انتشر خلال الأيّام القليلة الماضية الشريط الترويجي لفيلم التحريك «بلال» بعد عرضه في «مهرجان دبي السينمائي». وأفاد موقع «هافينغتون بوست عربي» أنّ العمل الذي يسرد قصّة بلال بن رباح، دخل موسوعة «غينيس» للأرقام القياسية، لاحتوائه على أطول مقطع كرتوني متواصل بلغت مدته 11 دقيقة ونصفا. يكسر الخبر رتابةً أشهر مُكتظة بتقارير وتغطيات إعلامية كرّست مناخاً من مُعاداة الإسلام بتأثير صعود الحركات المتطرفة مثل «داعش»، والهجمات الإرهابية التي استهدفت دولاً غربية متفرقة. يستعيد الشريط سيرة بطل من التاريخ الإسلامي في سياقٍ إيجابي، بدل أن ينظر إليه نظرة شكٍ أو توجّس كما كان الحال في الأشهر الماضية، مع كلّ ما يتعلّق بالإسلام. فيلم «بلال» من إنتاج شركة «باراجون إنترتيمنت» (مملوكة من سعوديين ومقرّها الإمارات)، وأخرجه أيمن الجمال، وكتب نصه اليكس كرونمر، ومايكل وولف. استقدم العمل كادراً ضخماً من الممثلين لأداء أصوات شخصياته، وصل عددهم إلى 360 فناناً من 22 دولة حول العالم. من ضمنهم الممثل كايديوالي إكينوي أجباجي (بلال البالغ)، وجاكوب لاتيمور (بلال المراهق)، إلى جانب فارلي كيوث (أبو بكر)، وتوماس أيان نيكولاس، ومايكل كروس. استمر العمل على الفيلم ثماني سنوات، وقُدرت تكلفته بما يقارب 25 مليون دولار، وعرض للمرّة الأولى في شباط 2015، على أن يصل إلى الصالات قريباً. يحكي فيلم المغامرات التاريخي، قصة الصحابي بلال بن رباح المعروف بـ «بلال الحبشي». عاش بلال عبداً لدى أمية بن خلف الجمحي القرشي، وحين كُشف خبر إسلامه، تعرّض لتعذيبٍ جسدي قاسٍ من قبل سيده، لكنه صمد بما عُرف عنه من قدرة خاصة على تحمّل الألم، حتى اشتراه أبو بكر الصدّيق وأعتقه. وكان بلال حسن الصوت، وصار المُؤذّن الأول في الإسلام، وعُرف بشجاعته في المعارك والقتال. تختصر «باراجون إنترتيمنت» مقولة فيلمها الجديد باعتباره «حكاية طفل صغير كان يحلم بأن يكون محارباً، قبل أن يتم اختطافه إلى أرضٍ بعيدة برفقة أخته. وهناك في مكانٍ يحكمه الجشع وغياب العدالة، وجد بلال الشجاعة ليرفع صوته ويحدث تغيراً». يصوّر الفيلم بلال ابن السبعة أعوامٍ كطفلٍ سعيد ببشرة داكنة وشعرٍ مظفور، يعيش برفقة والدته الجميلة حمامة، وأخته غُفيرة قبل أن يأتي رجالٌ على صهوات أحصنتهم، ويقتادوا الطفلين إلى العبودية. ينتقل الفيلم بعد ذلك ليصوّر حياة بلال كمراهق في قلب مدينة مكة التي كانت مركزاً للتجارة، يحكمها تجارٌ أشرار متعطشون للمال على رأسهم أمية بن خلف، وابنه سفيان، اللذان يعذّبان بلال وغفيرة، إلى حين ظهور دعوة الرسول محمد التي تُلهم بلال لنيل حريته. هكذا يجد بطل الفيلم نفسه مع المسلمين الآخرين أمام تجّار قريش الذين لا يريدون التخلي عن سلطتهم من دون قتال، ليشتعل بذلك الصراع بين الإسلام كدين جديد يحمل قيم التسامح، في وجه المعتقدات القاسية القديمة. يُعد الفيلم خطوة جديدة تحاول أن تتناول إحدى الشخصيات الشهيرة في تاريخ الإسلام، بعيداً عن منطق الأفلام التوثيقية الدينية التي تستهدف شرائح محددة. على النقيض من ذلك، يتوجه الفيلم الناطق بالإنكليزية إلى المجتمع الغربي بشكلٍ خاص. يرى البعض في بلال الحبشي الفقير والشجاع رمزاً للمُستعبدين الذين حاربوا لنيل حريتهم والدفاع عن معتقداتهم. ولذلك قد يكون الغرض من تقديم الشخصية بهذا المنحى، إيصال رسالة تقابل الجدل الدائر حول قضايا التفرقة العنصرية تجاه السود في الولايات المتحدة الأميركية. هذا إلى جانب التركيز على أصول البطل الإفريقي القادم من الحبشة (إثيوبيا اليوم)، في رسالة تدعم «الصبغة العالمية» للإسلام كدين اعتنقه الملايين حول العالم. بالتأكيد كان اختيار صنّاع الفيلم للبطل ذكيّاً، فالسيرة الذاتية للصحابي بلال الحبشي، تنفع لأن تكون حاملاً للكثير من الأحداث المشوّقة والمثيرة وفق المعايير التي كرّستها هوليوود وشركات إنتاج الرسوم المتحركة الضخمة مثل «بيكسار»، بحيث يصبح اصرار شركة الانتاج على ابتداع هكذا عمل بالرغم من تكلفته المرتفعة أمراً مفهوماً، خاصةً مع توقعات النقّاد بأن ينال اقبالاً كبيراً على شبّاك التذاكر.. لا شك أن لاستعادة محطاّت مُضيئة في التاريخ العربي والإسلامي أهمية خاصة اليوم. فهي محاولة للوقوف في وجه رسائل الكراهية الإعلامية تجاه العرب ومن يدينون بالإسلام، والتي تسعى إلى تشويه تاريخ المنطقة وإرثها الحضاري والرمزي. لكن عملية «استحضار وإحياء» تلك الرموز، لا يجب أن تتم وفق عقلية «استشراقية» تختار فقط ما تراه متوافقاً مع معايير الغرب حول صورة البطل ومفاهيم التحرر والشجاعة.