As Safir Logo
المصدر:

إسلام بركات.. البضان لمحاربة البضان

المؤلف: حريري رضا التاريخ: 2015-07-22 رقم العدد:13125

«ذهبت إلى الغرب فوجدت إسلام بلا بركات، ورجعت إلى مصر فوجدت بركات بلا إسلام». على هذا المستوى من السماجة يعمل الشاب المصري إسلام بركات في صياغة «بوستاته» على «فايسبوك». لا يفعل إسلام ذلك عن عبط أو غباء، بل عن وعيٍ. لا يصنف إسلام ما يقوم به على أنّه سماجة، بل يصنّفه على أنّه «بضان»، فهو يستعمل «البضان» لمحاربة «البضان». وهذه الكلمة لمن لا يعرف، هي كلمة ذات مدلول جنسي، وشائعة بالعامية المصرية، للتعبير عن رداءة أمر ما وبشاعته وربما للشعور بالقرف منه. لم تكن هذه دائماً حالة حساب إسلام على «فايسبوك». في وقتٍ سابق، كان «بروفايله» ممتلئ بـ «منشوراتٍ ثوريّة»: صورٌ من قلب المظاهرات في بدايات الثورات العربية، قصائد لأمل دنقل، تعليقات تهاجم الأنظمة ومن يمثّلها، وتحديداً النظام المصري أيام الرئيس المخلوع حسني مبارك. من الصعب تحديد وقتٍ دقيق للزمن الذي قرّر فيه إسلام الانتقال إلى السخرية كوسيلةٍ للتعبير، خاصةً أنّ الفترة السابقة، «الثورية»، لم تكن تخلو من منشوراتٍ ساخرة من وقتٍ لآخر، لكنّ الأكيد أنّ التحوّل الواضح والتام إلى التهكّم بدأ في النصف الثاني من العام 2013. كان قد مضى عام تقريباً على وصول «الإخوان المسلمين» إلى الحكم، قبل أن يُخلع الرئيس الإخواني محمد مرسي بانقلابٍ عسكري عاد من خلاله الجيش إلى الحكم. في الوقت نفسه كان الوضع في بقية الدول العربية يأخذ منحىً كارثياً أيضاً، لا سيّما في سوريا وليبيا. أما اليوم فيمتلئ حسابه بمنشورات تسخر من كلّ شيء، من النظام الحاكم في مصر، من «الإخوان المسلمين»، من الصحف والإعلاميّين، من شخصياتٍ عامة مشهورة، ومن أحداثٍ يوميةٍ عادية. يلجأ بركات إلى أساليب مختلفة للتهكّم، وإن كان السبب الرئيسي وراء شهرته هو علاقته «المميّزة» بالروائي يوسف زيدان، صاحب المنارة الفكرية على «فايسبوك»، حسب تعبير زيدان نفسه. منذ أشهر عدّة بدأ إسلام بإرسال أسئلته حول الوجود والسياسة والمجتمع لزيدان ونشر أجوبتها العميقة للجمهور على حسابه. يسأل إسلام: «أستاذنا الأعظم بدأت أستشعر الغربة وأحنّ دائماً للجلوس وحدي والابتعاد عن الناس قدر الإمكان، لكن وفي الوقت نفسه أتابع من يؤنسونني في وحدتي مثل حضرتك. هل هذه مقدّمة اكتئاب؟». ليأتيه الرد المختصر والبليغ في آن من «المنارة»: «الأحوال تتحوّل». ولم ينتبه «المنارة» إلّا بعد مدّة طويلة على أن إسلام كان يسخر منه طيلة الوقت. لم يتوقف إسلام عند زيدان، وعمل دائماً على السخرية من شخصياتٍ «متّفق» عليها: الروائي عزّ الدين شكري فشير، المفكّر الإسلامي محمد عمارة، الصحافي محمد حسنين هيكل، الكوميدي إبراهيم الجارحي. في المقابل عمل بركات على الترويج لشخصيات متّفقٍ على سخافتها، أو «على كونها بضان»، كالخليل كوميدي، المعروف بأنّه «أصل الضحكة في مصر»، أو المغني الشعبي عمر سليمان. الأهم من ذلك هو عمل بركات على تنويع تقنيّاته، وإدخاله للواقعية السحرية، التي أسّس لها خوان رولفو في روايته «بيدرو بارامو» وتلقّفها روائيو أميركا اللاتينية لاحقاً، وعلى رأسهم غابرييل غارسيا ماركيز، إلى قلب مواقع التواصل الاجتماعي: صورة لرجل يجلس على سخّان المياه في الحمام. رسالة نصيّة: «تعرّف على وسطيّة الإسلام من د. علي جمعة 3 أيام مجاناً. ابعث رسالة بـ30 قرشاً...». صورة من مدينة المنوفية لساحة زرع في وسطها يافطة كتب عليها: «ساحة إبداء الرأي»... تبدي إحدى الصديقات انزعاجها من سلوك إسلام وأصدقائه، تقول إنّهم «واخدين التريقة والسف ع الحجات البضان أسلوب حياة». لكن بعد كلّ ما حصل وما سيحصل هل بقي أمامنا شيء غير «التريقة والسف»؟ «أدركنا منذ زمن طويل أنه لم يعد بالإمكان قلب هذا العالم، ولا تغييره إلى الأفضل، ولا إيقاف جريانه البائس إلى الأمام، لم يكن ثمة سوى مقاومة وحيدة ممكنة: ألا نأخذه على محمل الجد»، على حد تعبير ميلان كونديرا!

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة