بورتريه
لم يدرس الرسم، تردد في البداية بين الشعر والتصوير، وحين أخذ يرسم رسم كائنات منغولية، راجت لوحته في الغاليريات العالمية، الآن هناك سبهانات عدة، ذلك لا يضايقه، قال عنه أدونيس إن فيه انفجاراً في أحشاء العالم العربي والإسلامي. خمسة وعشرون عاماً تفصل حياته بين رحلتين؛ الأولى بالقطار من الحسكة إلى دمشق، لحضور المعرض السنوي في المتحف الوطني، والثانية كانت قبل أشهر؛ قطعها بالطائرة من دمشق إلى الحسكة؛ بعد أن تعذّر على الفنان السوري زيارة مدينته براً في السنة الخامسة للحرب التي باعدت بين شمال شرق سورية وجنوبها. مؤخراً لم يبرح (سبهان آدم ـ 1972) مكانه المعتاد في مقهى البرازيل؛ لا يزال يواظب يومياً على جلوسه المسائي وراء زجاج المقهى الدمشقي، ملتقياً هناك بأصدقائه من كل المشارب والتيارات والمهن، فعلى طاولته يمكن أن تلتقي بلاعب خفة ومؤذن الجامع الأموي؛ جنباً إلى جنب مع مطرب من حلب وموسيقيين وروائيين وصحافيين سوريين؛ فضّلوا البقاء في بلادهم. الولد العاشر لعائلة مكوّنة من أحد عشر ولداً وبنتاً؛ ولأبٍ يعمل كموظّفٍ في الإصلاح الزراعي؛ استقى ملامساته الأولى للصورة من الحرب؛ وقتذاك شاهد الطفل دخول القوات العراقية حين كانت ذاهبة لمؤازرة القوات السورية في حرب 1973: «الحسكة مدينة مختلفة في نسيجها الاجتماعي، فهي تتكلم بلهجات متعددة حتى في الحي الواحد؛ فتسمع هناك الكردية والعربية والآشورية والأرمنية». اختلاف العادات واللهجات والأزياء في مدينته؛ دعمت اهتماماته بالشعر والفلسفة، حيث كان (سبهان حسين المحمد ـ اسمه الحقيقي) يستعير كتب الشعر العربي والعالمي من المركز الثقافي بالحسكة؛ ليقرأ في سنٍ مبكرة لرامبو وسعدي يوسف، وأدونيس، وشوقي أبي شقرا، وأنسي الحاج، وعباس بيضون؛ مبتعداً عن طقوس القبيلة والعشيرة التي غادرها (سبهان) منذ الطفولة؛ مثلما غادر المدرسة إلى غير رجعة بعد نيله شهادة التعليم الإعدادي؛ فقراءته الغزيرة للأدب جعلته يكتب الشعر، لكن كتاب (الأعمال الكاملة لإيف بونفوا ـ ترجمة أدونيس ـ وزارة الثقافة ـ 1974) سوف تتقاطع إلى حد ما مع قصائده التي كان يكتبها في شبابه قبل أن يتحول عنها بقرار شخصي إلى الفن التشكيلي: «قصائدي مثلما هي رسوماتي كانت تتقاطع مع الشاعر الفرنسي، فلم أنشد الإغراء كما في أشعار نزار قباني، بل كنتُ مع الفلسفة واللغز، مع الغموض والشعر المحتجب؛ خصوصاً قصيدة (الهايكو) اليابانية. لم اقرأ قصائد عمودية؛ لقد كنت منجذباً منذ البداية لكل ما هو مغاير للتقليدي، نحو كل ما هو عكس الأشياء وصاحب إشكالية، لكن دعني أعترف أن (بونفوا) سبّبَ لي هزيمةً حادة؛ لقد أغلق الباب في وجهي، أذكر أنني اقتنيت كتابه ومزقته سبع مرات». لم أتدرّب في الرسم تأثّر ابن (حي العزيزية) الحسكاوي بالتعبيرية الألمانية؛ فقد سيطرت على مخيلته لوحات (كوكوشكا) و(إيغون شيلي) اللذين كان قد اطلع على أعمالهما من مكتبة المركز الثقافي في مدينته التي يعتبرها حاشية لبلد اسمه سوريا: «أنا مع الحاشية؛ مع الهامش، مع المنطقة التي لا يراها الضوء، المنطقة المنكمشة برطوبتها بعزلتها ومرضها، بالأماكن التي تذكّرني برائحة روث البقر؛ أو رائحة الأرض بعد المطر؛ وصوف الماعز؛ تلك الروائح ما تزال عطراً مستمراً في دماغي أكثر من أي عطرٍ نسائي فاخر في فاترينات باريس». خرج الفتى اليافع لأول مرة من الحسكة نحو دمشق عام 1989 لحضور المعرض السنوي في المتحف الوطني، وقتها ركب (آدم) القطار ولم يتجاوز عمره السابعة عشرة: «تفاجأتُ بالعاصمة وقتها؛ رأيتُها كبيرةً وممتدةً بلا اتساع؛ لكنها كانت فرصة لأتعرّف هناك على المناخ والتجارب التشكيلية السورية». تجاربه الأولى كانت تجريدية، فتلك المرحلة يطلق عليها (سبهان) لقب: (النزهة) أو (الفكاهة): «لم تكن تهمني النتيجة، كنت أقول للناس أن تتذوق ما أرسمه من كلمات بشرطي الشخصي، ولهذا أطلقتُ عناوين للوحاتي الأولى، من مثل.. (هرقل في المرحاض)، (الذباب الشريف)، (القس حراراته أربعين فهرنهايت). كنتُ أعي أنني أعيش في منطقة لغوية من هذا العالم، فنحن كشعب ندرك العالم عبر اللغة، عبر الحروف، لا عبر الصور؛ ولحسن الحظ الشِّعر أعطاني جُمَلاً قادرةً على ذلك». يعترف (سبهان) أن الفقر هو الذي دفعه إلى احتراف الفن التشكيلي؛ تاركاً الشعر كخلفية فكرية تصوغ لوحاته: «رفاقي من شعراء الحسكة الذين كنتُ أمرُ بهم؛ كانوا فقراء مثلي؛ يعيشون على البصل والبندورة وبعض البيض، كانت حالتهم المادية سيئة للغاية، ولهذا أخذتُ قراراً بالتحول إلى اللوحة وترك الشعر وفقرائه الطيبين؛ لقد أغراني الفن التشكيلي الذي يميل إلى الشخصانية والفردية؛ ويستطيع الإنسان من خلاله أن يعيش كريماً ومن دون حاجة للآخرين». يرى هذا الفنان العالم كرسّام من خلال شخوصه، فالعالم عنده ليس له مرادف أنتربولوجي أو سياسي: «لا أراه في تمديدات الصرف الصحي أو ممن يتحدثون معك من فوق عبر أقمار صناعية، إطلاقاً؛ أرى العالم من نسيج خطوط تحولت في مخيلتي لرسومات ناطقة على قماش اللوحة التي أعمل عليها، حتى المرأة، الأشياء المتحركة، اللاهوت والمعرفة، المستقبل لا أراه كما يراه الآخرون، بل أراه بمنطق الرأس المرفوع بين السدرة والمنتهى، وإنها لقسمة ضيزى أن أقول هذا». تكاد تكون اللغة مرادفاً للأعمال التي حققها، فالكائن اللغوي والخطي لديه صنوان، فاللون يمزج غضبه مع الخط: « ليس ثمة طبخة لونية في أعمالي؛ لدي شغب وتطاحن بين الألوان والخطوط؛ حتى عندما يخرج هذا اللون وينثر دلالاته يراها الآخر على أنها نثريات عفوية؛ وهي في الحقيقة ليست كذلك، فوراءها لاعب خفة يمشي على حواف خطوطه وألوانه». أنجز (آدم) معرضه الأول في المركز الثقافي بالحسكة بعلبة ألوان واحدة، مضيفاً إليها قشور ثمار البندورة وأوراقها على سطح اللوحات: «كانت عناوين لوحاتي غريبة؛ بل لم تكن لوحة بمعناها المتعارف عليه؛ الآن أعتبرها نوعاً من تمارين التحمية للدخول إلى عالم التشكيل، فلو لم أكن رساماً لكنتُ مجرماً؛ فأنا لا أقبل الهزيمة؛ ما حدث معي كان تدخلاً إلهياً لإنقاذ العالم من شروري. (يضحك) من يدري ربما كنتُ لقيتُ مصيراً كالذي لاقاه هتلر؛ الرجل الذي دمّر العالم عندما رُفض في امتحان قبول أكاديمية الفنون في بلاده». يتابع الفنان السوري رواية ذكرياته؛ محدّقاً في شاشة التلفزيون الذي طلب من نادل المقهى أن يديره على وصلة لأم كلثوم على إحدى محطات (عربسات): «لم أيأس من وضعي المادي؛ اشتغلتُ على أكياس الطحين وأسست لوحتي بدبس البندورة؛ بدلاً عن القماش والألوان الزيتية التي كان ثمنها غالياً بالنسبة لشابٍ ابن عائلة فقيرة ومعدمة. لا أفق كان لدي؛ والمحيط ـ بما فيه عائلتي ـ كانت رؤيتهم غريبة اتجاه ما أقوم به في مختبري الفقير». والدته (هدلة) كانت هي قدوته بما كانت تقوله له من أمثال شعبية؛ كان لها وقع شعري في روحه، فالرجل لم يتلقَ تدريباً من أحد: «لم آخذ معلومةً ولم أشارك أحداً؛ وأرفض أي طريقة أو أسلوب من أساليب الرعاية، أنا بالأصل لا أطيق الرعاة. لا أطيق منظومة القطيع التي نحياها في مجتمعاتنا. لا أحب الحشد، ولا وضعي ضمن نسق أو تصنيف، حتى أنني أشمئز عندما يقوم البعض باقتناء لوحات لي لوضعها ضمن معارض مشتركة. هذا التصرف حتى الآن لا أفهمه؛ بل أعتبره نوعاً من تغطية العورات». المنغولي اشتغل (سبهان) منذ البداية على الوجه البشري؛ متغلّباً على أخطائه الأولى: «رسوماتي ولدت بعاهة، وكان يمر عليّ أسابيع وأحياناً أشهر لا أبرح فيها مرسمي؛ كنتُ أقضي الوقت كله في تعب وإرهاقٍ شديدين أجرّب كيميائي؛ أبحث عن ضالتي التشكيلية، عن فرادة ما في المكاشفات الأولى مع النفس والحواس؛ فقد جاء انتقالي فظاً بين الكتابة والرسم كفن له أدواته المختلفة عن القصيدة». «قماش وأقلام غيرت حياة هذا الفنان؛ كان الأمر بسيطاً ظاهرياً، لكنها كانت حربه الخاصة ـ كما يقول ـ نافثاً دخان سيجارته (الحمراء الطويلة) في ليل دمشق: «دائماً كنتُ أدافع عن حالة الإجرام، ففني وُلد منغولياً؛ ومع مرور الوقت في عزلتي وشغلي عليه؛ كثّفتُ له الرعاية الصحية بقوة، فبرغم عتهه وإرباكه العضلي والجسدي كنتُ على الدوام أدافع عنه، طبعاً لا أدافع عنه كاكتمال، فأنا لا أبحث عن ذلك في اللوحة، بل أدافع عنه كونه يعاني مثلي؛ معبّراً عن حياة من أراهم ولا يروني». لم يمض وقت طويل حتى التحق (آدم) بالجيش لأداء الخدمة الإلزامية، وقتها رجع الشاب لعادته القديمة في قراءة الكتب؛ مكتفياً برسم بعض اللوحات الصغيرة؛ ليعيش نوعاً من التحايل الذكي على الحياة نفسها: «لدي فلسفة تحليل الخيوط التي استقيتها من فلسفة (جاك دريدا). إنها الحياة ذات الخيوط المتشابكة المعقّدة التي كان عليّ أن أنسجها، فلا أدخل في التفاصيل السخيفة للحياة من دفع فواتير الماء والكهرباء أو جلب الخضار واللحم من السوق، في الماضي كانت هذه التفاصيل تربكني؛ أما الآن فلدي أشخاص موظفون لهذه المهام؛ لقد أربكتني الوفرة المالية التي لم أكن أتوقعها». في تلك الأيام كان (آدم) يتردد على صالات العرض، ويزور دوماً (فاتح المدرّس) في مرسمه بـ(ساحة النجمة)، لكن سجالاً حاداً سيقع بينه وبين رائد التشكيل السوري حول الفن وعدم استجابته للإدخالات الجديدة على اللوحة: «كان لدى (المدرّس) فكرة طهرانية عن الفن بمواده وإنشاءاته؛ لكنني رفضتُ هذه الفكرة أمامه؛ فحرية الفنان لدي وخياراته لا يمكن حدّها أو تقييدها». هذه الإشكالية لم تلبث أن حُلّت باعتذار من المدرّس نفسه ـ كما يخبرنا (آدم)، فما كان يهمه هي الإشكالية التي يمكن أن يثيرها الفن: «المهم أنني تحولت إلى كائن نافر، ولم أنضوِ يوماً تحت عباءة أحد». عاد (سبهان) بعد تسريحه من الجيش إلى الحسكة؛ ليأخذ قرضاً بمساعدة والده، فاشترى قماشاً وألواناً؛ ومنها أقام معرضه الاحترافي الأول عام 1994 في معهد غوته بدمشق؛ ولتكون المفاجأة ببيع كل لوحاته: «هذا المعرض كان اختباراً ليس تقليدياً؛ فأنا لم أدرس الفن التشكيلي في كلية؛ كان لدي هزائمي وخيباتي، لكن بالمقابل كان لدي أرباحي، كان ذلك مفتوحاً على كل الاحتمالات». معرضه الثاني لم يتأخر طويلاً؛ ليأتي عام 1995 في المركز الثقافي الفرنسي بدمشق؛ المكان الذي عاضده عبر مديرة نشاطاته الفنية (إيرين لابري) التي دعمت إقامة معرضه وصممت له السينوغرافيا بنفسها؛ حيث بيعت كل لوحات هذا المعرض الذي حمل عنواناً غريباً: (الوارث لعبد القرف) إلا أن الرقابة الفرنسية اعترضت عليه؛ فتم محوه من بطاقة الدعوة والملصق الإعلاني. ظهر (آدم) بعدها بجرأته الفنية وأعماله ذات الكائنات الغرائبية ليكون أول معرض له بعدها في باريس عام 1995في غاليري (ديجون ـ أرني لو ديك): «استغربوا قدومي من دون أن أكون متعلماً اللغة الفرنسية؛ كل ما أملكه كان ورقة صغيرة مكتوب عليها أسماء الأماكن التي سأتنقل إليها ومحطات المترو والشوارع الرئيسية، لكنني وصلت في الوقت المحدد». مدينة الفنون العالمية بباريس قدمت للفنان السوري عرضاً مغرياً لدراسة الفن على حساب منظمة اليونسكو، لكن (سبهان) قطع هذه الدورة بعد أربعة أشهر: «بقيت ضد أي إملاء أو تعليم أو مصادرة على مخيلتي الفنية، (اللوفر) كان يبعد أمتاراً عن المؤسسة العريقة التي كنت أدرس فيها؛ لكنني لم أزره ولا مرة، فأنا ضد متاحف الفن واقتناء اللوحات، ضد أن أشتري أي لوحة لفنان؛ هذه الرصانة أمر خاص بي، إذ إن هناك مواد حافظة لدي، تجعلني لا أسمح لأحد بزيارة مرسمي، معارضي أصلاً لا أحضرها. آخر معرض لي كان منذ سنة ونصف السنة في باريس لم آت لحضوره، وهناك معرض بعد شهرين في جنيف لكنني لن أحضره أيضاً، فقط أرسل اللوحات إلى صالات العرض؛ يبدو أن المشكلة لدي في لحظة تماس مع الجمهور الذي أتى ليراني في صالة». أكثر من أربعين معرضاً أقامه هذا الفنان في فرنسا؛ ومثلها في مدن كثيرة من العالم؛ كأنما الظروف هيأت له لصناعة وجوده؛ ففي عمر مبكر من تجربته الفنية وصلت أعمال (آدم) إلى أن تكون أحد أكثر أعمال الفنانين السوريين رواجاً وطلباً في سوق غاليريهات الفن المعاصر: «هناك كراهية اتجاهي من صالات الجوار، فأنا لا أعمل وفق عقود احتكار، بالعكس؛ أنا كائن قائم بحد ذاته، أومن بمقولة شاعر داغستان رسول حمزاتوف.. (الإنسان كالدولة له رئيس وزراء ووزير دفاع وداخلية)؛ حقيقة الوزارات لديّ كلها تعمل بطاقةٍ عليا؛ باستثناء وزارة الأوقاف التي تعاني لدي من ضعف هائل» (يضحك). العديد من صالات العرض الدولية تعاملت مع (آدم) لسنوات، كان أبرزها غاليري (دومنيك بولاد هارداون) بباريس؛ الصالة الواقعة بالقرب من مركز (جورج موبيدو) سوّقت للوحاته مع مطلع الألفية الثالثة؛ والتي بزغ فيها هذا الفنان كظاهرة فنية لافتة؛ فأقامت له تظاهرتين في خمس صالات بوقت واحد؛ لتحتل لوحات (سبهان) بعدها أغلفة مجلات الفن في فرنسا كمجلة (آز آرت) الشهيرة؛ ليتلو ذلك عشرات المعارض في نيويورك وألمانيا وجنيف ولندن ودبي وبيروت. عام 2005 قدّم له أدونيس في كتاب مشترك عن لوحاته صدر في باريس عن دار (فرغمان إديشن) معتبراً لوحته (انفجاراً في أحشاء فن العالم العربي الإسلامي) لتتالى بعدها العديد من المعارض حول العالم: «لم أخضع لأجندة أي صالة عرض محلية أو غير محلية، فالأجندة كما يعرف الجميع معرّضة دائماً للتغير وتتبع بلا هوادة لتقليعات الفن ومجانين المزادات العلنية. صعود هؤلاء وهبوطهم في سوق الفن لا يناسبني ولا يليق بفنان أن يخضع لهذه المعايير من البروباغندا والكذب، ربما تعاون العديدون ضدي من أصحاب صالات ومعارض وبيناليهات الفن، هذا أمر طبيعي ومفهوم في سوق المضاربات الفنية، مثله مثل المشهد السياسي الخاضع دوماً للتحول؛ إنكَ تستطيع أن تلاحظ ذلك حتى في الثقافة والإعلام، فهي جبهة بلا رحمة، الكل يبحث في هذا العالم عن هزيمة العدالة، وتزييف الحقيقة، سياسيون وباحثو تاريخ وميديا يحاولون بأدواتهم من الصباح الباكر وحتى آخر العمر أن يحدثوا هذا التغيير في الرأي العام، وهذا ما لا يجب أن يخضع له الفنان، أو يسجد لمباركته، هذا الطنين لن يتوقف منذ فجر التاريخ وحتى آخر نفس يلفظه كائن بشري على وجه هذا الكوكب؛ إنها سياسة الإخفاء والتهميش؛ ومع أنني جزء من هذا المشهد؛ لكنني أرفض الانتماء لهذا الطنين المتواصل». هناك مافيات فن ورعاة يستثمرون حتى في موتك ـ يتابع (آدم) ويضيف: «هؤلاء يتاجرون بقفصك العظمي، وبالمقابل هناك المستلبون الذين يرضخون للرعاة وتجار الجملة من صالات العرض وسواها، هؤلاء أيضاً مسحوقون تماماً، انظر اليوم إلى أدباء (الفايسبوك) كمثال، هؤلاء ـ كما يقول عنهم باولو كويلو ـ جميعهم يشعرون أنهم حائزون على نوبل للآداب». سبهانات يتواصل اليوم (آدم) مع مقتنيي وجامعي لوحات عرض في باكستان وجنوب أفريقيا؛ كأسواق واعدة للفن التشكيلي: «بعت بكثافة لهذه البلدان» لكن اليوم صار لك أسلوب فهل تخضع له؟ يجيب: «حتى تنجز بصمة في الرسم أمر ليس سهلاً، الآن هناك (سبهانات) عديدون يقلدونني، إنني أعتبر ذلك أمراً إيجابياً؛ فعندما بدأتُ بالرسم لم يكن عملي هذا ناجم عن عقائد تقليد ولا تناص أو تلاص مع أحد، أبداً لم أدخل في ذلك، عملي بدأ وهو مصاب بمرض بفقر دم، لوحاتي فيها عوَر، ولهذا جلبتُ لها عيوناً من بنك العيون، ورممتها بفيتامينات كثيرة؛ حتى تصير على ما هي عليه اليوم، لقد رافقت أعمالي من طفولتها حتى ظهرت مصابةً بالتوحد، أما الآخر فيأخذ هذا الأسلوب ككتلة صماء واحدة، يأخذه من اللحظة التي تبدو عليه بعض العافية والكثير من الإعياء، ربما يتقاطع الآخرون مع هذا الاستنساب؛ لكن أعمالهم ستبقى معافاة على نحو مضجر». جمالية القبح والبشاعة هذا كله كلام غير دقيق ـ يتابع ويقول: «إذا أردنا رؤية الأشياء على هذا المنوال؛ سنعتبر كل أعمال (بيكاسو) و(ماتيس) ومنحوتات (مارسيل دوشامب) ما بعد القباحة كذلك لا قيمة لها. هذه نظرة متخلّفة للفن ولوظيفته ذاتها؛ فالفن في العالم هو بالأصل لوحة واحدة، لكن التوالد لهذه اللوحة أنتج مجموعة من الأقرباء من أبناء خؤولة وعمومة وأصهار وأولاد حرام ومنغوليين، لكن كلها تتبع للوحة الأصلية الواحدة. (فرانسيس بيكون) استقى معظم أعماله من حلبات المصارعة الحرة؛ حيث أنتج لديه هذا الصراع الحركي الرياضي كتلاً متعددة». أصدر (آدم) مؤخراً كتابه الجديد (وجهٌ يغتصب الوجه) الذي ضم فيه صوراً لأعماله الجديدة؛ لكنه يبدو غير راضٍ عما يحدث اليوم في بلاده: «نعيش زمن الحضيض والهزيمة في كل تفاصيل المجتمع؛ فالحضيض يجعل كل شيء متوقعاً؛ تفاصيل الموت والقتل والجهالة. لم ولن أغادر دمشق؛ فعندما تريد التحدث عن أمكَ المريضة؛ يجب أن تكون قريباً منها، لا أن تدّعي الحزن عليها من أماكن بعيدة، لهذا أنا اليوم على تماس مباشر مع الموت؛ أتصور أن ما يجعل البلد قابلاً للعيش حتى هذه اللحظة؛ أنه ما يزال هناك كتلة كبيرة لم تتكلم؛ كانوا بالأمس يطلقون عليها لقب الأغلبية الصامتة، فالمنتمون لهذه الطبقة كرامتهم في كلمتهم، كونها طبقة بيضاء لم تتورط حتى الآن؛ طبقة كبيرة من السوريين وأعتقد أن تعدادها لا يقل عن سبعة عشر مليوناً؛ هؤلاء لا أحد يتكلم عنهم. هذه الطبقة هي طبقة نظيفة، صحيح يمكن أن يكون لديها إشكالياتها؛ لكن عندما تصل الأمور إلى قتل وخراب ودمار وصراع دولي وداخلي، فلا شك أنها لا تقبل بذلك. هذه هي العائلة السورية المتماسكة التي حافظت حتى الآن على مدينة بحجم دمشق، وعلى مدن سورية كبرى مثل اللاذقية وطرطوس وجزء من حلب وحمص والسويداء والحسكة وحماه، شخصياً أعتبر نفسي أنني أنتمي بقوة لهذه الطبقة التي لا حيلة لديها أمام وحش الخراب؛ ولا دخل لها بأي طرف من الأطراف المتصارعة؛ لكن لا الإعلام يركز عليها ولا السياسة ولا ثمة ناطقون باسمها». (دمشق)