أظهرت حركة اللقاءات والمشاورات والاتصالات التي جرت مؤخرا بين رؤساء الجمهورية والمجلس النيابي ومجلس الوزراء ومرجعيات سياسية وروحية، ان ثمة تضخيما وتشويها لكثير من الأحداث والحقائق التي حملتها الأسابيع الماضية، بدءا من انعكاسات بيان المطارنة الموارنة، وصولا الى الحديث عن خلافات بين رئيسي الجمهورية والحكومة، مرورا بقضايا الموقوفين والمفقودين وعمل الأجهزة الأمنية والحريات العامة والاعلامية، الى موضوع إرسال الجيش الى الحدود الجنوبية. وتتوقف مراجع رسمية معنية عند كل محطة من المحطات المذكورة، وخصوصا تنامي الخطاب الطائفي وربطه بكل حدث من الأحداث التي جرت، وبتداعيات الوضع الاقليمي وما يرافقه من ضغوط قائمة على لبنان وسوريا. وتعتبر ان المخاطر من هذا الجو المحموم طائفيا وسياسيا لم تصل في تحليل المعنيين الرسميين الى حد الخوف الفعلي من تطورها إلى خطوات سلبية تمس السلم الأهلي والوضع العام المستقر في البلاد. لكن المراجع تشير إلى أن الدولة إنما تقوم بإجراءات احترازية سياسيا وأمنيا، تداركا لحصول ما يمس السلم الأهلي على غرار جريمة اغتيال القضاة في صيدا، وأحداث الضنية، والتحركات »غير البريئة« لبعض التيارات من رموز الحرب والعمالة لإسرائيل. وتضع المراجع كل الخطوات التي قام بها رئيسا الجمهورية والحكومة، سواء اجتماع مجلس الأمن المركزي الموسع، وبعده اجتماع المجلس الأعلى للدفاع، واجتماعات مجلس الأمن المركزي العادي برئاسة وزير الداخلية، واتصالات مسؤولي الأجهزة الأمنية والعسكرية، في إطار خطوات تحصين الوضع الداخلي بكل تفاصيله السياسية والأمنية، وتؤكد أنها ليست في إطار تثبيت مواقع كل مركز قرار أو مرجعية وليست من أجل هدف تثبيت الصلاحيات وتعزيز الأدوار. وتشير المراجع إلى أن معالجة قضية الموقوفين في سوريا والمفقودين في الحرب، تمت انطلاقا من مبدأ إقفال ملفات الحرب. وتقول: إن سوريا سلمت الموقوفين السياسيين لديها الى السلطات اللبنانية، ومن ثم سلمتها لائحة بأسماء المحكومين القضائيين العاديين، لتؤكد على مصداقية العلاقة بين دولتين شقيقتين، ولتثبيت الثقة بهذه العلاقة. وبالتالي فإن ما تتعهد به دولة لدولة يفترض أن يكون كافيا لقطع عامل انعدام الثقة والتشكيك السياسي. وتؤكد المراجع أن ملف الموقوفين انتهى عند هذا الحد، لكن الحرب السياسية على الوجود السوري والتي تقودها جهات معارضة للنظام، فتحت »جبهة« المفقودين تحت شعار وجودهم في سوريا بينما جرى استغلال هذه المسألة الإنسانية للأغراض السياسية المعروفة. وتشير المراجع إلى أن لقاء مدير المخابرات في الجيش العميد ريمون عازار مع البطريرك نصر الله صفير كان كافيا لتوضيح حقيقة الموضوع بعد نقل المعلومات والمعطيات الأمنية والسياسية الدقيقة الى بكركي. وأكملت الدولة تحركها لمعالجة هذا الملف عبر فتح المجال أمام التدقيق في بعض الحالات التي يقول أصحابها إنهم يملكون وثائق ومستندات عن وجود بعض المفقودين، علما بأن قسما من أهالي هؤلاء يؤكد نقلهم بعد خطفهم إلى إسرائيل. وكشفت المراجع أن »مافيا« معينة عملت على استغلال قضية هؤلاء لتحقيق أرباح مالية عبر إيهام أهالي بعض المفقودين بوجودهم في سوريا، واستصدار أوراق مزورة بمقابلات تبين انها لم تجر، وتم كشف العملية وتوقيف بعض المتورطين فيها، ومنهم من أوقف في سوريا بتهمة الاحتيال والابتزاز. وفي السياق ذاته، ذكرت المراجع ان معالجة قضية المفقودين ستتم خلال شهر على قاعدة ثلاثة مبادئ: إنجاز الوضع القانوني لكل مفقود، لا دفع لأي تعويضات مالية في هذا الملف، ولا دعاوى شخصية ومحاكمات لأي طرف، منعا لفتح ملفات الحرب. وعلى خط آخر، تتوقف المراجع الرسمية المعنية عند ما أثير حول موضوع التوقيفات وعمل الأجهزة الأمنية وصولا الى الإجراءات المتخذة لضبط الوضع. وتشير في هذا الصدد الى ان عمل الأجهزة الأمنية لا سيما التوقيفات لا تتم من دون استنابة قضائية ولا من دون أمر النيابة العامة، وهي تطال أطرافا يشتبه باحتمال لجوئها إلى خطوات أمنية أو ميدانية تهدد الاستقرار. لذلك كان اللجوء الى الأمن الوقائي الذي بدأ يطال أطرافا أخرى في مناطق جنوبية وشمالية سبق وشهدت إخلالا أمنيا كبيرا. وجرت في هذا السياق نقاشات بين المراجع الرسمية السياسية والعسكرية والأمنية، أدت الى توضيح الالتباسات لا سيما لجهة ما تردد عن رغبة رئيس الحكومة في الإمساك بالأجهزة وإخضاعها مباشرة لتوجيهاته وقراراته. حتى ان النقاشات معه وصلت الى طرح موضوع خدمة العلم وحاجات الجيش، وكان موقفه إيجابيا من هذا الأمر، وأقر لقيادة الجيش باتخاذ ما تراه مناسبا لعملها. لذلك عاد وطُوي ملف تعديل قانون خدمة العلم الذي أثاره بعض النواب. وتوضح المراجع الرسمية ان تحرك الرئيسين إميل لحود ورفيق الحريري كان مكملاً لبعضه وليس متناقضا أو تنافسيا، وهو يصب في خدمة هدف مشترك يقوم على تثبيت الاستقرار السياسي عبر توحيد الخطاب الرسمي على الأقل حيال المواضيع المطروحة والمرتبط منها بوضع المنطقة بشكل خاص، مثل نشر الجيش عند الحدود، والعلاقة مع سوريا. وأوضحت الاجتماعات الأمنية السياسية طريقة تعاطي الحكم والحكومة مع هذه الملفات، وحدود التعاطي والتدخل الأمني الرسمي مع المعنيين بها. وخرجت الدولة من »الاستحقاق« بتفاهم بين أقطابها على كل المواضيع، على رغم النقاشات التي جرت وظهور مواقف مختلفة بداية الطريق. لذلك كان حرص الرئيسين لحود والحريري على نفي أي حديث عن خلاف بينهما. والتصدي لهذه المواضيع الداخلية استلزم مثله بالنسبة للقضايا الإقليمية، فجرى توضيح موقف الحكم من نشر الجيش عند الحدود، وأن رفض لبنان يقوم ليس على خوف من صدام عسكري مع إسرائيل وليس لخوف من خطف العسكريين اللبنانيين، إنما هو حسب ما حدده رئيس الجمهورية لعدم طمأنة إسرائيل وعدم إراحتها، وإبقاء القلق مسيطرا على حدودها ومستوطنيها الى حين الإقرار بالحقوق اللبنانية أولا في أراضي مزارع شبعا وإطلاق الأسرى والمعتقلين، والسعي الى تحقيق السلام الشامل القائم على الانسحاب من الجولان، وضمان حق عودة اللاجئين الفلسطينيين وعدم توطينهم في لبنان. وتقول المراجع الرسمية ان طمأنة إسرائيل عند الحدود تعني مزيدا من المماطلة لديها في عملية السلام، ومزيدا من التمسك بشروطها السياسية التي لا تناسب المصلحة القومية اللبنانية والسورية، خصوصا بعد الحديث الأميركي العلني عن صفقة التوطين مقابل إقفال ملف المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية. وفي هذا السياق يستغرب قائد الجيش العماد ميشال سليمان الأجواء المثارة حول إرسال الجيش الى الحدود، وحول موضوع الاستدعاءات الأمنية، ويرى أنها لا تنفصل عن المحاولات الحثيثة للضغط على لبنان، وتنفذ ولو عن غير قصد غرض إسرائيل باستفراد الساحة اللبنانية، ومن ثم استفراد سوريا، مشيرا الى أن أمن الداخل في هذه المرحلة مرتبط بالأمن القومي، وأن الخطوات الأمنية والسياسية الحاصلة هي لتلافي حصول مشكلة ضنية ثانية في منطقة أخرى من لبنان. وإذ يؤكد قائد الجيش ان واجب العسكري أن يستشهد على الحدود وأن يتعرض لكل المخاطر، يشير الى ان نشر الجيش عند الحدود هو مسألة سياسية قومية، وليس مجرد مسألة أمنية داخلية. ويقول: ان لبنان لن يتخلى عن سوريا بعد كل الإنجازات التي حققها بمساعدتها، وهو لن يتركها في منتصف الطريق لتقلّع شوكها بيدها في المواجهة مع إسرائيل، عدا عن أن لبنان هو أيضا طرف في هذه المواجهة التي لم تنته بعد، وهو يعتمد على الدعم السوري بشكل خاص، والعربي عموما، في صموده.