As Safir Logo
المصدر:

في الإرهاب الراهن ومسؤولية العرب والمسلمين

المؤلف: الحلو كرم التاريخ: 2015-12-11 رقم العدد:13243

ذهبت بعض مقولات الخطاب السياسي، بعد العمليات الإرهابية في الآونة الاخيرة، إلى أن ثمة وشائج ايديولوجية بين الإسلام وبين الإرهاب المتمثل في العنف ورفض الآخر، انطلاقاً من تصورات استشراقية اثنولوجية تزعم استحالة الليبرالية في الاسلام، وترى الى الاصولية التكفيرية باعتبارها سمة بنيوية محايثة للمعتقد الاسلامي، وليس بوصفها تحولاً طارئاً أملته عوامل تاريخية، سياسية واجتماعية واقتصادية وفكرية. وإذا كانت هذه التصورات قد طرحت منذ القرن التاسع عشر، وبخاصة مع المفكر الفرنسي أرنست رينان الذي رأى أن ثمة تنافراً بين الاسلام وبين المدنية، إلا انها تحوّلت الآن الى ما يمكن تسميته «رهاب الاسلام» الذي يهدد بإيديولوجيته الإقصائية المتطرفة في رأي اصحابها، اسس الحضارة الانسانية وقيمها الحداثية التنويرية التي تبلورت في الفكر الغربي الحديث. لكن الحقيقة أن الإرهاب بمفهومه السياسي المعتمد اليوم، ظهر لأول مرة في اوروبا بعد الثورة الفرنسية، وبخاصة مع الحركة الفوضوية ومع التروتسكيين الذين تبنّوا الإرهاب من أجل تحقيق أهدافهم الثورية. وعلى مدار التاريخ، غالباً ما لجأت التيارات المتعصبة دينياً او قومياً او ايديولوجياً الى الإرهاب، من الحروب الصليبية الى الحركات العنصرية المعاصرة في الولايات المتحدة وفرنسا وايطاليا، مروراً بالحركات الإرهابية في اسرائيل. وعبر التاريخ الاسلامي كان هناك العديد من التنظيمات التي مارست الارهاب، وصولاً الى التنظيمات المسماة «إسلامية» اليوم. فقد عانى النصارى واليهود من الاضطهاد في بعض المراحل التاريخية، ومنعوا من ممارسة شعائرهم الدينية. وأفظع ما قاساه هؤلاء كان في دور التقهقر والاضمحلال في العصور الوسطى، خصوصاً بعد الحروب الصليبية. لكن الإسلام عموماً تعامل بالاحترام والحسنى مع غير المسلمين. فالخلفاء الراشدون كانوا إذا أنفذوا جيشاً للفتح أوصوا قادتهم بأهل الذمة خيراً. ولم يكن المسلمون يتعرضون للنصارى في شيء من طقوسهم الدينية ولا أحوالهم الشخصية، بل كان الخلفاء في صدر الدولة العباسية يكرمون الاساقفة ويجالسونهم، ويحاورونهم في الدين، حتى أصبح هؤلاء يهدون الخلفاء أيقونات بعض القديسين فيقبلونها منهم. وليس صحيحاً القول إن الإرهاب المعاصر مرتبط اساساً بالإسلام، فمنذ الستينيات من القرن الماضي ظهرت مجموعة من التنظيمات لا علاقة لها بالاسلام، وقد مارست الارهاب في أوروبا الغربية، من «الالوية الحمراء» في ايطاليا الى جماعة «بادرماينهوف» في المانيا الى «الجيش الأحمر» الياباني. ووفق تقرير للانتربول العام 1985، فإن 75 شخصاً من مقترفي العمليات الإرهابية ضد الطيران المدني، وعددهم 212 شخصاً، يحملون الجنسية الأميركية، و31 من هؤلاء يحملون جنسيات اوروبية، في حين أن هناك 31 شخصاً فقط يحملون جنسيات عربية. أما إذا استحضرنا العمليات الارهابية الاسرائيلية بحق العرب والفلسطينيين، فستبدو الصورة مرعبة حقاً، اذ يتجاوز عدد ضحايا هذه العمليات عشرات الآلاف من المدنيين الأبرياء. عليه، نرى أن للإرهاب الذي يضطلع به «إسلاميون» في المرحلة الراهنة، اسباب تاريخية اقتصادية وسياسية واجتماعية وايديولوجية تفسّر انبعاثاته المريبة للأمن الدولي وتهديده المربك للرخاء الإنساني ومستقبل الأجيال الآتية. في مقدمتها التفاوت الطبقي الجائر والخلل الفادح في توزيع الثروة العالمية، سواء بين الأمم المتقدمة وتلك النامية أو بين الطبقات الاجتماعية. فبينما كانت نسبة دخل الخمس الأغنى من سكان العالم الى دخل الخمس الأفقر لا تزيد عن 30 ضعفاً العام 1960، اصبحت الآن تتجاوز الـ150 ضعفاً. وبرغم ارتفاع الناتج الإجمالي العالمي من ثلاثة آلاف بليون دولار العام 1960 الى 92.889 بليون دولار العام 2012، لم تنعم الاكثرية الساحقة من سكان العالم بالأمن الاقتصادي والاجتماعي. فقد كان عدد الفقراء 400 مليون في العام 1970 وتجاوز هذا العدد الـ1,2 بليون فقير العام 2000 في الدول النامية وحدها. وأشار تقرير «التنمية البشرية» للعام 2014 الى ان 1 في المئة من أثرياء العالم يستأثرون بـ15 في المئة من الدخل العالمي، وتعادل ثروة 85 شخصاً ما يملكه نصف سكان العالم الأشد فقراً، بينما يحصل ثلثا سكان العالم الفقراء على أقل من 13 في المئة من الدخل العالمي. وفي حين يصرف الاتحاد الأوروبي دولارين ونصف الدولار على كل بقرة يومياً، يعيش 1,2 بليون شخص على أقل من 1,25 دولار في اليوم. ويتجلّى هذا الخلل في أفدح صوره في العالم العربي والإسلامي، حيث التزايد السكاني المتسارع والبطالة المستشرية والفجوة الطبقية المتفاقمة. فقد ارتفع معدل البطالة للفئة العمرية 15-24 سنة، في تونس ومصر والجزائر واليمن إلى نحو 35 في المئة في مقابل معدل عالمي 14,4 في المئة. وتفاقمت الفجوة الطبقية حتى بات الانقسام الطبقي أبرز ملامح النظام الاجتماعي العربي الجديد، على حد تعبير سعد الدين ابراهيم. ووفقاً لتقرير «التنمية البشرية» للعام 2006، فإن الفجوة بين الـ10 في المئة الأفقر والـ10 في المئة الأغنى بلغت 2,7 الى 30,6 في الأردن، 2,3 الى 31,5 في تونس، 2,8 الى 26,8 في الجزائر، 3,8 الى 29,5 في مصر، 2,6 الى 30,9 في المغرب، 3 الى 25,8 في اليمن. وتبين الدراسات ارتفاع نسبة الفقراء في سوريا من 11,4 في المئة العام 2004 الى 34,3 في المئة العام 2010. في الوقت ذاته، يبدّد المال العام وتغرق النخب الحاكمة في الفساد وتهدر الطاقات وتهجر الكفاءات. هذه الوقائع والأرقام هي في حد ذاتها بيئة حاضنة للإرهاب، فالجماهير المهمّشة والمحرومة كانت ولا تزال مصدراً لاستشراء العنف، وبخاصة في ظل انعدام الرؤى الوطنية والقومية الجامعة، بالترافق مع ازمة التشكل الحداثي للدولة في العالم العربي والإسلامي. وليس مصادفة أن تكون البلدان العربية الأكثر عنفاً مطلع هذا القرن ـ الصومال، السودان، العراق، اليمن ـ هي الاكثر تجسيداً لمعضلة بناء الدولة الوطنية، فافتقاد الشرعية المواطنية قد يكون أكبر مصادر العنف والإرهاب. كما ان إخفاق العالم العربي والاسلامي في تمثل الحداثة وقيمها الليبرالية واستيعابها، وتعامل الغرب معهما من منظور نفعي بحت، بدلاً من أن يدفعه في اتجاه التطور الحداثي، جعل هذا العالم ينغلق على يقينياته ما قبل الحداثية ويرتد الى أصولياته الرافضة للآخر ـ والتي ترى في العنف والارهاب وسيلة لحماية الذات المهددة والمستباحة. أضف الى ذلك جريمة الغرب بزرعه الكيان الصهيوني في فلسطين، ما أورث جرحاً للذات العربية والاسلامية لا يمكن اندماله طالما استباح هذا الكيان أرض فلسطين ومقدسات العرب والمسلمين. إن مواجهة الارهاب يجب ان تذهب أولاً الى اجتثاث الاسباب المولدة للعنف وتقويض الارضية التي يتأسس عليها، إن على مستوى العالم أو في العالم العربي، بالعمل على إزالة الفجوات الطبقية الهائلة بين فقراء العالم وأغنيائه، والتوزيع العادل للثروة العالمية والحد من الانفجار السكاني. فليس من الممكن ولا من العدل أن تحيا في عالمنا أقلية ضئيلة تستأثر بثمرات التقدّم الانساني وانجازاته، فيما الأكثرية معدمة محرومة بائسة، وها هي الهجرة الى الغرب تثبت استحالة هذا الانقسام، وتؤكد أن التمدن إن لم يكن لمصلحة الانسانية جمعاء، فسينقلب ضد الناس جميعاً، حتى اولئك الذين يتوهمون أن في إمكانهم أن ينعموا وحدهم بخيرات العالم. ويجب أن يواجه الإرهاب في العالم العربي والإسلامي بالعدل السياسي والاجتماعي من خلال تضييق الفجوات الطبقية والحد من الفساد والجهل والاستئثار بالسلطة، وكذلك بإعادة الاعتبار الى المقولات الإصلاحية في الفكر العربي الحديث، تلك القائمة على الفصل بين الدين والأغراض السياسية، وبالتالي تقبّل الآخر والتعامل معه كندّ في الانتماء الوطني والقومي وفي الانسانية، بدل تكفيره واقصائه واستباحة آدميته. من هنا في رأينا يمكن استئصال العنف ومواجهة الإرهاب، وليس بالبحث عن ذرائع ثقافوية عنصرية تلقي باللائمة على العرب والمسلمين في كل ما ينتاب عالمنا الراهن من جنون أصولي.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة