تتناول دراسة الدكتور البر داغر في قسمها الثاني تطور الاقتصادين اللبناني والسوري عبر العقود الماضية بدءا من التطورات الاقتصادية الاساسية في سوريا والمراحل التي مرت بها القطاعات الصناعية والزراعية ومراحل الانفتاح منذ بداية مكافحة الركود الاقتصاد في السبعينيات وحتى التسعينيات. وأبرز ما جاء في القسم الثاني: تطور الاقتصادين اللبناني والسوري خلال العقود الماضية 1 سوريا، كاقتصاد انتقالي أ تطور الاقتصاد السوري وواقعه الحالي أطلق تعبير الاقتصاد الانتقالي على الاقتصادات التي كانت تعتمد نظام الاقتصاد المدولن والتخطيط المركزي، وبات عليها ان تدخل، او أنها دخلت في مرحلة انتقال الى اقتصاد السوق، من خلال الاصلاحات البنيوية التي اعتمدتها. والدول المعنية بهذا التعبير هي دول أوروبا الشرقية بشكل أساسي، ويصنف الاقتصاد السوري بدوره كاقتصاد انتقالي. وتنطبق على الاقتصاد السوري صفة الاقتصاد المدولن، لكن الحديث عن اقتصاد مخطط امر غير دقيق. أولا، لأن الخطط التي اعتمدتها سوريا منذ الستينيات لم تكن تملك صفة الالزام، وثانيا، لأنها توقفت عن اعتماد خطط رسمية منذ العام 1985، بحيث بقيت الخطة الخمسية السادسة (1986 1990) مجرد مشروع خطة. تنظيم الاقتصاد أما دولنة الاقتصاد السوري، بمعنى تملك الدولة لاجزاء اساسية من القطاعات الانتاجية، وتوجيه النشاط الاقتصادي العام من قبلها، فقد بدأت مع تجربة الوحدة مع مصر عام 1958. وفي حين لم يكن ثمة قطاع عام في سوريا عام 1951، فإن نهاية الخمسينيات شهدت تأميم قطاعي الكهرباء والسكك الحديدية. وشهدت حقبة الوحدة مصادرة الدولة لثلث الاراضي الزراعية من الملاكين الكبار وتوزيع جزء منها على الفلاحين لاحقا، وحصول تأميمات في القطاعين المصرفي والصناعي، نقلا عن التجربة المصرية. لكن القطيعة الفعلية مع نظام تسود فيه المبادرة الخاصة انتظرت حتى عام 1964 لكي تستنفد. وهو العام الذي شهد تأميم مؤسسات صناعية تبلغ حصتها ثلثي الانتاج وثلاثة أرباع الاستثمار الصناعي. وكان عام 1963 قد شهد تأميم المصارف الخاصة التي دمجت في مؤسسة مصرفية واحدة هي المصرف التجاري السوري. وكان سبق ذلك تأميم التجارة الخارجية وإرساء نظام رقابة على القطع. ويمكن اعتبار انه مع بداية عام 1965 باتت الدولة تتحكم بمحركات النشاط الاقتصادي من خلال: 1) الدور الرئيسي للقطاع الانتاجي المؤمم في الانتاج والاستثمار؛ 2) احتكار القطاع العام لغالبية تجارة الاستيراد والتصدير. فاستيراد السلع الاساسية بات من اختصاص مؤسسات تجارية حكومية. كما ان تصدير السلع (البترول والفوسفات ابتداء من عام 1968) والحاصلات الاساسية (حبوب وقطن) باتت تتولاه مكاتب حكومية؛ 3) التسعير، الذي تتولاه وزارة التموين. وقد اعتمدت سوريا نظاما كاملا من الرقابة على الاسعار يغطي غالبية السلع الاستهلاكية والخدمات وكل المدخلات الاساسية المستعملة من قبل القطاعين العام والخاص، والسلع المنتجة من القطاعين العام والخاص؛ 4) الرقابة على القطع، من خلال مكتب القطع الذي يتناول نشاطه كل الصفقات عى الخدمات والرساميل؛ 5) اعتماد سياسة تجارية تقوم على تقييد الاستيراد والتصدير. وكانت وزارة الاقتصاد والتجارة تقوم بمنع اجازات الاستيراد. كما اعتمدت سوريا رسوما جمركية مرتفعة، وقيودا اخرى من غير فئة الرسوم تتناول طرائق الدفع لتقييد الاستيراد. كذلك وضعت قيودا على تصدير السلع الزراعية، كالرسوم على صادرات القطن والزيوت النباتية وغير ذلك. الستينيات إلا ان حقبة الستينيات التي اعقبت التأميمات كانت حقبة ركود اقتصادي. وذلك بسبب انخفاض الفوائض التي حققتها المؤسسات الصناعية العامة التي كانت تتولى انتاج اكثر من ثلثي الانتاج الصناعي، ولضعف نمو القطاع الزراعي (1$ بالاسعار الثابتة خلال 1966 1970). فقد تم تركيز استثمارات القطاع العام خلال الحقبة المذكورة على مشروعين كبيرين: 1) إنشاء سد الفرات لانتاج الطاقة والري، وهو الذي استقطب ثلاثة ارباع الاستثمار العام في الزراعة في حينه، 2) إنتاج البترول، الذي استنفد حتى عام 1968 نصف الاستثمار الصناعي لتحقيقه. علما بان الحقبة ذاتها شدت هروبا للرساميل الخاصة الى الخارج وظروفا مناخية غير مؤاتية وتضاؤلا لحجم الاستيراد وانخفاضا لمستوى الاستثمار بوجه عام. أما التدفقات المالية الخارجية، فلم يكن متاحا لسوريا منها في حينه غير عائدات ترانزيت النفط العراقي. السبعينيات وقد جرى عام 1971، الاخذ بمجموعة إجراءات لمواجهة حالة الركود الاقتصادي. واعتبرت هذه الاجراءات اولى تجربة »انفتاح« للاقتصاد السوري. وكان الهدف منها فتح مجال اكبر امام القطاع الخاص للمشاركة في حركتي الاستيراد والاستثمار. وقد صدر عفو عن الرساميل التي هربت سابقا، واجيز استيراد سلع من قبل القطاع الخاص كانت ممنوعة، وجرى تخفيض سعر صرف العملة السورية لتشجيع التصدير. إلا أن التغيير الاهم الذي سوف يتأثر به الاقتصاد السوري خلال السبعينيات، هو زيادة اسعار النفط عام 1973. وسوف يتيح ذلك رفع حجم التدفقات المالية الخارجية من مساعدات حكومية (550 مليون دولار سنويا، أقرها مؤتمر الرباط عام 1974) وتحويلات من العاملين في الخارج (750 مليون دولار سنويا في اواخر السبعينيات) وعائدات ترانزيت (للنفط العراقي)، أضيفت إليها عائدات تصدير النفط السوري (58$ من الصادرات عام 1977). وقد عبر تطور حجم الانفاق العام خلال الحقبة عن هذا التغيير. وقد ارتفعت ارقام الموازنة بالاسعار الثابتة تسع مرات بين عامي 1970 و1978. وارتفعت الاستثمارات الانمائية المبرمجة من 9،3 مليارات ل.س. في خطة (1966 1970) الى 5،50 مليار ل.س. في خطة (1976 1980). أيضا كانت حقبة السبعينيات في الوقت عينه حقبة نمو كبير للاستهلاك والاستيراد. وقد زادت الواردات خلاله من 3،1 مليار ل.س. عام 1970 الى 2،16 مليار ل.س.عام 1980. وبنهاية العقد، كانت قد تحققت تغييرات كبيرة في مجالات عدة. فقد حصلت الصناعة على حصة الاسد من الاستثمار في النصف الثاني من السبعينيات. اما حصتها في التكوين الرأسمالي الثابت فقد بلغت 45$ منه خلال فترة 1972 1978. وبلغ إسهام الدولة في الاستثمار الصناعي 80$ منه. وقد نما القطاع الصناعي بمعدل 10$ سنويا بين عامي 1970 و1981، تبعا لأرقام البنك الدولي. فقد ألحق بالخطة الثالثة برنامج كبير لانتاج المدخلات الصناعية. وتم شراء مصانع عديدة على طريقة »مفتاح باليد«، منها 10 مصانع ترابة و3 مصانع اسمدة ومصفاة بترول، و4 مصانع سكر ومصنع ورق ومعمل لانتاج الطاقة ومصانع الومنيوم وكابلات ومواد بناء وزجاج والعديد من معامل النسيج الغذائية. وجرى تنفيذ هذه المشاريع خلال الخطتين الرابعة والخامسة. وقد هدفت الاستثمارات المحققة الى: 1) دمج واستخدام المواد المحلية، بخلق صناعة أسمدة تستخدم الفوسفات والبترول، وبتطوير صناعة النسيج والصناعات الغذائية التي تستخدم موارد الزراعة؛ 2) خلق صناعة تعدين؛ 3) تأمين حاجات الطلب المحلي وبدائل عن الاستيراد (مواد بناء، سلع استهلاكية معمرة، أدوية). وفي عام 1983، أتت الصناعة الكيماوية (أسمدة وترابة بناء) في المرتبة الاولى من حيث حصتها في الانتاج الصناعي (37$) وتبعتها صناعة النسيج (25$) ثم الصناعات الغذائية (21$). وقد أسهم القطاع الخاص في خلق مصانع صغيرة لتجميع الادوات الكهربائية والميكانيكية. وفي بداية الثمانينيات كان قد أمكن الاستغناء عن الاستيراد في مجال مواد البناء ومجال السلع الميكانيكية والكهربائية. وقد اعتبر البعض في معرض تقويمهم للسياسة الصناعية التي طبقت حينذاك، انها لم تكن سياسة صناعة ثقيلة، كما لم تكن سياسة تصنيع بديل للاستيراد، وانها استندت الى »فرص« او خيارات بالصدفة اكثر مما عبرت عن استراتيجية فعلية. أما الزراعة، فلم تتجاوز حصتها نسبة 10$ من الانفاق المبرمج في الخطتين الثالثة والرابعة. ومثلت هذه الحصة مبلغا يساوي 7/1 من الذي حصلت عليه الصناعة خلال فترة 1974 1980. وقد عزا المراقبون بطء نمو القطاع الزراعي، اولا الى تأخر انجاز مشاريع الاستصلاح، وثانيا الى افراط الدولة في التدخل في نشاط هذا القطاع، عبر تحديد انواع المحاصيل، وتوفير المستلزمات، وشراء المحاصيل، الخ. وقد زاد اسهام القطاع الخاص في النشاط الانتاجي في ظل الوضع الجديد. وزاد الاستثمار الخاص بمعدل 400$ بالاسعار الثابتة بين عامي 1970 و1980. وقد شكلت الواردات التي مولها القطاع الخاص مباشرة خلال السبعينيات ربع مجموع الواردات. كما اسهمت استثمارات العامة التي تحققت في القطاع الصناعي بتوسيع السوق الداخلية، الامر الذي أمن اسواقا للتصريف استفاد منها القطاع الخاص السوري. كذلك استفاد القطاع الخاص من المجال الذي أفسح له للاستثمار في القطاع السياحي عبر المشاركة مع الدولة في مؤسسات مشتركة تمتلك فيها هذه الاخيرة حصة محدودة، وذلك بموجب القانون رقم (56) لعام 1977، والقانون رقم (41) لعام 1978. وقد استمر قطاع البنى التحتية باستقطاب جزء مهم من الاستثمار العام. وقد انطبع الاقتصاد السوري منذ 1960 بطابع اعطاء الافضلية للبنى التحتية. وبين عام 1970 وعام 1976، كانت شبكات الطرقات قد زادت بنسبة 25$ والسكك الحديدية بنسبة الثلث وطاقة المرافئ بنسبة 20$. ومع الشروع باستخدام سد الفرات ابتداء من عام 1973، كان انتاج الطاقة الكهربائية قد تضاعف حتى عام 1977. لكن هذا الانتاج بقي في حينه مقصرا عن الاستجابة للحاجات المتزايدة، ولم يعد قادرا في نهاية العقد على تأمين اكثر من 60$ من هذه الحاجات. إلا انه وبمقدار ما كانت حقبة السبعينات حقبة نمو كبير للاستثمار في القطاعات الانتاجية، فإنها كانت ايضا حقبة نمو للتوظيفات في قطاع البناء وتوسع لقطاعات الخدمات. وسوف تنمو بعد عام 1973 حصة البناء والتجارة والادارة الحكومية بسرعة كبيرة. والبعض يعتبر ان نمو السبعينات كان عائدا في جزء كبير منه لأداء قطاعي البناء والخدمات، الذي فاق مثيله في القطاعات المنتجة للسلع. وقد فاق الاستثمار في قطع البناء مثيله في قطاع الزراعة بثلاثة أضعاف. وكان قطاع بناء المساكن هو الاكثر ديناميكية خلال الحقبة، وأتى مباشرة بعد الصناعة من حيث حجم الاستثمار العام والخاص فيه. كذلك نما استهلاك القطاع العام بين عامي 1970 و1976 بنسبة 15$ في السنة، مقابل نمو للاستهلاك الخاص بمعدل 10$ ونمو للاستهلاك الاجمالي بمعدل 5،11$ خلال الحقبة ذاتها اي ان هذه الاخيرة شهدت توسعا اكبر من المتوقع للنشاطات التجارية والمالية والحكومية. وقد بلغ معدل التضخم السنوي لحقبة 1970 1976، 8،18$ وفقا للبنك الدولي، وارتفع الى مستوى 30$ خلال فترة 1979 1982، كما سبقت الاشارة، علما انه لم يتجاوز ال 8،1$ خلال الستينات. الثمانينات أما عقد الثمانينات، فيعتبره المراقبون عقدا ضائعا بالنسبة للتنمية في سوريا. وسيشهد الناتج الداخلي للفرد تراجعا بين عامي 1980 و1990 بمعدل 20$. وسيلعب تراجع المداخيل المحولة من الخارج دوره في خلق ازمة عملات صعبة خلال العقد، كما انه سيكون العنصر المحدد لمستوى النشاط الاقتصادي خلاله. وسوف يترتب على ذلك تراجع لمستوى الانفاق العام وتشدد من قبل الدولة في تعاطيها مع نشاط القطاع الخاص خلال السنوات الاولى من العقد. وابتداء من عام 1981، ستعمد الدولة للحد من الاستيراد ولاعتماد موازنة تقشفية. كما ان المصرف التجاري السوري سيخفف ابتداء من عام 1982 التسهيلات الممنوحة للمستوردين بالعملات الصعبة. وابتداء من عام 1984 ستتعمق ازمة العملات الصعبة في البلاد، الامر الذي سيجعل المصرف التجاري السوري يتوقف عن فتح اعتمادات للمستوردين. مراحل »الانفتاح الثاني« وفي حين سيتوقف المصرف التجاري السوري عن فتح اعتمادات للمستوردين عام 1984، فإنه سيسمح للقطاع الخاص بالاحتفاظ بجزء من ايراداته بالعملات الصعبة واستخدامها لشراء مستورداته. وسيكون ذلك أول الغيث من سلسلة اجراءات لتحرير الاقتصاد سوف تتوالى حتى عام 1991، ضمن مراحل اربع، مشكلة ما يُسمى بتجربة »الانفتاح الثاني« في الاقتصاد السوري. وستتضمن تدابير: 1) لتوسيع نشاط القطاع الخاص؛ 2) لتحرير التجارة الخارجية؛ 3) لتصحيح سعر الصرف؛ 4) لتشجيع التصدير؛ 5) لتحرير الاسعار؛ 6) لتخفيض الدعم. وبمقدار ما سوف تتخلى الدولة خلال الفترة المذكورة عن نشاطات كانت تقوم بها لصالح القطاع الخاص، بمقدار ما سوف تستمر بالعمل على تطوير مصادر خارجية للعملات الصعبة، عبر تطوير انتاج البترول بالاشتراك مع شركات اجنبية اوروبية واميركية. وستمتد أول مرحلة من الانفتاح حتى عام 1987 1988، وتتضمن 1) السماح للقطاع الخاص باستيراد السلع التي يحتاجها لنشاطه؛ 2) اصدار القانون رقم (10) الذي يبيح انشاء مؤسسات مشتركة بين القطاع الخاص والقطاع العام في القطاع الزراعي، اي فتح المجال امام القطاع الخاص للاستثمار في الزراعة على شاكلة ما تحقق في مجال السياحة خلال السبعينات؛ 3) اصدار القانون رقم (24) حول التداول بالعملات الاجنبية، كإجراء زجري امام تفاقم المضاربة ضد العملة السورية وما نتج عنها من ضغوط جعلت سعر صرفها يتراجع من 10 ل.س. الى 18 ل.س. مقابل كل دولار، خلال عام 1985. الزراعية على وجه الخصوص، لم تعد تغطي اكلاف الانتاج. وسيتناول التغيير اسعار الكهرباء والماء والتلفون واسعار السلع الصناعية والزراعية. كما ستخفض كميات السلع التي تشملها اجراءات دعم الاستهلاك المطبقة. أما الحقبة الرابعة، فستبدأ بعد ثلاثة اعوام، مع اصدار قانون الاستثمار رقم (1) لعام 1991. وسيدخل هذا الاخير تغييرا نوعيا على اوضاع الاستثمار في سوريا، من خلال فتحه المجال أمام الاستثمارات الخاصة للمشاركة في المشاريع الخاصة والمشتركة في كل ميادين الاقتصاد السوري. وسيسبق اصدار هذا القانون، اقرار قانون يخفض ضريبة الدخل على الشريحة العليا منه، من 92$ الى 60$. كما سيترافق اصداره مع اقرار قانون آخر يخفض الضريبة على ارباح الشركات. حقبة 19911988 وسوف تشهد نهاية العقد، وبالتحديد حقبة 19911988، تحسنا كبيرا في الوضع الاقتصادي عبر عنه الفائض الذي سجله ميزان المدفوعات خلالها. ويمكن ارجاع هذا التحسن الى: 1) الشروع بتصدير الانتاج الجديد من البترول ابتداء من عام 1988 الذي سيوفر للدولة مداخيل مهمة، علما ان سوريا كانت قد تحولت الى بلد مستورد للنفط ابتداء من عام 1983؛ 2) تزايد صادرات القطاع الخاص الذي سيستفيد من فتح اسواق الاتحاد السوفياتي وأوروبا الشرقية بشكل عام امام منتجاته، والذي عززته اتفاقية المدفوعات التي وقعت بين سوريا والاتحاد السوفياتي. وبين عام 1978 وعام 1992، سترتفع حصة القطاع الخاص من الصادرات السورية غير البترولية من الربع الى الثلثين. كما سوف يتجاوز حجم الرساميل الخاصة المستثمرة عام 1990 حجم الرساميل العامة، وذلك للمرة الأولى منذ عام 1963. وبنهاية عام 1990 ستكون حصة القطاع الخاص في مختلف النشاطات قد باتت، تبعا لغرفة تجارة دمشق، على النحو التالي: 98$ في الزراعة، 72$ في النقل، 62$ في التجارة، 59$ في القطاع المالي، 50$ في البناء، 37$ في الصناعات التحويلية. أما حصته في القوى العاملة فستبلغ 75$ من المجموع عام1991. وبالتالي فإنه يمكن اعتبار ان تجربة الانفتاح الثاني بمراحلها الأربعة قد أدت لتخفيض وجود الدولة في الاقتصاد، ان في الانتاج او في التجارة الخارجية لصالح القطاع الخاص، كما أدت لتخفيض درجة تدخلها فيه. كذلك تبين ان هذه الاجراءات التي بدأ الأخذ بها حين كانت الظروف صعبة، قد تم دفعها الى الأمام لا النكوص عنها حين تحسنت الاوضاع. وقد اتيح للدولة من جهة أخرى، ان تستمر على امتداد الفترة كلها بمتابعة الجهد المبذول لتطوير البنى التحتية، الأمر الذي اتاح زيادة شبكة الطرقات بنسبة الثلثين خلال فترة 19861979، وزيادة السكك الحديدية بنسبة السبع خلال الفترة ذاتها. بداية حقبة التسعينيات أما حقبة التسعينيات فسوف تشهد بدايتها تطورا سلبيا لجهة تراجع دور احد مصادر التدفقات المالية الخارجية. فقد اقفلت اسواق أوروبا الشرقية امام الصادرات السورية ابتداء من عام 1992. وقد بلغت حصتها خلال السنة المذكورة 6$ من مجموع الصادرات السورية. في حين انها كانت تستوعب 42$ منها عام 1990، بقيمة 2،2 مليار دولار. القطاع الصناعي أما الصناعة فقد باتت في منتصف التسعينيات موزعة بين خمسة أنشطة رئيسية. وقد جاء قطاع الغزل والنسيج والحلج والجلود في المرتبة الأولى من حيث اسهامه في القيمة المضافة للقطاع، عام 1994. وهو يعتبر الأهم بين الأنشطة الصناعية من حيث عدد وحداته و العاملين فيه. كما يعتبر الأهم بين القطاعات النسيجية في دول الاسكوا، ويمثل 45$ من القيمة المضافة للصناعة النسيجية في المنطقة كلها. ويأتي بعده قطاع الصناعات الغذائية والمشروبات والتبغ. ويؤمن هو الآخر ثلث القيمة المضافة للصناعات الغذائية في منطقة الاسكوا. ثم يأتي قطاع الصناعات الكيماوية (أسمدة ومنظفات وأدوية وبلاستيك...) وتكرير النفط في المرتبة الثالثة، ويمثل 21$ من القيمة المضافة في الصناعات التحويلية. ويأتي قطاع الصناعات المعدنية المصنّعة (محركات كهربائية، برادات، تلفزيونات،...) في المرتبة الرابعة من حيث حصته في القيمة المضافة. ويتبعه أخيرا قطاع المنتجات غير المعدنية (اسمنت، زجاج، خزف جص...). القطاع الصناعي الخاص وقد ارتفعت استثمارات القطاع الخاص في الصناعة بمعدل 3 مرات بين عامي 1991 و1995. وارتفع عدد المنشآت الصناعية الخاصة من 31 الف وحدة الى 36 الف وحدة بين عامي 1990 و1995. وبات العاملون في القطاع الصناعي الخاص يشكلون 4/3 اليد العاملة الصناعية البالغين 1،1 مليون شخص يعملون في القطاع الخاص والمشترك ويؤمنون 72$ من الناتج الصناعي. وقد بات اسهام القطاع الخاص في القيمة المضافة لقطاع الصناعي موزعا على النحو التالي: 65$ منها في قطاع الغزل والنسيج والحلج والجلود، و74$ منها في الصناعات المعدنية المصنّعة او الهندسية، و61$ منها في قطاع المنتجات غير المعدنية، و35$ منها في الصناعات الغذائية والمشروبات والتبغ و16$ منها في الصناعات الكيماوية ومنتجاتها وتكرير النفط. وقد استأثرت الصناعات النسيجية ب46$ من المنشآت التي أضيفت خلال الحقبة، وتلتها من حيث الأهمية، الصناعات الهندسية ثم الكيميائية ثم الغذائية. هذا علما بأن هذه المنشآت كانت صغيرة وذات مستوى تكنولوجي منخفض، حيث تراوح وسطي عدد العاملين بالمنشأة بين 3 و5 عمال. القطاع الصناعي الحكومي أما بالنسبة للقطاع الصناعي الحكومي، فإن الدولة لم تنفك تعلن تمسكها به، ولو ان حقبة 19951990 شهدت تراجع حصة الصناعات التحويلية في الاستثمار الحكومي بسبب اعطاء الأولوية لتمويل نشاطات أخرى. وقد تابعت الحكومة انشاء المشاريع الصناعية الممولة بقروض عربية وأجنبية. ومن بين هذه المشاريع، الشروع عام 1997 ببناء اكبر مصنع في الشرق الاوسط عهد بتنفيذه للصين. كما ان الحكومة اظهرت ارادة تنظيمه بطرق جديدة بغية تفعيل دوره. وتجسد ذلك بالمرسوم الاشتراعي رقم 20 لعام 1994 الذي نص على اعطاء مزايا وتسهيلات وصلاحيات اوسع لادارات القطاع العام، واضفاء الطابع التجاري على تعاملها مع الغير. علما بان التعليمات التنظيمية العائدة له لم تعمم برغم مرور سنوات عدة على صدوره. وقد جاءت حصة القطاع العام في القيمة المضافة لمختلف النشاطات الصناعية عام 1994، على النحو التالي: 82$ منها في الصناعات المعدنية الاساسية و81$ منها في الصناعة الكيماوية ومنتجاتها وتكرير البترول و77$ منها في المواد الغذائية والمشروبات والتبغ و51$ منها في الغزل والنسيج والحلج والجلود. كما بلغت حصة القطاع العام 56$ من مجموع القيمة المضافة في الصناعات التحويلية. النمو خلال النصف الثاني من التسعينيات لكن النصف الثاني من التسعينيات سيشهد تراجعا لمعدل النمو الاقتصادي في سوريا. وهناك توافق على اعتبار هذه الحقبة، حقبة »ركود وانكماش«. وقد اشارت بعض التقديرات الى تراجع معدل النمو في سوريا من 5،6$ عام 1995 الى 2،2$ عام 1996 و5،0$ عام 1997 و-5،1$ عام 1998. في حين اظهرت ارقام المجموعة الاحصائية السورية لعام 1998 ان معدل نمو الناتج المحلي بلغ عام 1997، 8،1$ بالاسعار الثابتة. وعزي هذا التراجع الى: 1) انخفاض مستوى الاستثمارات؛ 2) انخفاض انتاج القطاعين العام والخاص؛ 3) انخفاض الصادرات. إجراءات الإصلاح المقترحة ومع مجيء الحكومة السورية الجديدة في اوائل نيسان 2000، كان ثمة ورشة تعديلات على القوانين والانظمة القائمة المتعلقة بالاستثمار والتجارة الخارجية والقطع والضرائب والقطاع المالي ونشاط القطاع العام والتسعير، قد باتت قائمة. وهي تتناول: تعديل قانون الاستثمار رقم 10 لعام 91 باتجاه منح اعفاءات وتسهيلات اضافية للمشروعات التي تقام في الارياف، وإحداث هيئة عليا للاستثمار لدراسة ومتابعة المشروعات الاستثمارية، تعديل الرسوم الجمركية على المواد الاولية المستوردة باتجاه خفضها، الغاء الضرائب والرسوم على الصادرات كالتفاح والحمضيات، علما انه كان قد صدر في تموز 1999 قانون اعفيت بموجبه صادرات القطن والغزول من رسم التصدير والانتاج، توحيد اسعار صرف العملات الاجنبية، الغاء قانون القطع رقم 24 لعام 1986، إحداث سوق للاوراق المالية، اعادة النظر بقانون ضريبة الدخل لجهة خفضها على نحو اضافي، اصدار التعليمات التنظيمية للمرسوم رقم 20 الصادر عام 1994، اعادة تحديد الشرائح المستفيدة من الدعم للسلع الاستهلاكية، تعديل قانون التموين والتسعير رقم 123 لعام 1960، تعديل قانون الغش والتدليس رقم 158 لعام 1960، تعديل قانون التجارة السوري لعام 1949، حصر التسعير بجهة واحدة، اعتماد آلية تتيح ادخال مرونة اكبر على حركة الاسعار، تطوير جهاز الرقابة التموينية. وقد صدرت بتاريخ 22 نيسان 2000 ثلاثة مراسيم اشتراعية، اهمها المرسوم الاشتراعي رقم 6، الذي حل محل القانون رقم 24 لعام 1986، وجعل حيازة العملات الاجنبية امرا لا يعاقب عليه القانون، بعد ان كانت حيازتها غير قانونية. لقد صنف المراقبون تجربة التحرير الاقتصادي التي عرفتها سوريا منذ »الانفتاح« الثاني على اساس انها تمثل مقاربة »تدريجية مراقبة« في مجال التحرير الاقتصادي. كما اعتبروا ان التحول القائم منذ سنوات يتجه بالاقتصاد السوري نحو نظام من الاقتصاد الحر، وانه يمثل سيرورة لم تعد معرضة للنكوص عنها. كما جرى تعريف الاقتصاد السوري بأنه اقتصاد انتقالي انطلاقا من الدور المحدود للسوق فيه، ومن اعتماده سابقا للتخطيط المركزي، ومن الاصلاحات التي يتوجب عليه اعتمادها والتي من شأنها تعزيز اقتصاد السوق فيه وتعزيز انفتاحه على الخارج. ومن هذا المنظار، اعتبر المراقبون ان الاصلاح الذي يجب ان يعتمده يشابه ذلك الذي اخذت به الاقتصادات ذات الطبيعة المشابهة، اي الدول الاشتراكية سابقا. * نعتذر لعدم نشر الهوامش لكثرتها.