وأعضاء الجماعة الأزهرية! هل تمت دراسة حول الخطابات الدينية السائدة، ومكامن الأزمة فيها حتى يمكن وضع استراتيجيات لتجديد الخطاب؟ هل يتم تجديد الخطاب دون تجديد الفكر الديني حول أصول الفقه ومدارس التفسير والتأويل الديني، وعلم الكلام ومقارنات الأديان، وإدخال مناهج التفكير النقدي في العلوم الاجتماعية والفلسفات المعاصرة، والمناهج الجديدة؟ وهل هناك دراسات تاريخية نقدية حول تطور الفكر الديني المصري وهل هناك دراسة موضوعية ووصفية وتحليلية للمدارس السائدة في الأزهر الشريف والأوقاف، ومصادرها التاريخية ومرجعياتها الفقهية والكلامية والتفسيرية وذلك على نحو نقدى وموضوعي؟... السلطة والدين بينما يري الباحث جمال عمر صاحب كتاب «أنا نصر أبوزيد»: السلطة في بلادنا هي أكبر مستخدم نفعي للدين، من أجل السيطرة على الناس، الدولة تستخدم المؤسسات الدينية للسيطرة على الناس، وفي مقابل ذلك تتنازل لهذه الكيانات عن بعض سلطاتها، فلا تتم مناقشة قانون للأحوال الشخصية دون موافقة من الأزهر، ولم يصدر قانون حتى الآن ينظم الأحوال الشخصية للمصريين المسيحيين في بلد به مجالس نيابية وتصدر فيه قوانين منذ ما يقرب من قرن ونصف. حين تدعو سلطة لتجديد الخطاب الديني، فلن يعني أكثر من مجرد أداة تستخدمها في مواجهة جماعات العنف، التي تتنافس مع الدولة على من يستخدم الدين كوقود يسيرون به عربة السياسة، ويصبح تجديد الخطاب الديني في النهاية مجرد تعبئة القديم في زجاجات جديدة». في إطار هذه الرغبة في التجديد أقام الأزهر مؤتمرين الأول في مايو الماضي بعنوان «بحث آليات تجديد الخطاب الديني»، والثاني عقد بالأقصر في شهر نوفمبر الماضي تحت عنوان «رؤية الأئمة والدعاة لتجديد الخطاب الديني وتفكيك الفكر المتطرف».. ولم ينتج عن المؤتمرين سوى بعض التوصيات التي اعتبرت «حبرا على ورق».. وخاصة مع هجوم شيخ الأزهر الدائم على الشيعة واعتبارهم «رافضة» وهو الأمر الذي يؤجج الصراع السني الشيعي المتوهم في المنطقة! من سؤال التجديد الذى لم تتم الإجابة عليه الى سؤال الحرية ... إذ يبدو سؤال حرية التعبير.. سؤالا قدريا في مجتمعات مثل المجتمع العربي، «مساحة الحرية فيه لا تكفي كاتبا واحدا لكي يبدع» كما قال يوسف إدريس ذات مرة. لكن في العام الماضي اتسع السؤال ليصبح متعلقا ليس فقط بمنع أعمال إبداعية أو فكرية من النشر أو العرض (السينمائي والمسرحي) كما جرى مع طه حسين ونجيب محفوظ ويوسف إدريس.. وعشرات بل مئات آخرين في قائمة لا تنتهي.. تجاوزه إلى طرح أسئلة أخرى غير تقليدية.. مثل: أين تنتهي حرية القول...وأين يبدأ خطاب الكراهية والتحريض؟ ما هي رموز الدولة وثوابت الأمة؟ ومن يحددها؟ هل العلم والنشيد القومي رمزا الدولة؟ ولكن كم مرة تم تغيير العلم والنشيد؟ هل يجوز لمؤسسات الدولة نشر أعمال «صادمة» اخلاقيا ودينيا؟ من الذي يحدد أنها صادمة اساسا؟ هل ينبغي أن يكون للأقليات (الدينية والعرقية) داخل المجتمع حصانة ضد النقد أكثر من الأغلبية؟ وهل يجوز للأقلية نقد او تفكيك مفاهيم دينية او مجتمعية خاصة بالأغلبية...؟ اسئلة كثيرة لم تناقشها الثقافة العربية حتى الآن أو تتعامى عنها عمدا باسم «لا صوت يعلو فوق صوت المعركة»..؟ أسئلة الرقابة فجرها تحويل كتاب إلى المحاكمة بسبب مشهد من رواية مثل ما جرى مع أحمد ناجى الذى يحاكم بسبب روايته «استخدام الحياة».. وعشرات من الصحافيين بسبب ابحاثهم عن الأقليات في المجتمع: إسماعيل الإسكندراني، أو بسبب طرحهم أسئلة سياسية مسكوت عنها مثل حسام بهجت (الذي تم الافراج عنه). السلطة تحاول تأميم المجال العام ...ولكن على الجانب الآخر لا تزال هناك مقاومة لأن.. الأفكار والخيال في الهواء.. كيف نمنع الهواء؟! (كاتب مصري)