As Safir Logo
المصدر:

خليج السان سيمون وأهله.. من السبت الأسود إلى ألمانيا

على شاطئ السان سيمون... (عباس سلمان)
المؤلف: حريري رضا التاريخ: 2016-01-06 رقم العدد:13261

يصعب على القادم من جهة الرملة البيضاء أو من جهة الأوزاعي الانتباه للمفرق المؤدي إلى البحر على اليمين. تنتشر في هذه الرقعة محلات تصليح سيارات تعلوها كلمات كـ «كاراج، أشكمانات، إشابمانات، موتورات»، كتبها جميعها على ما يبدو خطّاط واحد. يوحي المفرق، لمن ينتبه له، أنّه يؤدّي إلى مكانٍ مغلق، إلى منزلٍ أو بنايةٍ ما. تدفع شدّة انحدار الطريق إلى نزوله هرولةً، ليكتشف المرء عند وصوله أنّ عالماً بأكمله قائم هنا، في خليج السان سيمون، في منطقة الجناح. في الأسفل، يسمع الشخص هدير البحر بوضوح شديد، يشعر بقربه منه، وتتشبّع رئتاه بأنفاسه، لكنّه لا يراه. تحتل مجموعة كبيرة من الأبنية المتكتلة والمتداخلة في ما بينها مجال الرؤية. يظهر جليّاً بسبب جدرانها الخارجية غير المدهونة وأبوابها الحديدية المتشابهة أنّها عُمّرت على عجل. وعلى الرغم من أن أعلى مبنى بينها لا يتجاوز ارتفاعه الثلاثة طوابق، إلّا أنّها تحجب البحر. هذا ما سيظهر عند توغلك في المنطقة. ستسير في شوارع ضيّقة، تغمرها مياه الأمطار، سترى سيارات مصطفّةً في كلّ مكانٍ، وستستغرب كيف نجح سائقوها في إيصالها إلى هنا. فجأة ستجد نفسك أمام أكوامٍ من النفايات، تليها مجموعة من الزوارق، ومن ثمّ البحر والسماء القريبة جدّاً. في ضيافة السيد عتريس في زيارتي الأولى لنقيب صيادي الأسماك في منطقة الجناح السيد إدريس عتريس، لم أكن لأنجح في الوصول إلى منزله لولا أن صادف وصول ابنه معي في الوقت نفسه. في زيارتي الثانية، في اليوم التالي، كان الوصول صعباً. تهت في أزقة ضيقة، صعدت أدراجاً لا تنتهي، وقرعت أبواب بيوتٍ كثيرةٍ قبل أن أهتدي إلى منزله. عند اندلاع الحرب الأهلية في العام 1975، كان خليج السان سيمون بقعة مميّزة للسباحة، تحوي العديد من الشاليهات. لكن، في السادس من كانون الأوّل من العام نفسه، والذي اصطلح على تسميته بـ «السبت الأسود»، بدأت عائلات لبنانية هاربة من مجازر «الكتائب» في مناطق الكرنتينا وتلّ الزعتر وجسر الباشا بالقدوم إلى منطقة السان سيمون. شيئاً فشيئاً تحوّل هؤلاء المهجّرون إلى سكّان دائمين في مكان ليس ملكهم. إدريس عتريس، كان في الرابعة من عمره حين هرب أهله من الشطر الشرقي لبيروت. الآن، صار عمر عتريس ستة وأربعين عاماً قضى معظمها هنا، حيث تعلّم مهنة الصيد، وتزوّج وأنجب أبناء علمهم الصيد أيضاً، وصار لديه أحفاد. «كنّا نزور هذه المنطقة كثيراً، حتّى قبل تهجيرنا من الكرنتينا. نأتي مع أهالينا لنسبح ونلعب على الشاطئ. لاحقاً عندما انتقلنا إلى هنا، أقمنا مينا، اسمها ميناء الكوسا للصيادين. صرنا نعمل في البحر، نصطاد صيفاً لنتمكن من تأمين معيشتنا ودفع أقساط مدارس أولادنا شتاءً حين يهوج البحر. لاحقاً أتت أيامٌ صار البحر يطلع علينا. كان لدينا «سنسول» يحمينا، أخذ البحر الـ «سنسول»، وصار يأخذ مراكبنا ويدخل بيوتنا. نحن نزوره مرّة في الصيف، وهو يردّ لنا الزيارة في الشتاء، لكنّها زيارة قاسية. العام الماضي دمّر البحر العديد من البيوت واضطررنا إلى تركها». تبدو علاقة إدريس بالبحر سيئة للوهلة الأولى، لكنّ حديثه عن زيارته وعدد من الصيادين لإحدى الدوائر الحكومية لتحسين وضع المنطقة يغيّر هذه الصورة. «بدأوا بسؤال كلّ واحد فينا عن الطائفة التي ننتمي إليها وعن الحزب الذي نتبع إليه. لكنّنا جميعاً نوالي البحر ولرزقنا منه. إذا تركت بيتي هنا وانتقلت إلى منطقة المدينة الرياضية فأحلف بغربتي». ينهمك الرجل الأربعيني في مونولوغٍ طويل عن علاقته بالبحر: «مهما هطل المطر في البحر سيبقى طعمُه مالحاً. ونحن مهما فعل البحر فلن نقدر أن نكرهه. نحن مدمنون على البحر. أولادي جميعاً يعملون كصيادين أو كمنقذين. ابني الأصغر حمودي ترك المدرسة ليتعلّم الصيد في البحر. قال أبي صياد وأريد أن أكون صياداً مثله. جميعنا في المنطقة نعيش من البحر». يتحوّل البحر في حديث إدريس إلى شخصية لها روح ومشاعر ومزاج. يحكي كيف كاد يغرق في إحدى المرات، «علقت تحت الشباك في الماء، لكنّني لم أخَف. لن أكذب عليك، تشهّدت مرّتين، لكن البحر لم يأخذني. البحر لا يقتل أصحابه، البحر صاحبنا. حملت شباكاً يفوق وزنها الثلاثمئة كيلوغرام وسبحت. وجدت أولادي مصطفِّين ينتظرون خروجي من الماء، فخرجت». تهجير تلوَ تهجير اليوم، «يتهجّر» أبناء المنطقة، حسب تعبيرهم، مرّة ثانية. «التهجير» هذه المرّة ليس بين شطرَيْ العاصمة، لكن إلى ما وراء البحار. أكثر من مئة وخمسين عائلة، معظمها من الصيادين، بحسب عتريس، عبرت البحر إلى تركيا بشكلٍ قانوني، ومن هناك خاضت رحلة العبور، بشكلٍ غير شرعي، إلى أوروبا. عائلتان من أصل هذه العائلات تمتّ بقرابة مباشرة للـ «النقيب»: ابنه وزوجته وحفيده، إضافةً لابنته وزوجها. يتكلّم «النقيب» مطوّلاً عن رحلة العائلتين إلى أوروبا. يتحدّث بفخرٍ عن ابنه الذي أنقذ ستة عشر شخصاً من قارب «زودياك» يقوده لاجئ حلبي غرق في البحر على الطريق بين إزمير في تركيا واليونان. ويُسهب في مديح ألمانيا التي استقبلتهم ومنحتهم كلّ شيء، وأنقذت حفيده، الذي توقف قلبه فجأة، من الموت. «نحن نتهجّر كل عامٍ بسبب موج البحر. تأتي شرطة البلدية والصليب الأحمر وينادون علينا: أخلوا منازلكم. الآن نحن نتهجّر أبعد قليلاً، لكن لمرّة واحدة. لسنا مهاجرين بل مهجّرين. نحن مضطرّون لفعل ذلك، لأنّنا لا نعيش حياة كريمة. لو كانت ظروف حياتنا أفضل، هل كنت سأتخلى عن رؤية ابني وحفيدي الذي لم أشبع منه بعد، لزمن لا يعلمه إلّا الله؟». «مثل فلسطينيّي النكبة» «كلّنا مشاريع سفرٍ هنا»، يقول الصياد الشاب محمود. لم يدفع له أحد تعويضاً بدل المركب الذي «أخذه» البحر العام الماضي خلال العاصفة. ما زال إلى اليوم من دون عمل. «لا أملك القدرة على شراء قارب جديد. حتّى إن أخذت قرضاً فإنّني لن أستطيع سداده». يؤكّد صلاح على كلام زميله: «الكل يريدون الرحيل». يستشهد بصيادٍ كاد يموت أمام المستشفى الحكومي، لو لم يجمع الصيادون المال من بعضهم البعض ليتمكن من تأمين كلفة الدخول، ليوضّح مقدار معاناتهم. يقول: «اشترِ من الناس بيوتهم وسيسافرون حالاً. الناس يبيعون بيوتهم بتراب المصاري، بعضهم باعوا بيوتاً مؤلّفة من ثلاثة طوابق بأربعين ألف دولار». يضيف: «الواحد منّا قد يبيع أيّ شيء، واحداً من أبنائه ربّما، ليتمكّن من الرحيل مع بقية عائلته إلى أوروبا». لا يختلف كلام بلال عن زميليه، هو أيضاً يريد الذهاب إلى ألمانيا، لا تفرق معه إن مات في البحر، فعيشته هنا باتت لا تطاق، حسب قوله. «عمري ثمانية وثلاثون عاماً، ولدتُ هنا، وعملتُ هنا، وتزوجتُ هنا، وسأزوّج أولادي هنا أيضاً. لم يأتِ أحدٌ طوال هذه المدّة ليقول لنا عودوا إلى بيوتكم التي يضع الجيش اللبناني يده عليها في الكرنتينا وتلّ الزعتر، أو ليدفع لنا التعويضات». يضيف: «سيحصل فينا ما حصل بالفلسطينيين الذين خرجوا من فلسطين وقت النكبة». مَن يشتري البيوت؟ يتجنّب الناس هنا الحديث عن هوية مشتري البيوت، رغم أنّ الكثيرين منهم يبدون عارفين ضمنياً بهويتهم. لا يجرؤ أحد على الكلام بشكلٍ مباشر، لكن ما يمكن للمرء فهمه من أحاديثهم المواربة أنّ هؤلاء المشترين هم في الحقيقة تابعون لشركاتٍ عقاريةٍ كبيرة، أو لمشروع «أليسار»، والذين يرغبون بوضع أيديهم على المنطقة. يتجنّب النقيب إدريس عتريس التعليق على هذا الكلام، لكنّه يقول: «لن أترك هذا المكان. إذا سافرت فلن أسافر إلّا إلى مقبرة الباشورة أو بئر حسن أو روضة الشهيدين. قاعد على قلبهم».

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة