قد يكون انطباع القارئ البديهيّ حول باكورة الكاتب اللبناني زكي بيضون (مواليد 1981)، «شلال يتدفّق في نفسه» أنه سردٌ مرهِقٌ. ذلك أنّ الكاتب يخلط بقصصه «الغرائبية»، كما يصفها، إلى درجة قصوى، في أحوال «الأنا» بين كونها تعكس الواقع السرديّ الماديّ اللحظويّ تارة وبين انفلاشها في غير اتجاه داخل الازمنة المتداخلة والمتخيّلة. أزمنة قد لا تكون، بالضرورة تعبيرا عن الخارج أو الحدث الموضعيّ بل تقترب إلى حدّ كونها تشويشا على هذا الخارج، بالانكماش إلى الداخل في حركة ذاتية شديدة التوتر أو بالتعبير عن فصامات هذه الانا وقلقها وحاجتها إلى تأويلات متعددة للشخوص أو لمطلق تماساتها الخارجيّة. صفحات المجموعة القصصيّة، إلى قلّتها (ثماني قصص، 80 صفحة)، فإنّها تجبر القارئ او المتلقّي على التباطؤ في القراءة حتى ليخالها الواحد بعد الانتهاء من تقليب الصفحات، قصّا طويلا. ذلك أن السرد ، على سلاسته، يستبطن، بالضرورة استدراجا للقارئ لتدويرأوضاع هذه الأنا في رأسه هو أيضا. قوّة المتخيّل وانعدام وزن العالم الخارجي او رهافته في ثنايا السرد يضع المتلقي، وجها لوجه أمام ذاته التي تغدو هنا تأويلا مضاعفا فوق انطباعات هذه الانا عن نفسها. في العمق، لا يمكن بحال، إغفال المزاج الفلسفيّ المشتمل على قصص بيضون. مزاج لا يقتصر، فقط على معجم لغويّ يشي بخلفية الكاتب الاكاديمية (دارس الفلسفة) ويداخل نسيج أغلب هذه القصص، لا من عناوين هذه القصص (امتداد، داخل نقطة، بارانويا..) بل يخيّل للقارئ أن الحساسية الفلسفية هي الشاغل المركزيّ لهذا السرد. نتحدثّ عن توتّرات ذاتيّة بالغة الشدّة وحدوسات أنويّة ومادية بالزمان تحفّزها ملكة التخييل، قد تدفع، بمجملها، عملية القراءة نحو كونها متعة تخييلية موازية ينساق فيها المتلقي إلى نفس طبقة السارد التخييلية. «أتوسع بتأملي وأتخيل أن يكون هناك على هذه الشاكلة عدد لامتناه من العوالم المتطابقة والمتوازية الواحدة داخل الاخرى في سلسلة روسية تمتد من اللامتناهي في الصغر إلى اللامتناهي في الكبر. أستبعد هذا الاحتمال حين أفطن أنه لم يبق من العالم سوى كتلة لزجة ومضيئة تطفو بمحاذاتي وتضمحل باطراد بينما يحيطني الفضاء الفارغ من كل الجهات. أفكر أنني سأغرق قريبا في العتمة..» (قصة: امتداد، ص14).»وجه، أمي، وجه أبي، وجوه المدرسة، وجوه التلفاز، وجه الآخر في المرآة.. كلّ تلك الوجوه التي لم تعرف كيف تتصالح يوما بينها لتشكل وجها متناسقا. يستحوذ على انتباهي يقين جسمي يتملكني بكليتي ويجعلني أشعر كما لو كان العالم بأكمله امتدادا جسميا لي، كما لو كان كل شيء صار بمقدوري ومتناولي أو كان باستطاعتي أن أفعل أو أغير أي شيء. هذا اليقين لا ينفك ينمو باطراد محفزا إياي على استكشاف الافق الجديد الذي ينفتح أمامي» (قصة: اليقظة، ص47). إجمالا، تكون متعة هذا النوع من السرد متمركزة لا في السياقات الموضوعية الخارجية للسرد أو في تلك الفكرة اللمّاحة التي بها يقفل سرد القصة القصيرة بل في تلك التصورات التركيبية اللامألوفة التي تقترحها الذات طيلة زمن القص، ببناها التحتية المعقّدة، على الافكار والتذكّرات/النسيانات وعلى الشخوص المحيطة والاشياء الخارجية بشرط أن تندرج هذه التصورات في نسق لغويّ متين متباسط وبالغ الشفافية. نسق قادر على امتصاص ثقل الفكرة المتخيّلة ودلالتها ومن ثمّ تدويرها في السطوح اللغوية بحيث لا يفقد السرد بنيته الجمالية المفترضة. (الكتاب صادر عن دار الجمل، 2016)