As Safir Logo
المصدر:

جائزة «نوبل» ومستقبل الطّب الصيني التقليدي

المؤلف: UNKNOWN التاريخ: 2015-12-19 رقم العدد:13250

ذهبت نصف جائزة «نوبل» للطّب للعام 2015 إلى العالمة الصينية يويو تو، المُتخصصة في مجال الطب والكيمياء الصيدلانية، تكريماً لاكتشافها مادة «أرتيميسينين» (Artemisinin)، التي أثبتت فعاليتها في علاج حالات الملاريا الحادّة. ولكن، بالرغم من التصفيق والاستحسان الكبيرين اللذين حظيت بهما العالمة، إلّا أنَّ مَنْحها الجائزة لم يَخلُ من إثارة بعض الجدل. بالنسبة إلى مارسيل تانَّر، المدير السابق للمعهد السويسري للأمراض الاستوائيّة والصحة العموميّة، لم يكن هناك أيّ مجال للشكّ في حصول تو على الجائزة. «عندما نفكّر في العدد الكبير من الأشخاص الذين ستُنقذ مادة الأرتيميسينين حياتهم من مخالب مرض الملاريا الفتّاكة، ستنتفي الحاجة إلى أيّ كلمات أمام الأهمية الجليّة لهذا الاكتشاف»، يقول. في السياق ذاته، كان حصول تو على الجائزة أمراً واضحاً جداً بالنسبة إلى شو دونغ وانغ، الأستاذ في كلية الطب في جامعة نانجينغ. مع ذلك، أدلى وانغ بتعليق يدعو للتنبُّه: فبالرغم من كلّ الضجيج والحماس، يتعيّن العمل على مَنْع تشويه صورة الطب التقليدي الصيني من خلال شعبية مادة الـ «أرتيميسينين». الطب الصيني التقليدي «خذ حَفْنة واحدة من نبات الشيح الحولي، وانقعه في ضِعف كمّيته من الماء. أعصر النباتات وتناول العصير». الجملة التي تعود إلى كُتيّب «الوصفات الطبية لحالات الطوارئ» الذي كتبه الكيميائي الطاوي الصيني المرموق قه هونغ، هي ما لفت انتباه يويو تو، إذ لاحَظَت أنَّ مادة الـ «أرتيميسينين» كانت تُستخرج عن طريق استخلاصها من عشبة الشيح وليس عن طريق غليها، التي تُفقِدها الكثير من مكوناتها الفعّالة المضادة للملاريا. وهكذا لجأت العالمة وفريقها إلى أسلوب بديل لاستخلاص المادة عبر استخدام مذيب الأثير الذي يغلي بدرجة منخفضة. وبعد العديد من التجارب، تم التوصل إلى المكون الفعال الذي ساهم في الشفاء من المرض بنسبة تزيد على 90 في المئة. من جهتها، برَّرَت لجنة «نوبل» تكريم العالِمة الصينية أثناء حفل توزيع الجوائز، بالقول: «نحن لا نمنح جائزة نوبل لهذا العام للطبّ الصيني التقليدي، ولكن إلى شخصية بحثيّة طوَّرت دواءً جديداً بِوَحي من الطب التقليدي». ويرى تانَّر، أنَّ الـ «أرتيميسينين» هو نِتاج مشترك بين الطب الصيني التقليدي وعلم الصيدلة. وهو لا يستطيع فَهم الانتقادات الموجهة للصين، إذ يقول: «من الخطأ إثارة نقاش حول هذه المسألة. الشيء المهم هنا ليس الأسلوب، ولكن حقيقة أنَّ مادة الأرتيميسينين هي اختراع عظيم في حَد ذاته». بدوره، يؤكّد وانغ: «حتى لو حَصَلَت تو على مادة الأرتيميسينين عبر اللجوء إلى أساليب الصيدلة الحديثة، لن يكون في الإمكان إغفال دور الطبّ الصيني التقليدي أو إلغاءه، لأنّها استوحت إلهامها من هناك. وقد أدركت لجنة نوبل هذه الحقيقة بصورة صحيحة تماماً». عالِمة بثلاثة «نقائص» المسألة الأخرى التي أثارت جدلاً في الصين، كانت حول المسيرة المهنية لأخصائية الكيمياء الصيدلانية (التي حصلت على اختصاصها من أكاديمية الصين للطّب الصيني التقليدي في بكين)، إذ لا تحمل يويو تو (85) شهادة الدكتوراه، كما أنّها ليست عضو في الأكاديمية الصينية للعلوم، ولم تقدّم أيّ دراسات أو تجارب بحثية في الخارج. ولكن هذه العالِمة، وبالرغم من افتقارها لهذه الألقاب العلميّة، نجحت في إنقاذ حياة الملايين بفضل الدواء الذي توصلت إليه. «تُعتَبَر يويو تو شخصية غير معروفة في هذا المجال»، كما يقول وانغ، مُضيفاً: «بحسب المعايير الصينية، ليست تو شخصية بارزة في كثير من النواحي، وهكذا أثار حصولها على جائزة نوبل انزعاج وحَسَد البعض. ولكن الناس في الخارج ينظرون إلى الاكتشاف وليس إلى الوضع الاجتماعي. وفي هذه النقطة بالذات، أقدِّمُ فائق احترامي لقرار لجنة نوبل». في هذا السياق، يحث تانَّر على التحلّي بقدر من المرونة في المؤسسات أيضاً، حيث يدعو إلى إمكانية مَنح لقب فخري للأشخاص غير الحاملين للقب علمي، مِمَّن يحقّقون إنجازات مُتَميّزة تعود بفوائد كبيرة على المُجتمع: «لو كانت يويو تو تعمل في سويسرا، لكانت حصلت على شهادة الدكتوراه الفخرية حالاً». ليس أمراً جيداً بالضرورة وبالرغم من كل البهجة التي أثارتها جائزة «نوبل» في الصين، إلّا أن البروفسور وانغ لا يخفي قلقه أيضاً، إذ يقول منتقداً: «ليست هذه الجائزة أمراً جيداً بالنسبة إلى الطبّ الصيني بالضرورة، حيث يمكن أن تؤدّي به إلى طريق مسدود في المستقبل». كما يخشى من «إمكانية تحوّل الطب الصيني التقليدي وفق النمط الغربي إلى عادة». وهذا بدوره «يمكن أن يؤثّر على السياسة الصينية تجاه الطب الصيني التقليدي، بحيث تزيد الدولة من دعمها المالي والسياسي للبحوث المخبرية». ويحذر قائلاً: «لو تمّت محاولة تحليل الطب الصيني التقليدي الشمولي التوجّه مع الاختزال المتبع في الغرب، فسوف يُعَدُّ هذا بمثابة حُكمٍ بالإعدام». وحتى اليوم، ساهم عقار «أرتيميسينين» بشكل كبير في إنقاذ حياة الملايين من الأشخاص المصابين بالملاريا، وبشكل لا يمكن حتى لجائزة «نوبل» أن توليه حقَّه. («سويس انفو»)

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة