As Safir Logo
المصدر:

كثافة إجازات الإبرام في جلسة أمس امتداد للثقة بالحكومة وتطرح مفهوم التعاون بين السلطتين الإعداد لمواجهة »الأخطار المرتقبة« يفرض ممارسة التوازن أولاً

المؤلف: زين احمد التاريخ: 2000-12-20 رقم العدد:8787

تعكس الجلسة التي عقدها مجلس النواب أمس صورة مكبرة لحسن العلاقة القائم بين السلطتين التشريعية والتنفيذية، ومتانتها رغم بعض »الانتهاكات السياسية« التي طاولت هذه العلاقة بشكل من الاشكال عند حديث نواب في »الأوراق الواردة«. ويمكن رصد تعاون السلطتين من مؤشرات عديدة يبقى الأهم والملموس منها، على حد تعبير وزير من دون حقيبة اثنان هما توقيت انعقاد الجلسة التشريعية الأخيرة وجدول أعمالها. وفي هذا يقول المصدر ان تحديد موعد الجلسة جاء بناء لتمنٍ من المراجع الحكومية إذ ان الرئيس نبيه بري كان ميالا لدعوة الهيئة العامة للانعقاد بعد عطلات الأعياد للافساح في المجال أمام اللجان النيابية في أخذ الوقت الكافي لانجاز درس بعض المشاريع المهمة التي شارفت على انجازها. ويبدو ان الحكومة استعجلت عقد الجلسة للتصديق على المشاريع المتعلقة بالاجازة للحكومة ابرام بعض الاتفاقيات مع جهات ومؤسسات دولية وعربية والتي وصل عددها الى حوالى نصف عدد المشاريع والاقتراحات الواردة على جدول الأعمال التي زاد عددها عن الثلاثين مشروعا واقتراح قانون. ويتوقف المصدر الحكومي عند هذين المؤشرين، وخصوصا الثاني منهما، فيرى ان كثافة عدد المشاريع المتعلقة باجازات الابرام التي اقرها المجلس في جلسته أمس لم تكن ظاهرة بحد ذاتها، فالجلسة التي انعقدت في السادس عشر من آذار سنة 1999 مثلا كان على جدول أعمالها 35 مشروعا يرمي الى الاجازة للحكومة بابرام اتفاقيات وقد أقرها المجلس كلها، الأمر الذي يعني ان عدد »القوانين الاجازات« التي انتهت اليها تلك الجلسة يعادل عدد جميع المشاريع والاقتراحات التي كانت واردة على جدول أعمال جلسة أمس. ويلاحظ المصدر ان تعامل المجلس النيابي ايجابيا مع الاجازة للحكومة بابرام الاتفاقيات خصوصا لجهة الاسراع في درسها وتصديقها، كان دائما يعبر عن حالة تعاون بين المجلس والحكومة. فجلسة 16 آذار من السنة الماضية انعقدت بعد اقل من ثلاثة أشهر على تشكيل حكومة الرئيس الدكتور سليم الحص ونيلها الثقة، وجلسة أمس كانت أول جلسة تخصص للتشريع بعد تشكيل حكومة الرئيس رفيق الحريري الحالية، الأمر الذي يشير بوضوح الى ان المجلس النيابي يعطي الحكومات الفرصة لتنفيذ سياستها خصوصا الجانب الاقتصادي والمالي منها باعتبار ان معظم الاتفاقيات التي تطلب الحكومة الاجازة بابرامها ذات طابع مالي واقتصادي ويتعلق بتمويل المشاريع وجذب الاستثمارات وضبط الميزان التجاري مع بعض الدول. ان هذه العلاقة القائمة بين »كثافة اجازات الابرام« وعلاقة المجلس مع الحكومة قد لا تكون مسألة خيارية لمجلس النواب. فالحكومة الجديدة، أي حكومة كانت، تحكم بالثقة التي نالتها من المجلس استنادا الى بيانها الوزاري الذي تحدد فيه سياستها في كل المجالات، وليس من المنطق ان يعمد المجلس الى منح الحكومة الثقة على أساس تلك السياسة التي تضمنها البيان الوزاري من دون ان يسهّل لها الوسائل التي تراها مناسبة لتنفيذ تلك السياسة، وبهذا المعنى تصبح المشاريع المتعلقة باجازات ابرام معظم الاتفاقيات انعكاسا للثقة او انها متممة لها او تفصيلا من تفاصيلها، ولذلك يعتبر المصدر الحكومي ان كثافة اجازات الابرام التي طغت على جلسة الأمس لم تكن مفاجئة وكانت طبيعية جدا حتى انها تعبر عن رغبة الحكومة في تجربة تنفيذ السياسة التي وعدت بها في بيانها الوزاري بسرعة وتعبر في الوقت ذاته عن رغبة المجلس في اتاحة الفرصة أمام الحكومة للتوصّل الى ما و عدت به ليُبنى بعد ذلك على الأمر مقتضاه في جلسات المناقشة. وتتطابق وجهة نظر اوساط سياسية الى حد بعيد مع ما يراه المصدر الحكومي في قراءته لكثافة المشاريع الرامية للاجازة للحكومة ابرام الاتفاقيات التي يقرها المجلس في أوائل حكم الحكومات، ولكنه يرى ان نتائج هذا التعاون يجب ان لا يقطف ثمارها او يتحمل وزرها طرف دون غيره إذ لا يمكن لمن يساهم في صنع القرار إلا ان يكون مسؤولا عن نتائجه وآثاره، سيان كانت ايجابية أم سلبية. وتعتبر بعض الأوساط السياسية ان التوازن بين السلطتين في ما ينتج عن القرار من آثار قد يكون غير عادل، لأن مسؤولية المجلس كسلطة رقابة على أعمال الحكومة وسياساتها تفوق مسؤولية الحكومة »فمن يقترح قد يخطئ التقدير من دون ان يتحمل مسؤولية عن الخطأ باعتبار ان ما يقترحه لا يكون له طابع النفاذ. أما من يدرس ويوافق على ما هو مقترح فيكون قد تحمّل خطأ الاقتراح وخطأ ممارسة الرقابة في آن معا، خصوصا وان الموافقة تعني التنفيذ« ولهذا يرى هذا البعض في القول »ان الحكومة في النظام البرلماني الديموقراطي هي حكومة المجلس النيابي« قولا صحيحا ومعبرا بدقة عن دور السلطة التشريعية في نظامنا. من هنا يرى هذا الفريق من السياسيين ان التعاون الحاصل بين المجلس والحكومة، وبالتالي بين السلطتين التشريعية والتنفيذية، لا يمكن ان تقتصر مبرراته على الرؤيا القائلة »بأن المرحلة خطيرة والظروف الحاضرة تفرض التعاون بالمطلق ومن دون سؤال وجواب« فالظرف الخطير يفرض على المؤسسات كلها، وخصوصا على الدستورية منها ومراجعها، القيام بالدور الكامل المطلوب منها من دون زيادة او نقصان لأن الظرف العادي او غير الخطير قد يحتمل التساهل في القيام بالأدوار ويمكن استيعابه، أما الظرف الخطير والمراحل الحرجة وترقّب التطورات السلبية فلا تحتمل لا تساهلا ولا عزوفا عن ممارسة دور ولا التخلي عن صلاحيات، لأن حصول ما هو مرتقب في ظل تماسك في أصول ممارسة النظام قد يلقى رادعا، وفي اسوأ الاحتمالات لا بد من ان تخفّف آثاره، اما حصول ذلك في ظل تفسخ يحصل في اصول الممارسة وعدم التمسك بالأدوار فيعني ان حصول المرتقب سيواجه بحالة يحاول فيها كل طرف التنصل من المسؤولية لرميها على الطرف الآخر، وفي أحسن الأحوال محاولة مواكبة الخطر الحاصل بالتفتيش عن اجراءات لمواجهته، وبمعنى آخر المناقشة والدرس اللذين تم تجاوزهما بذريعة التعاون استنادا لتطورات خطيرة مرتقبة! ولهذا يرى هذا الفريق السياسي ان المؤشرات التي تفرض القول بامكانية حصول تطورات خطيرة مرتقبة تتطلب أكثر ما تتطلب من جميع المؤسسات الدستورية ومراجعها الحرص الدقيق جدا و الشفاف على »توازن السلطات« وفق الاحكام الدستورية النافذة سيان كانت بعض تلك الاحكام مدار تساؤلات عند البعض أم لا. فالتوازن وحده يعطي صيغة التعاون في مرحلة من المراحل قيمتها وقوتها واثرها الايجابي في المواجهة. فإذا كان التعاون بين السلطات وفق الصيغة التي يمارس بها في معظم الاحيان مطلوبا او ممارسا في ظل عدم حصول الاخطار، فما هي الصيغة التي يمكن ان يعتمدها الحكم وتعتمدها المؤسسات للارتقاء بصيغة علاقاتها عند حصول الخطر؟ من هنا يمكن القول ان ظاهرة »اجازات الابرام« التي برزت في جلسة المجلس النيابي أمس وان كانت ظاهرة طبيعية في هذا الوقت من عمر الحكومة الحالية لارتباطها بشكل من الاشكال بالثقة التي منحها النواب للحكومة، إلا انها في الوقت ذاته للقول بأن المسؤولية المترتبة على تلك الاجازات لا يمكن ان يتحمّلها المجلس الذي أقرّ، ولا الحكومة التي احالت وطلبت الاقرار، لأن التعاون في ممارسة الحكم سيان كان رقابة وتشريعا أم أعمالا حكومية وسياسات على اختلاف الاشكال والمرامي والأنواع لا يكون في التساهل بممارسة أي صلاحية وأي دور إنما بممارستهما معا لأنه في الحالة الأولى يكون التعاون على النظام أما في الحالة الثانية فيكون التعاون من أجل النظام.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة