As Safir Logo
المصدر:

»أنا لست قاتلاً محترفاً« كارلوس من كاراكاس الى قصر العدل الباريسي

المؤلف: نجار زياد التاريخ: 2000-12-07 رقم العدد:8776

»حوّل المناضل الاممي كارلوس أمس جلسة استماع قضائية في قصر العدل في باريس امام قضاة من المانيا، الى جلسة في تاريخ الصراع العربي الاسرائيلي منذ انشاء دولة اسرائيل«(1). هكذا قدمت »السفير« خبر مثول كارلوس امام القضاء بصفة شاهد في اطار محاكمة هانس يواكيم كلاين المناضل في الخلايا الثورية الالمانية ورفيقه السابق في السلاح. من الواضح اذاً ان ايليتش راميرز سانشيز الاسم الاصلي الكامل لكارلوس لم ينس الشعب العربي وقضيته التاريخية إلا ان قليلين على ما يبدو ما زالوا يذكرون ذاك الفتى الذي اتى من فنزويلا الى منطقتنا ليرسم فصولا بارزة من تاريخ الصراع العربي الاسرائيلي. ولد هذا الفتى في كاراكاس في الثاني عشر من تشرين الاول 1949 من والدة كاثوليكية جميلة وشديدة الايمان تماماً كوالده الماركسي، الذي دفعه إيمانه المطلق بعقيدته الى اطلاق الاسماء الثلاثة لابو الثورة الروسية على اولاده، فحمل احدهم اسم فلاديمير والآخر اسم لينين اما كارلوس فكان نصيبه اسم ايليتش، بالنسبة لعقيدة الأب يحتل فلاديمير ايليتش اوليانوف المعروف بلينين مكان المسيح في عقيدة الأم. كان والد كارلوس شديد الاعجاب بلينين حتى انه كان يردد بأن التاريخ يجب ان يقسم نسبة الى تاريخ ميلاده، لم يمنح الأب العارم ابنه مجرد اسم بل وهبه مبادئه المثالية وتقديسه للحق، فلقي كارلوس تشجيعاً على الالتزام من والده الذي طالما علق عليه الآمال ليكون خير مجسد للقيم الماركسية التي حرص على تلقينها لجميع اولاده. بالفعل لم تخب آمال الاب اذ يقول ايليتش إن »الماركسية كانت لوقت طويل ديانتي وليس الكاثوليكية والحقيقة ان لذلك اسبابا وراثية«(2). ساهم الفتى منذ صباه في العديد من النشاطات اليسارية من خلال منظمات مختلفة في دول مختلفة، ففور وصوله الى لندن التي قصدها مع والدته لمتابعة دراسته التقى بمجموعة من الناشطين الشباب الذين سعوا لاقامة منظمة طلابية شيوعية عالمية التوجه إلا انه سرعان ما تخلى عن العمل مع المجموعة لينتقل الى مهمة اكثر سرية بعدما شعر بأن الشرطة كانت تلاحقهم ليلاً نهاراً. الدور الجديد اوكل إليه من قبل ممثلي حركة التحرير الوطني فقد طلبت منه المنظمة، التي شكلت عصب الكفاح المسلح في فنزويلا خلال الستينات والسبعينات، ان يتولى تنظيم الطلاب الشيوعيين الفنزوليين في شرقي اوروبا. لكن كارلوس اضطر هذه المرة ايضا الى التخلي عن دوره نزولا عند رغبة والده الذي اراد له ان يتابع دروسه في جامعة السوربون. إلا ان احداث العام 1968 في باريس دفعت الأب الى التخلي عن فكرته، فقد غلبت هذه المرة عاطفة الابوة على المبادئ الثورية وقرر الأب تجنيب ابنه مخاطر التورط في الاشتباكات بين الشرطة وبين الطلاب، او انه ادرك في داخله ان القدر يحفظ لابنه دورا اكثر تأثيرا في مكان وزمان آخرين. البديل كان توجه الشاب إلى جامعة باتريس لومومبا وفي موسكو ولم يطل الامر قبل ان تنتهي هذه المرحلة الجديدة فقد ساءت علاقة ايليتش المفتون بتشي غيفارا في تلك الايام بالسلطة السوفياتية، اذ اختار الشاب ان يدعم الفصيل الغيفاري المنشق عن الحزب الشيوعي الفنزويلي الذي قاده المسؤول العسكري الشاب دوغلاس برافو، على هذا الاساس سحبت منحته الدراسية وان كانت الحجة الرسمية: الفشل الاكاديمي. مغامرة موسكو شكلت المقدمة لمستقبل الشاب الجديد فهناك تعرف الى بعض الشبان الفلسطينيين وجذبته القضية الفلسطينية بعد ان عايش نكبة العام 1967 وشهد أثرها في الوطن العربي. اعجب ايليتش بأسلوب العمليات »الارهابية« كرد مناسب، ودفعته حماسته للتوجه الى بيروت حيث انخرط في الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين وخضع لتدريب في مخيمات لبنان والاردن. في البداية كان انضمام المناضلين غير العرب الى الكفاح المسلح الفلسطيني مرتبطا بالمسائلة الاعلامية اولا، فقد شكل وجود مناضلين من جنسيات اوروبية وآسيوية واميركية دعما معنويا للثورة الفلسطينية التي راحت تتخذ بعداً اممياً. إلا ان وجود مناضلين كايليتش الذي صار يعرف بكارلوس تحت امرة وديع حداد، حول دور اولئك الى دور عسكري فعال واساسي. وحداد الذي يتشارك مع كارلوس بالانتماء الى خلفية بورجوازية ثرية، كرّس حياته لمحاربة اسرائيل، فكان بمثابة الأب الحاضن والمدرب لعدد من اشهر الثوريين »الارهابيين« في العالم ككوزو اوكاموتو ورفاقه والعديد من مناضلي الجيش الاحمر، ليلى خالد، اندرياس بادر وارليك ماينهوف. إلا ان كارلوس كان التلميذ النجم الذي فاق استاذه شهرة. حقق كارلوس تحت امرة وديع حداد العديد من العمليات لحساب الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين وكان اشهرها »غارة اوبك« حيث اقدم مع مجموعة صغيرة على خطف واحتجاز سبعين رهينة بينهم وزراء نفط الدول الممثلة في مقر منظمة الدول المصدرة للنفط »اوبك« في فيينا ومن ثم نقلهم الى الجزائر قبل ان يطلق سراحهم بعد مفاوضات مديدة. عملية كارلوس الاولى كانت محاولة اغتيال الثري الصهيوني جوزيف ادوارد سيف في لندن في 30 كانون الاول 1973، لكن سيطه ذاع بعدما اردى اثنين من الضباط الفرنسيين التابعين للاستخبارات المضادة DST اثناء محاولة ايقافه في شقة في شارع تولييه في باريس. حولت الدعاية الغربية كارلوس الى وحش ارهابي تماما كمعظم الثوريين الذين حاولوا تحدي الامبراطوريات الغربية، هكذا عرفت منظمة التحرير الفلسطينية والجيش الجمهوري الايرلندي والخلايا الثورية الالمانية ومنظمة بادر ماينهوف والالوية الحمراء الايطالية والجيش الاحمر الياباني، جميعها عرفت بالمنظمات الارهابية او الاجرامية وغاب تماما عن بال الاعلام الغربي التوجه ان لهؤلاء مطالب محقة وملحة قرروا ان يدفعوا ثمنها حياتهم في كثير من الاحيان وراحتهم في جميع الاحيان. ومن اجل تشويه صورة كارلوس كان لا بد من التركيز على ميله الشديد للتأنق واهتمامه بمظهره الترف وولعه بمطاردة النساء في محاولة لنزع خلفيته الايديولوجية عنه. صورة المغرور عديم الاخلاص لا تتناسب مع ثقافة كارلوس المتابع لمختلف وجهات النظر ومهاراته اللغوية التي ساهمت بشكل اساسي في نجاحاته. الحقيقة ان علاقاته الانثوية ارتكزت على اكثر من الشغف فقد كانت النساء اللواتي دخلن حياته بمجملهن من خلفية نضالية متقاربة وقد شارك العديد منهن بشكل او بآخر في عملياته العسكرية ومنهن زوجته ماغدلينا كوب التي وقعت مع المناضل السويسري برونو بروغي في الأسر في العام 1982. لم تكن عادة كارلوس التخلي عن رفاقه لذلك نظم سلسلة تفجيرات هزت فرنسا في محاولة لاطلاق سراح رفيقيه وكان قد رفض مغادرة مقر اوبك اثناء عمليته الشهيرة قبل ان يعالج احد افراد المجموعة ويُعاد لكي يغادر برفقه زملائه. يشاع ولعل ذلك صحيح ان كارلوس قد اصيب بالغرور اثر عملية اوبك ولذلك اضطر وديع حداد الى تسريحه فلجأ الى دول من الكتلة الشرقية فتنقل بين يوغوسلافيا ورومانيا والمجر والمانيا الشرقية قبل ان تسقط الكتلة الشيوعية مما اضطره الى العودة الى المشرق العربي. بعد سنوات قضاها في سوريا انتقل كارلوس الى السودان الذي سمح للمخابرات الفرنسية باعتقاله في العام 1996. حتى زوجته السابقة ماغدلينا كوب اقدمت على خيانته ومع ان كارلوس برر الامر لاحد محاميه بالقول انها كانت مجبرة على ذلك نظرا لظروفها الاقتصادية الصعبة بالاضافة الى حماية رأسها من الشرطة الالمانية، لاحقا. ولقاء مبلغ مالي محترم اعطت كوب التي شن كارلوس حربا في سبيلها مقابلة صحافية حيث قالت »لم يحارب كارلوس من اجل احد، فقط من اجل نفسه«. اضافت بمرارة »لم يحبني حقيقة قط«(3). بالرغم من تخلي الكثيرين عن »الارهابي« فإنه لا يقف وحيدا تماما اليوم فالى جانبه يقف عدد من المحامين الفرنسيين كفرنسوا جونز المتهم بالتعاطف مع النازية والضلوع في مساعدة الفلسطينيين في العديد من العمليات، وقد عبر جونو عن اسباب اعجابه بكارلوس الذي رمى بنفسه قلبا وروحا في النضال الفلسطيني وخاطر بحياته مرات عديدة. انه رجل شجاع لا شك في قناعاته العميقة التي لم يتوان عن المخاطرة بحياته في سبيلها«(4). هذه القناعات هي ملجأ كارلوس الاخير اليوم ففي كل مثول امام المحكمة يحرص كارلوس على العودة الى جذور الصراع العربي الاسرائيلي، يطل بأناقته المعهودة وبهدوء مطلق يأخذ على عاتقه المسؤولية الاولى في الدفاع عن نفسه، يتجنب الاجابات المباشرة والدقيقة وبذكاء يتلاعب بالمحققين والقضاة المسحورين بجاذبيته، ويذكر دوما بأن »عدونا هو عدو الانسانية، عدو الشعب الفرنسي والشعب الفلسطيني الامبريالية الاميركية وعميلتها الصهيونية«. المراجع (1) الاربعاء 29 تشرين الاول. (2) مقابلة مع الوطن العربي، نشرت في Le Figaro Magazine في 15/12/79. (3) مقابلة مع ماغدلينا كوب نشرت في مجلة »شتيرن« الالمانية 11/12/97. (4) مقابلة مع جونو نشرت في La Tribune de Geneve في 18/8/94. (5) اثناء محاكمته الاولى.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة