As Safir Logo
المصدر:

«بيروت فوق الشجرة».. الدونجوان الإكسترا يحكي بيروت

مشهد من المسرحية
المؤلف: الخطيب منير التاريخ: 2015-12-09 رقم العدد:13241

يحيى جابر يسير عكس السير. لم يكتف بنجاح مسرحية «بيروت طريق الجديدة»، قطع الطريق على المشاهدين. في ذروة المشوار نقلهم إلى محطة أخرى. من يغامر بمسرح جديد في بيروت و «داعش» هي المشهد الأكبر، ربما المشهد الوحيد على مسرح الإقليم، أمنياً وسياسياً. المغامرة هي في الانتقال من فضاء الحمراء الفني المتاح بإمكاناته التي اعتادها رواد الخشبة، برخص أسعارها ورطوبتها وزحمتها، الى فضاء آخر يتنفس براحة. في فردان مسارح أخرى، لكنها موسمية وبحسب العرض، ولا مخاطر مالية من وراء إنشائها. «تياترو فردان» مختلف. كباريه أنيق في مجمع تجاري يضم فندقاً راقياً. مع يحيى ورفاقه المغامرين، بات لفردان مسرح يؤنسن سمعة السوق التجارية. لم يعُد لرواد المسرح هم زحمة السير، وإيجاد موقف للسيارة، صارت الطريق معبدة الى العرض مباشرة. من الطبيعي أن يتوتر يحيى قبل العرض، المقارنة لن تكون سهلة، الحضور مأخوذ بالصالة الجديدة، وبارها، ويحيى يترقب ردود الفعل على العرض الأول. جلس بعيداً عن الخشبة، يريد أن يرى الجميع وكل شاردة وواردة. الدقائق الأولى مرّت بترقب. زياد عيتاني كان مرتاحاً، وكعادته سريع البديهة، «بيلقطها عالطاير»، لكن الخشبة أكثر اتساعاً من «مترو» المدينة، وهذا عرضه الأول، لا بد من بعض الرهبة. الدقائق تمرّ مشحونة وربما مرّت بطيئة لأن الحاضرين لم يتركوا أنفسهم تنغمس في العرض الجديد، بل عمدوا الى مقارنته مع المسرحية السابقة. هاجس ما الجديد الذي سيقدمه يحيى وزياد، وكيف سيخرجان من عباءة «طريق الجديدة» طغى على حرية تذوق من دون أفكار مسبقة. بعد نحو عشر دقائق سحق زياد والموسيقي جمال عبد الكريم تمرين المقارنة في أذهان الحاضرين، لتحتل مكانها شخصية فؤاد المركبة من عشرات الهويات التي تلاقت في بيروت وانصهرت في زمن التحولات الكبرى، نهاية من منتصف القرن الماضي الى اليوم. فؤاد حكواتي عصري، و «دونجوان» زمانه، عبر رواية سيَر علاقاته الغرامية المتوجة بزيجات متلاحقة، يروي تاريخ لبنان، وبيروت، وجزءاً من المنطقة في «كولاج» (تركيب) من لوحات بصرية وسمعية متفرقة. كان من المفارقات تفاعل الجمهور الشاب معها، ومع أغانيها، كذلك حساسيته للنقد الاجتماعي والسياسي الذي يحتاج لاطلاع تاريخي لإدراك «القفشة» فيه. هنا لعب «الكولاج» دور الجسر بين الحدث السياسي والأغنية، زاوج بينهما، استغلّ كل ما تختزنه الذاكرة من الطقاطيق الى عبد الحليم حافظ وام كلثوم وفيروز إلى صوت المقرئ يتلو الفاتحة خلال دفن عزيز، ليحكي موجزاً تاريخياً على مرارة أحداثه، رسم ابتسامة على وجوه الحضور. مَن غيرُ يحيى يستطيع قص مقتطفات من الانتداب الى الاستقلال الى حركة أمل وكمال جنبلاط والمقاومة وكتائب الصيفي ونجادة البسطة، ومن النكسة الى العبور، فالتحرير فسطوة عين التينة، ولصق كل هذه العلامات الفارقة على لوحة متجانسة تضم بيروت ودمشق والقاهرة واسطنبول. كباريه بلا ابتذال كباريه من دون ابتذال. يقول يحيى جابر إنه هدفه البهجة أولاً وأخيراً، لا وعظ ولا تنظير، ومع ذلك يصل بالنقد الى القول إن «بعض الاستقلال حمرنة». حمرنة بالتأكيد عندما نغرق تحت أطنان النفايات. البهجة مفتاح القلوب فعلاً. الحضور المتنوع تجاوز انتماءه السياسي خرج من الخندق ونزع القناع، ضحك حتى خرجت أسنانه من فمه. وجد في زياد حكواتياً «أكسترا». هذه المرة سرح زياد على المسرح ومرح، ولكن بمعاونة ظهير مميّز على الرغم من دوره القصير لفت جمال عبد الكريم الانتباه الى موهبته وشكل اضافة نوعية فرضت توازناً مشهدياً وفي الأداء كان من الصعب أن يملأه زياد بمفرده. الثنائية هذه أخرجت «بيروت فوق الشجرة» من أحادية أداء الحكواتي الى حكواتي «اكسترا». يحيى جابر لا يدّعي مسرحاً تقليدياً، هو باحث عن كمشة فرح ولو تحت أطنان الانتكاسات والخيبات. لكنه في ليلة «تياترو فردان» الأولى وبمسرحه المركب اختصر حالة مسرحية أكبر من الشانسونيه أو «الستاند أب كومودي» الى مسرح متكامل، ولكن من دون مشهدية الأزياء والديكورات الضخمة، استطاع ان يؤلف مسرحاً «لايت» متخفّفاً من الإضافات المجملة. قدم موهبة صافية. أداء ونص لا تطريز فيهما. سهل ممتنع، دفع بالحضور الى الخروج عن إطار المشاهد التقليدي للمسرح الى أن يتفاعل مع زياد وجمال غناء ورقصاً، ولو توفرت الجرأة ربما اجتاح الخشبة ليشارك الحكواتي حكاياته. وكعادته لم ينسَ يحيى جابر بيروت فقدم لها ومن قلبها، مسرحية كاملة تحية لها، ففيها كما يحكي فؤاد تنطوي عوالم الشرق والغرب ومفتاحها الفرح تنثره كل يوم. منير الخطيب مسرحية «بيروت فوق الشجرة». تأليف وإخراج: يحيى جابر. بطولة: زياد عيتاني. موسيقى: طارق بشاشة وجمال عبد الكريم وأشرف الشولي. في «تياترو فردان» (سنتر ديون).

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة