As Safir Logo
المصدر:

هل روسيا حقاً دولة عظمى؟

المؤلف: عقيل ايمن التاريخ: 2015-11-04 رقم العدد:13212

تطل روسيا على العالم برئيس غير تقليدي البتة. هو يمارس بحماسة لعبة «الجودو»، يشارك في مهمات توعية لحماية الدببة القطبية، ويهوى رياضة الغطس، وقد تم إعداد تقرير إعلامي في إحدى المرات لـ «توثيق» لحظة انتشاله شخصياً كنزاً تاريخياً دفيناً. تارة يظهر عاري الصدر على أغلفة المجلات، وذلك في إشارة إلى قوته وخصوبته ربما، ويفاجئ العالم تارة أخرى وهو يقود دبابة أو غواصة ويصدر التوجيهات العسكرية من أرض الميدان. تعتبر هذه الأساليب مثيرة للجدل على نطاق واسع لدى الغربيين، إلا أنها من المرجح أن تكون ساهمت في رفع شعبيته لدى الروس إلى مستويات قياسية. يعود الأمر جزئياً إلى أن صورة القائد القومي البطل تدغدغ الذاكرة الروسية منذ أيام القيصر بطرس الأكبر، ويسجل لبوتين نجاحه في استعادة هذه النوستالجيا الروسية القديمة. من نافل القول أن أي شيء على الإطلاق يخلف الرئيس الكارثة بوريس يلتسن هو مشروع بطل قومي في روسيا، فكيف مع شخص يملك الكاريزما المناسبة وصودف تبوّؤه الرئاسة بعد قطوع يلتسن؟ في إجابة عن سؤال حول سبب خوف الغرب من روسيا، يجيب المنظّر السياسي الأميركي جورج فريدمان بأن روسيا خطرة لأنها عاجزة وليس لأنها قوية. تضيف شخصية بوتين نفسها الكثير على هذه الخطورة التي يستشعرها الغرب. الأخير فشل مرات عدة في التنبؤ بخطوات الرئيس الروسي بسبب شخصية بوتين الفريدة وآلية اتخاذ القرار في روسيا المحصورة بدائرة ضيقة للغاية، والتي تجعل محاولة الاعتماد على المقاربات الكلاسيكية لاستشراف السياسات من استطلاعات الرأي واتجاهات الأحزاب وتعقب الأداء الاقتصادي محفوفة بالمخاطر. ولكن، هل روسيا حقاً ضعيفة؟ اقتصادياً، روسيا لا تتربع الآن ضمن أول عشر اقتصادات في العالم، وهي تفتقر إلى هيكلية اقتصادية ناضجة. إنها دولة ريعية إلى حد ما مع احتفاظها بقطاعات تحقق نوعاً من التقدم في مجال التقانة الصناعية والعسكرية. روسيا تعاني من مشاكل ديموغرافية هائلة ويتناقص عدد سكانها بشكل مقلق. فعلى سبيل المثال، يعيش على الجانب الروسي من منشوريا البالغة الحساسية حوالي خمسة ملايين روسي مقابل مئة مليون على الجانب الصيني. وسبق لبوتين الإشارة إلى المشكلة باعتبارها الأكثر إلحاحاً على الإطلاق، لا سيما أن العديد من التقارير تفيد بأن الروس يواجهون صعوبة جدية في تجنيد العدد الكافي لتشغيل الوحدات العسكرية. أما عسكرياً، فإن النكسات التي أصيب بها الجيش الروسي في جورجيا دفعت القيادة الروسية إلى وضع خطط لتحديث الآلة العسكرية الموروثة عن الحقبة السوفياتية. عمد الروس عملياً إلى ترشيق الجيش عبر تقسيمه إلى وحدات أصغر وأكثر فعالية. وبالتوازي مع ذلك، تم عقد العديد من الصفقات لشراء دبابات وحاملات جند أكثر حداثة، بالإضافة إلى محاولة شراء سفن حربية من فرنسا، تعثرت لاحقاً، لتعزيز القوة النارية للبحرية الروسية. ولكن التراجع الحاد لأسعار النفط عالمياً أجهض الكثير من هذه الخطط. يبقى أن قوة الجيش الروسي هي محط قبول لدى الكثيرين مع التساؤل حول كون هذا سبباً كافياً لتكون روسيا، الدولة والأمة، قوية. معلوم أن التساؤل حول حقيقة كون روسيا دولة عظمى غير مألوف في العالم العربي، باعتبارها وريثة طبيعية لإرث الاتحاد السوفياتي وهالته ومقعده في مجلس الأمن. لكن الدوائر البحثية الغربية تتداول هذا السؤال بجدية وتنقسم آراء الباحثين بين من يسلّم بمكانتها كدولة عظمى وبين من يرى أن إمكانياتها الاقتصادية ومقدراتها الاستراتيجية يجعلان منها دولة ذات نفوذ إقليمي فحسب. هذه الإشكالية التي تعتبر مثيرة للضحك في العالم العربي هي جدية وتمثل تحدياً معرفياً للمحللين السياسيين الغربيين، تستدعي التمعن في المعطيات الواقعية، إذ ربما من الأجدر التعوّد على فكرة أن روسيا قد لا تكون حقاً دولة عظمى وإخراج الأمر من دائرة البداهة. يفتح هذا الموضوع على ضرورة التطرق إلى تعريف الدول العظمى، وهنا ندخل في معمعة من النظريات والمقاربات التي تتباين كثيراً، إلا أنها تتقاطع في تحديد أن الدول العظمى هي التي تملك حيزاً معتدّاً به من التأثير الذي يتجاوز حدودها الإقليمية. ولكن ما الذي يترتب على فقدان روسيا لدورها كدولة عظمى؟ الكثير. وبالمجمل، سيكون هذا بالتأكيد مؤشراً بالغ الدلالة على محدودية القدرة الروسية على الفعل في النطاق الدولي البعيد عن إقليمها، وإلى إمكانية فشلها في التصدي للضغط الهائل الذي يترتب عن هذه الالتزامات اقتصادياً وسياسياً وربما عسكرياً. في حوار مع صحيفة «دير شبيغل» قبل عام من الآن، جزم وزير الخارجية الأميركية الأسبق هنري كيسنجر أن الغرب ممثلاً بحلف «الناتو» هو من عمل على استفزاز روسيا من خلال التوسع في نطاق دول أوروبا الشرقية. ولطالما حاجج الروس بأنهم يملكون تعهداً شفهياً من حلف «الناتو» بعدم الاقتراب من حدودها، وذلك خلال الفترة التي جرى الاتفاق فيها على إعادة توحيد ألمانيا العام 1990، وهو ما جاهر به الرئيس الروسي ميخائيل غورباتشوف أكثر من مرة. بعيداً عن هذا الجدل التاريخي الذي يستلزم الخوض في الحجج والحجج المقابلة، في ميزان العلاقات الدولية، يُعتبر ما قام به «الناتو» مؤشراً صلباً على اعتقاده بإمكانية ترويض روسيا وبتواضع قدرة وإرادة الأخيرة على التصدي بفعالية. في محاولتها لتغيير بيئتها الاستراتيجية، وبعدما أُسدل الستار على القنوات الديبلوماسية، لم يتبقّ لروسيا إلا ذراعها التنفيذية العسكرية لتستخدمها، باعتبار أن هذه الذراع حافظت نظرياً على غلظتها، ويمكن بالتالي الاعتداد بها. حدث ذلك في أوكرانيا، ويحدث الآن في سوريا. لا تنفك بعض النخب الروسية الموالية للغرب تقول إن الأخير لم يفلح في التعاطي مع روسيا في الفترة التي تلت تهاوي الاتحاد السوفياتي، ويرددون بمرارة بأن الشعب الروسي كان يتوقع من الغرب خطة عمل على غرار «خطة مارشال» التي ساعدت على إعادة بناء ألمانيا وسائر دول اوروبا الغربية، أو حتى إجراءات ماك آرثر في اليابان غداة الحرب العالمية الثانية. كل ذلك لم يحصل مما ولّد إحباطاً لدى الشعب الروسي دفعه إلى ترسيخ اعتقاده بأن الغرب معاد ليس للشيوعية فحسب بل للأمة الروسية، ويمكن فهم شعبية بوتين القياسية في الداخل الروسي ببساطة لأنه تناغم مع المشاعر القومية الروسية الجريحة. بمطلق الأحوال، على صانع القرار الإقليمي الذي لا يجد فرضية التشكيك بقدرات روسيا فكاهية أن يفرمل اندفاعته الإقليمية باعتبار أن المظلة الاستراتيجية الدولية قد لا تكون مؤمَّنة. كل ما سبق لا ينزع الشرعية المنطقية عن عقد تحالفات ذات طابع عيني ومحدود مع الروس في الشرق الأوسط، ولكن مع التسليم بعجزهم البنيوي على مجاراة الغرب على المدى الطويل وربما المتوسط، مع ما يترتب على ذلك من ضرورة تنويع التحالفات والاستفادة من هوامش للمناورة الإقليمية والدولية، هذه الهوامش التي ستظهر للعيان في اللحظة التي يقرر فيها حلفاء روسيا في الإقليم ألا يلتصقوا بها تماما. ولمن يحسن التقاط الإشارات، فإن مبالغة الروس في تعويم حل سياسي ما للأزمة السورية بالتزامن مع بدء ضرباتهم الجوية، إلى حد إعادة اختراع «الجيش الحر»، هي إشارة ضعف محتملة قد تتلقفها الضواري من صانعي القرار في الغرب، عبر المراوحة في السلبية السياسية والابتزاز، على اعتبار أن يد روسيا هي الآن في قلب الحريق السوري.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة