»الشعرُ قبضٌ على الدنيا مُشعشعةً كما وراء قميص شعشعتْ نُجُمُ فأنت والكونُ تيّاهانِ، كأسُ طلىً دُقّتْ بكأس وحُلمُ لَفّهُ حُلُمُ« (1). من زمان قال سعيد عقل هذا الشعر في الشعر، أو قبس هذه القبسة من نار الشعر، فأضاء الشعر، دون ان يقع في الصقيع. وفي كثير من الشعر او ما يشبه الشعر استطالات لتعريف الشعر.. كأن الشعر موضوع، كذا! ويتشكل ناجزا خارج الذات، ويمكن تعريفه أي الوصول إليه وإيصاله، بالحد التام او الناقص او الرسم التام او الناقص! على ما قال المناطقة الذين لم يبدعوا شيئا، وثقّلوا علينا حمل ما نعمل علميا! عندما يكتمل وهم التعريف يكون ما كاد ان يكون شعرا قد مات في الداخل والخارج، فإذا المحصل منه، او المنتج، كما لو كان امرا تأكله إن جعت ثم تعاف بقاياه إن شبعت، يقع في مدى حواسك من دون ان يساور أعماقك، يصيب بصرك ويخطئ بصيرتك، لا يدخلك ولا يداخلك ولا يتخللك. وعندما لامس سعيد عقل او قبض او احتل معنى الشعر بالشعر وافترع عذرية القصيدة، قال لنا ما كنا نقوله ولا نقوله، قال ان الشعر معرفة تامة ومقام للعارفين وليس موضوعا.. هو ذاتي او ذات.. ليس احتمالا باردا.. انه يقين نبوي مزين بالشك الابداعي، بالشك الضروري للابداع، بالشك الذي ينقض فيبدع العمارة ثانية، ويبدع لأنه يكثف الحدس، يفتحه، يبقيه مفتوحا على السؤال، يشعله، ويجدد العناء والشوق، حيث يبدأ الشعر وحيث يقصد، فيصل ولا يصل، وكلما وصل سافر من جديد، لأنه الشعر. إن من يقاربون الفن، والشعر قصاراه، بالصوري من المنطق، لأن الجدلي أساساً لا مكان له في هذا الخضم، ويحاولون ان ينظروا إليه نظرا مفارقا، من منظار ارسطو التنميطي الخطي الخيطي التسميطي السكوني التسكيني، ما عليهم الا ان يبحثوا لهم عن فضاء آخر، يتصل او ينفصل عن فضاء الشعر، يقترب منه او يجافيه، ولكنه لا يكونه وإن شابه شوباً او شابهه كما تشبه الشبهة الحق والحقيقة.. ليذهبوا الى العلم البحت او الدقيق او التطبيقي، وفيه جمال وفيه دهشة وخيال ومخيال واكتشاف يخصه ويلائمه ويأتي منه... أما الشعر فإنه تكوين الشاعر، ليس خيارا او اختيارا، قاله الشاعر أو لم يقله.. ولماذا يصر كبار من العلماء على ان يسلكوا أنفسهم غصبا في سلك الشعراء؟ ألأنهم يعرفون ان المعرفة الشعرية، ان الشعرية، بما هي كشف وقبض وبسط للكون، تتخطى القانون، لأنها الأبهى؟ حسناً وهم محقون.. لكن الذي يحيرك ويشجيك أن المجايلين والمجتلين والمعاقرين لسلاف هذا الأبهى في المعنى، في الشعر الشعر، يعتريهم شعور بأن امثولتهم لا تكتمل إلا بوصلة ما مع حقل معرفي آخر!!! ينقص الكيميائي العظيم او الاقتصادي او الفيزيائي او الرياضي، الكثير من اللذاذات ومنع الخلق والابداع والاجتراح والاختراق لحائط الممكن صوب المحال، فيراود الشعر او يراوده الشعر، لولا ان يرى برهان ربه... أما الشاعر الشاعر، ومن طراز سعيد عقل، فإنه واصل موصول بالسر، مشرف على الاسرار وصانع اسرار، انه ممتلئ لذة حلالاً ومتعة وإغراءً، وغوىً وإغواءً وغواية، أليس غياً إذن انه يرهق نفسه، عينه وقلبه وأذنه ويراعته وحبره ودفتره وأهل ديوانه من شياطين الشعر وقرائه، بمتاعب كمتاعب الملاكمة او المصارعة او الالغاز التي تحتاج في حلها الى جهد جهيد من دون ان يكون مردودها المعرفي وافيا بأقل القليل من هذا الجهد؟... إننا لا نقبل من سعيد عقل بأقل من الشعر، والقليل من شعره شعر كثير، نريد ان نطالعه في »السفير« ولا نريد ان نمر باسمه ونمضي، أو نغضي او نغفى.. نريده طُلعَة رائدا سباقا ربيئة كما هو، في ارتياد اصقاع المعنى والصورة والروح، يعالج المستحيل، فإذا هو عيان وشهود، وينعف الممكن والمتحقق فإذا هو محال جميل حافل بالنداء حاشد بالاغراء. أليس سعيد هو القائل: »لا تقربي مني وظلي بين اللذائذ مستحيلة« والقائل: »قبل ما كُوّنتِ في أشواقنا سكرت مما سيعروها الفِكَرْ« والقائل: »لَوقْعُكِ فوق السرير مهيب كوقع الهنيهة في المطلقِ« »كشلال ضوء هوى من علٍ فلا نجمَ في الأفقِ لم يشهقِ« والقائل: »لو أنتِ بكأسي خمرته وأنا وأراق أنا جمَمُ لتخذتكِ لي فلكا وتعبثرني وأبعثرها النُجُمُ«. المقلع الذي يقد منه سعيد عقل هذا الرخام الأخضر الأخاذ، لا يجوز ان يتحول الى حاسوب قديم مستهلك ومهما يتجدد فإنه لن يلحق بأسرته العلمية المتقدمة جدا... والمسبوقة بالشعر دائما... أبيات بأبيات في أبيات من أبيات، من سعيد عقل.. بدل الكلمات... والكلمة من سعيد عقل إن لم تكن شعرا فهي على خطر ان تصبح لكماً أو كَلْماً. أيّها النسر، تد في الشعر عُشِّكَ قَلمكَ.. ولا تمدّنّ عينيك الى ما متع الله به غيرك، لأن ما متعك به لا يتيسر إلا لأخص خواص الخواص من الخاصة. دعك من الموضوع فالذات أشد إضاءة للحقيقة واكتناهاً وكشفاً للجميل والجمال.. والشعر ذاتك.. جنسك ونوعك وفعلك... بيت واحد كشعرك يكفيك عمرا.. تذهب من الشعر الى الإحصاء.. مثلاً؟ إنه خراب لبيوتنا وأذواقنا.. دعك أيها الشاب شعرا.. عد الى أسرتك.. الى بيتك بيت الشعر.. (1) أدونيس الشاعر ينسحب ليرى الشاعر كما يحب أن يكونه يقول: »لو أنني أعرف كالشاعر أن أغير الفصول... أو أشارك النبات أعراسه ألخ« ويرى الشعر حاكماً فوق الحاكمين يقول: »أقول للفرات أن يمتد كالسقيفة.. أمنع غير الشعر أن يبايع الخليفة«.