انتهى »مهرجان بيروت الثاني للأفلام الوثائقية« مساء الأحد الماضي، في الثالث من كانون الأول الجاري. بات يُمكن قراءة هذه الدورة الثانية لمهرجان انطلق، العام الفائت، من مبادرة فردية وطموحة، سعى صاحبها، محمد هاشم، الى تطويرها، حرصا منه على موقع الفيلم الوثائقي في المشهد السينمائي، كما على أهميته الجمالية والفنية والثقافية. بات يُمكن أيضا مناقشة بعض الأفلام التي شاركت في »المسابقة الرسمية«. على الرغم من أن كاتب هذه السطور شارك في لجنة التحكيم، التي تألّفت أيضا من المُصوّر السينمائي جوزف شمالي والمونتيرة هلا أبي صعب والزميلة ريما المسمار (جريدة »المستقبل«)، إلا أن هذه المتابعة النقدية لا تعكس آراء أعضاء اللجنة، ولا فحوى مناقشاتهم التي أفضت الى إعلان الجوائز. يستحق »مهرجان بيروت الثاني للأفلام الوثائقية« اهتماما إعلاميا وجماهيريا ونقديا، أكبر مما حصل. ضغط الوقت الذي عاناه محمد هاشم، أفضى الى إقامته سريعا، أي من دون تحضيرات كافية، فكادت الدورة الثانية تمرّ مرور الكرام، في لحظة لبنانية (عربية) تلحّ على المعنيين بالهمّ السينمائي مزيدا من البحث الجدي في سبل تفعيل النتاج البصري المحلي، وآلية انتاجه. أضف الى ذلك، أن أعمالا وثائقية أجنبية، أثارت جدلا نقديا في الأوساط المعنية، عُرضت على جمهور لبناني قليل العدد، في حين أن غالبية الأفلام الطالبية، ومنها ما شارك في المسابقة الرسمية، لم يستوف شروطه الموضوعية المطلوبة، من دون تناسي ما حمله بعض الأعمال من بذور احترافية ما، ومن جرأة في اختيار المواضيع. هنا، لا يتحمّل محمد هاشم مسؤولية تردّي مستوى أفلام لبنانية، أو غياب جامعات محلية عن المشاركة في المهرجان. غير أن التسرّع في إقامة الدورة الثانية (29/11 3/12)، أفقد المهرجان كثيرا من مقوّمات حضوره وتأثيره في المشهد السينمائي. حفلة الختام أُقيمت مساء الأحد الفائت في قاعة »اروين هول«، في »الجامعة اللبنانية الأميركية«، التي استضافت أيام المهرجان لم تخل من أخطاء كان يُمكن تفاديها: قلّة الضيوف، التي شكّلت أيضا جزءا من غياب المُشاهدين، طوال أيام المهرجان؛ ارتباك في تنظيم كيفية تسليم الجوائز؛ عدم التنبّه الى أن ثمة جوائز يُفترض أن تُسلّم لأصحابها، وليس لمخرجي الأعمال الفائزة (أفضل تصوير وأفضل مونتاج). غالب الظن أن لجنة التحكيم تتحمّل هذه المسؤولية، مع أنها تعاطت مع الأفلام بعيدا عن أسماء العاملين فيها. أضف الى ذلك، عدم التنبّه الى ضرورة أن يُلقي كل فائز بإحدى الجوائز كلمة ما؛ في حين أن آلين قيومجيان، التي نالت جائزة أفضل فيلم وثائقي عن فيلمها »أسود وأبيض«، اعتلت المنبر، وألقت كلمة شكرت فيها جامعتها (البلمند) والقيّمين على المهرجان، وتمنّت إطلاق سراح كل الأسرى اللبنانيين المعتقلين »في السجون الاسرائيلية والسورية«، مستشهدة بفيلمها الجيّد، الذي اختارت فيه أربعة مقاتلين ميليشياويين، رووا بعضا من تلك الذاكرة اللبنانية المثقلة بالجراح والقلق والآلام. مواضيع جريئة، ولكن.. غالب الظن أن »مهرجان بيروت الوثائقي« احتاج الى حملة إعلامية إعلانية متكاملة، ترفد أيامه خلال الدورتين، واحتفاله بالفيلم الوثائقي. مرّت الدورة الثانية سريعا. لم ينتبه كثيرون لها، فلم يتسنّ لهم مشاهدة بعض أفلامها، لبنانية كانت أم أجنبية. بعض الأعمال الأجنبية بدا مختلفا، شكلا ومضمونا، وأثار نقاشات بطرحه قضايا حسّاسة: »مكاشفة في سياتل« (عمل جماعي، الولايات المتحدة 2000، ستون دقيقة)، عن أعمال العنف التي قامت بها الشرطة الأميركية في سياتل، ومن يقف وراءها من سياسيين واقتصاديين وسلطات محلية، أثناء التظاهرات الشعبية المعادية للعولمة، مؤخرا؛ »القدس، وعد السماء« (طيف للإنتاج والتوزيع الفني، الأردن 2000، ستون دقيقة)، عن التاريخ والأرض والانسان في القدس، من خلال شهادات قدّمها بعض أبنائها، الى اختصاصيين ناقشوا واقعها على ضوء المعلومات والوثائق؛ »وُلدت امرأة سوداء« لفنسنت فرانكو ومايسا ماندوكا (البرازيل 2000، 44 دقيقة)، عن بنديتا دا سيلفا، أول امرأة سوداء تُنتخب عضوا في البرلمان البرازيلي؛ »أكراد طيّبون، أكراد سيئون« لكيفن ماكيرنان (الولايات المتحدة 2000، 79 دقيقة)، الذي كشف عن ازدواجية السياسة الأميركية المتناقضة في علاقتها بالأكراد: انهم طيبون حين يخدمون مصالحها في مواجهة النظام العراقي، لكنهم سيئون لأنهم على نزاع عنيف مع النظام التركي الحليف لها؛ »يوم في أيلول« لكيفن ماكدونالد (الولايات المتحدة 1999، تسعون دقيقة)، الفائز بجائزة »أوسكار« أفضل فيلم وثائقي لعام ألفين: الفلسطيني الوحيد الناجي من الموت إثر عملية ميونيخ الشهيرة (1972)، يروي تفاصيل ما حدث، حول مقتل أحد عشر رياضيا إسرائيليا على أيدي مجموعة فلسطينية... وغيرها من الأعمال؛ كما شاركت إيران بفيلمين: »كريستين« لمحمد جعفري (2000، خمسون دقيقة) و»وحيدة في طهران« لفيروز كالانتاري (2000، خمس وعشرون دقيقة). لم تخل أفلام طالبية من »بذور احترافية« ما. الأعمال الفائزة كشفت امكانيات جدّية لم تغب عن أفلام أخرى، وإن بدرجات مختلفة. تحتاج هذه الامكانيات الى مزيد من الخبرة و»الجرأة« في استكمال نصّها البصري، وفي اختراق العقبات وتخطّي، بل إلغاء الهفوات التقنية والفنية. مثلا، »الطائفة اليهودية في لبنان« لندين كردي (الجامعة اليسوعية)، الفائز بجائزة أفضل موضوع: حاولت كردي أن تعكس شيئا من واقع هذه الطائفة، محليا. اختارت بعض النماذج (منها شاب يُمكن أن يتحوّل الى مادة خصبة لفيلم مستقل، بسبب ما عبّر عنه بخصوص علاقته بطائفته كما بإسرائيل، بجرأة واضحة)، والتقطت صُوَرا لأمكنة يهودية مهجورة. »أرّخت« وجود الطائفة في لبنان بشكل سريع للغاية، من دون أن تُبرز حقائق تواجدها في النسيج الديني والاجتماعي والثقافي اللبناني العربي. في حين أن خمس عشرة دقيقة تكفي، ربما، لو تنبّهت المخرجة الى أهمية التكثيف. لكن مدة الفيلم لا تعني شيئا ازاء أهمية هذا الموضوع، الذي يستحق عملا أكثر حرفية واكتمالا. هناك أيضا »حمّامات طرابلس« لراي بركات (ألبا) الذي اكتفى بلمحات عابرة عن تاريخها وحضورها، و»ريان« لندى عيتاني وفاطمة بيضون (كلية الإعلام والتوثيق الفرع الأول، الجامعة اللبنانية)، عن ابنة الأعوام الخمسة المُصابة بمرض قاتل، و»بيروت« لمايا مكداشي ومحمد علي الخطيب (الجامعة اللبنانية الأميركية)، عن خمسة شبّان تتراوح أعمارهم بين الثامنة عشرة والعشرين، يعلنون معنى علاقاتهم الملتبسة بهذه المدينة، و»أكتر من غنية« لباسم كمال الدين (كلية الإعلام)، الذي اختار الأغنية السياسية في لبنان، وغيرها: مواضيع جدية، ترتبط بالمجتمع اللبناني وتشعّبات حضوره الانساني والثقافي والحياتي. لم يستطع المخرجون الشباب استكمال ما اختاروه، على المستوى البصري. أحيانا، سقط الفيلم في الحدّ الواهي بين الوثائقي والريبورتاج التلفزيوني: »لأني أحبّكم جميعا« لزياد معصراني وحسن رعد (كلية الإعلام) عن بعض جوانب حياة العلاّمة محمد حسين فضل الله، »الى ما وراء الواجب« لنديم خوري وزياد فغالي (الجامعة اللبنانية الأميركية)، عن مؤسسة الصليب الأحمر، »الطواحين« لحسام قرعوني (كلية الإعلام) عن الحرب الإعلامية بين المقاومة اللبنانية (حزب الله تحديدا) والاحتلال الاسرائيلي... أيا يكن، ظلّت أفلام كثيرين من هؤلاء الطلاب على مسافة من مواضيعها، على الرغم مما في هذه الأخيرة من سمات غنية قابلة لنقاش مختلف الأبعاد. الحرب اللبنانية لا شك في أن موضوع الحرب اللبنانية متشعّب ومعقّد. ثمة حاجة الى مزيد من الوعي الفردي والجماعي، حول مختلف التفاصيل. لم تكن حرب الآخرين على أرضنا، فقط، لأننا بكل بساطة شاركنا فيها، وأحيانا بحماس غريب، وبعنصرية لا تزال متأجّجة في النفوس، حتى اليوم، كمثل تلك الأحقاد الطائفية المتغلغلة في الذوات. اعتدنا إلقاء اللوم، دائما، على الآخرين، معتبرين أنفسنا غالبا أبرياء، أو منزّهين عن العيب. جيل كامل، وربما أكثر من جيل، من الشباب اللبناني يرفض التواصل فيما بينه، ولا يأبه لمنطق الحوار العقلاني والسليم. المتاريس مرتفعة، ولعل الأسلحة النارية جاهزة للاستعمال في أي وقت، بعد أن ازدادت وحشية الأسلحة الكلامية. آلين قيوميجان ابنة هذا الجيل الرافض للحرب، ربما، لكنه لا يريد نقاشا جديا ومعمّقا ومتحرّرا من الأحكام المسبقة. فيلمها »أسود وأبيض« حاول إيجاد حيّز ما لمثل هذا النقاش، فلماذا التبجّح، اذاً، بخطابية جوفاء، مفادها أن النزاعات بين اللبنانيين بسيطة، كما لو أن الحرب ليست من اختصاصنا؟ أهمية فيلم قيومجيان أنه جاء نتيجة رغبة ما في فهم خلفيات الحرب وأبعادها (أو ربما بعض هذه الخلفيات والأبعاد). مهما كانت النتيجة، علينا أن نستمر في نقاشات كهذه، وفي السعي الدائم الى السؤال والبحث عن المعنى، من دون تشنّج. لا يُمكن تحييد السلطة اللبنانية عن مسؤولية هذه الأزمة الخطرة. لم تستطع حكومات ما بعد الثالث عشر من تشرين الأول 1990 أن تُنجز مشروعا متكاملا، يسعى الى إزالة آثار الحرب، تمهيدا لبناء مجتمع مدني وعلماني وديمقراطي صحيح. لامبالاتها إزاء المشاكل المتراكمة، بحجة »عفى الله عما مضى« و»علينا أن ننسى الماضي ونتطلّع الى الغد«، ساهمت في اتّساع الشرخ اللبناني الداخلي. كيف يُمكن أن ننجح في بناء الغد، طالما أننا عاجزون عن الخروج من »أخطاء« الماضي؟ ربما بسبب مثل هذه المقولات الخطرة، يرفض طلاب جامعيون وشباب لبنانيون حوارا حقيقيا بينهم. لا يريد بعض دارسي السينما اختيار الحرب مادة لأفلامهم: »شبعنا من الحرب«، »لا لصُوَر الحرب البشعة«، »خلص، انتهينا من الحرب«... أقاويل يكرّرها هؤلاء، كانعكاس لمنطق سلطة لبنانية يرفضها الطلاب أنفسهم. يصرّون على أن الحرب انتهت، مع أن تصرّفاتهم الجماعية تشي باستمراريتها. كثيرون من اللبنانيين انفضوا عن أعمال سينمائية لبنانية، روائية طويلة، عُرضت في الصالات المحلية، كونها تعالج بعضا من أزماتنا المستفحلة بسبب الحرب اللبنانية غالبا، أو ربما بسبب تداعياتها: »أشباح بيروت« لغسان سلهب و»طيف المدينة« لجان شمعون، مع أنهم مستعدّون للتسلية مع »أس أل فيلم« لشادي حنا. يجدون في مثل هذه الأعمال صُوَرا لأحقادهم ورجعيتهم وعنصريتهم. لهذا، يريدون التسلية مع نتاجات مسرحية وتلفزيونية وسينمائية وإذاعية وغنائية. علينا أن نُمعن في تشريح الحرب، بمختلف وجوهها. أن نسأل ونبحث ونناقش، كجيل لبناني من الشباب المتحمّس للعمل الوطني، ثقافيا واجتماعيا وسياسيا، كي نكتشف حقائق ما، لعلّنا نتعلّم. هنا، يُمكن إيراد فيلم »دكانة الشيخ علي« لأيمن زغيب (كلية الإعلام): حاول المخرج إعادة طرح سؤال الحرب، عبر ثلاث شخصيات شبابية اختلفت توجّهاتها والأفكار. بدا الفيلم متصنّعا بعض الشيء، لكن الأهم يبقى في ضرورة البحث، في هذا السؤال، عن أجوبة ما. لا يعني هذا الكلام رغبة في حصر السينما اللبنانية بالحرب، أو فرض موضوع الحرب اللبنانية على جميع السينمائيين والفنانين، واللبنانيين. فالسينما أوسع من ذلك بكثير، وما يوازن أهمية المادة المختارة، يكمن في كيفية معالجتها، دراميا وجماليا وبصريا. لكن، لا يُمكن التعاطي مع موضوع الحرب باستسهال أو لامبالاة، داخل السينما والثقافة، أو خارجهما. في المقابل، برز اهتمام طالبي بالموضوع الفلسطيني: نسرين حسن (معهد الفنون الجميلة الفرع الأول، الجامعة اللبنانية) أنجزت »يا أحبابي الموتى«، عن مقبرة شهداء مجزرة صبرا وشاتيلا في أيلول 1982؛ مايا بوعياش ولينا عيتاني (الجامعة اللبنانية الأميركية) اختارتا مخيم برج البراجنة في »عايشين«، كمحاولة لمعاينة اليومي ؛ نديم قطيش نال شهادة تقدير عن »جميع الحقوق محفوظة«: مخيم الرشيدية والمعاناة القاسية التي يعيشها في ظل حصار السلطة اللبنانية. لعل شريط قطيش يبقى الأفضل، كونه خاض تجربة البحث عن معنى الحياة الفلسطينية في مخيم الخوف والقلق والموت. لا تختلف بقية المخيمات الفلسطينية في كل هذه التفاصيل. من الأفلام الفائزة أيضا، »الأبجدية اللبنانية« لزياد ناصيف الذي نال جائزتي أفضل مونتاج ولجنة التحكيم: محاولة بصرية جادة للبحث في هذه الأبجدية، من دون إغفال الجانب التقني المتميّز في سرد الوقائع. أهمية الفيلم تكمن في موضوعه الجريء، بكل ما يحتمله من حساسيات قومية ووطنية وطائفية ودينية، كما في أسلوب معالجته. لعله احتاج الى تضمين الرأي الآخر، كي يصبح أشمل. أما »كسارة، نبيذ من لبنان« لتوفيق طبّال، ففاز بجائزة أفضل تصوير، مع أنه أقرب الى الشريط الاعلاني الصرف، منه الى النتاج الوثائقي. لكنه امتلك لغة تقنية جيدة، خصوصا لجهة التصوير والتوليف والإضاءة.