As Safir Logo
المصدر:

محمود شاهين: الأديب يسكنني إلى جانب النحّات

النحات محمود شاهين
المؤلف: عساف احمد التاريخ: 2015-07-01 رقم العدد:13108

تشكل تجربة الفنان السوري النحات محمود شاهين تلك البصمة وذاك الملمح الفني المتميز، حين عاد متأبطا دكتوراه في النحت والنُصب التذكارية من «المدرسة العليا للفنون التشكيلية» (درسدن الألمانية). كان قد أسس قبل ذلك بكثير لاسمه ولتجربته الخصبة. محمود شاهين ينحت بالصخر وجه ذاكرة أيامه على حجر الزمان، ينحت تعب الآخرين، وجوههم وأسى أيامهم. هو الذي يؤنسن قسوة الكتل الصلبة لبشر تكاد تنطق، بين كل هذا وذاك نجد ثمة الكثير مما يقال عن هذا المختلف والمنحاز لذاته الفنية والإنسانية أكثر وأكثر، استطاع شاهين أن يكون علامة فارقة في عالم النحت العربي والسوري ولمّا يزل. ] كان من الممكن أن تكون أديباً متميزاً، لكنك اخترت النحت... لماذا؟ ـ شدني الأدب إليه في مطلع حياتي بتأثير عوامل عدة منها: البيئة الطبيعيّة التي نشأت فيها (منطقة مصياف)، وجود أخ شاعر في البيت، إضافة لمكتبة تطفح بالكتب الأدبيّة. كتبت الخاطرة والمقالة (وأحياناً القصة القصيرة) ونشرتها في عدد من المجلات اللبنانيّة والسوريّة، خلال مرحلة الدراسة الإعداديّة والثانويّة، وفي نفس الوقت، كنت أمارس الفن التشكيلي، وإقامة المعارض في صالة المركز الثقافي العربي بمدينتي. في العام 1968 حصلت على الشهادة الثانويّة وانتسبت إلى كلية الفنون الجميلة بجامعة دمشق. بوجودي ضمن محترفات الكلية، أخذت كتاباتي تتلون بالاختصاص الجديد إلى أن انصبغت كلياً فيه. فأنا منذ العام 1970 وحتى تاريخه، أتنزه سعيداً مغتبطاً، بين التعبير بالحجوم (النحت بشقيه الحُجري والنصبي) وتعليمه للأجيال الجديدة (عملياً ونظرياً) وبين التعبير بالحروف، عما انداحت وتنداح عنه المحترفات التشكيليّة من إبداعات، ومن يتابع كتاباتي لا بد له من الاكتشاف أن (الأديب) ما زال يسكنني، جنباً إلى جنب مع (النحات). أما لماذا اخترت (فن النحت) من دون غيره، فلأن نزعة التعبير بالحجوم أثارت فضولي منذ كنت طفلاً، أمضي صباحات أيام الصيف الريفي الساحرة، بإشادة مجسمات من الطين وقرون نبات الدفلى، على الضفاف الصخريّة لسواقي كرومنا، في مسقط الرأس والروح (مصياف). ] الدين الإسلامي، إلى أي حدّ ساهم في تأخر وإقصاء فن النحت في العالم العربي؟ ـ ليس الدين الإسلامي من فعل ذلك، وإنما قصر نظر بعض القيمين عليه، حيث رفعوا راية تحريمه لأغراض تخدم مصالحهم الشخصيّة، وتتوافق وفكرهم السطحي الضيق. فالإسلام حرّم النحت في بداياته الأولى، كي ينسى الناس (الصنم). لكن بعد أن ترسخ الدين في وعي الناس، وتملك قلوبهم، انتهت هذه المرحلة (أو هكذا يجب أن يكون) غير أن الفكر الديني السلفي الجامد والقاصر والمغلق، يُصر على إبقاء الناس، خارج الزمن والحضارة والحياة. استعداد فطري ] إلى أي حد يتدخل العقل والوعي في العمل النحتي على حساب العاطفة؟ ـ لنتفق أولاً، على أن الفنان (على اختلاف اللغة التعبيريّة التي يشتغل عليها) لا بد له من أن يمتلك الموهبة أو الاستعداد الفطري ليتمكن من اجتراح الإبداع الفني الحقيقي، وهذا الاستعداد ينمو ويتطور وينضج، إما بفعل الاطلاع الذاتي، والممارسة العمليّة، فيبقى صاحبه في هذه الحالة فناناً فطرياً، أو ينتسب من يمتلك هذا الاستعداد إلى أكاديميّة فنيّة، تقوم بتزويده بعلوم الفن: النظريّة والعمليّة والتقانيّة التي راكمتها التجارب السابقة له، فيصبح عندها فناناً أكاديمياً، مع التأكيد على أن الأكاديميّة، من دون وجود الموهبة، لا تصنع فناناً، حتى لو أمضى عمره بين جدران محترفاتها التي عليها أيضاً، ألا تلغي الأحاسيس التلقائيّة والعفويّة في كيانه، أو تُعطبها، فهي ضروريّة للعمل الفني (كانت كذلك وستبقى) بل ازدادت أهميتها، وتأكدت ضرورتها، في عصرنا البارد المقرور والمنتهك بالتقدم المذهل للتكنولوجيا، وسطوتها على مرافق حياة الإنسان كافة، وانعكاسات بعض جوانبها السلبيّة على بدنه وروحه، ما يتوجـــب على الفن (والثقافة بشـــكل عام) إعادة هذه الحــياة إلى شيء من بريّتها المفقودة، وتنشيط ذاكرة الإنسان المخيالة، بهدف المساعدة على خلق أسباب جديدة ودائمة لديه للحياة وحب الحياة. ] الخشب حميمي وعاطفي ودافئ. الرخام راقٍ وشفاف. الصلصال هش. الجبس بارد. البرونز مخادع. البوليستر محتال. الحجر قاسٍ. أي هذه الخامات والمواد أقرب إليك؟ ـ اشتغلت على هذه المواد والخامات كافة، لكنني توقفت عند خامتي الخشب والحجر الطبيعيتين: في الأولى تشاركت والفنان الأكبر (الطبيعة) في إنجاز المنحوتة، والكشف عن قيمها التشكيليّة والتعبيريّة. وفي الخامة الثانية استنهضت الجماليات البصريّة للجسد الإنساني العاري (لا سيّما الأنثوي) لأنها قريبة من هذه الجماليات، وتتقاطع معها. فالحجر جاء من رحم الأرض التي تتشارك والمرأة في جملة من الوظائف والمهام. فمن الأرض ومن المرأة: تنبثق الحياة، وتتوالد مسببات استمرارها، وبينهما تتقاطع تضاريس كثيرة. ] ذات حوار قلت: (الجسد الإنساني جميل، وتحديداً الجسد العاري، والأجمل هو جسد المرأة) ماذا تقصد بذلك؟ ـ كان الجسد الإنساني العاري وما زال، أنسب المواضيع للنحت، فهو الفن البصري الأقدر على التعبير عن الأحاسيس الاجتماعيّة للإنسان، وإظهار قوته، وحذاقته، ورقته، ورهافته. لهذا أدمنت أنامل النحات (قديماً وحديثاً) عملية تشكيل مرتفعاته ووهاده وثنياته، تدفعها إلى ذلك رغائب صاحبها وصباباته المثقلة بالوجد الحسي، والانفعال الوجداني، تجاه هذا الموضوع الوسيم واللصيق به، ذلك لأن الجسد طريق الروح والحياة، وقد دلف النحات إلى هذا الطريق، وسكن فيه، منذ اهتدت أنامله، لوسيلة التعبير بالحجوم، ويبدو أن سفره في هذا الطريق سيكون أبدياً، لأن تناسخ الحياة وتجددها تتم في هذا الجسد ومن خلاله، من جهة، ولأن جمالياته الحسيّة لا تشيخ ولا يُشبع منها، الأمر الذي سيبّقي أبصار وأشواق المبدعين دائمة الترحال صوبها. مسؤولية مضاعفة ] أنت ناقد تشكيلي محترف. هل تطبق منهجك النقدي على أعمالك أيضاً؟ ـ هذه إشكالية حقيقيّة. فكوني نحاتاً وناقداً يحمِّلني مسؤولية مضاعفة. إذ عليَّ أن أقدِّم للمتلقي الأطروحة البصريّة المثالية التي طالما طالبت الفنانين الآخرين بها. لهذا فإن (الفنان) فيَّ مراقب، وبشكل دائم، من قبل توأمه (الناقد) ومن هنا تحديداً تأتي الإشكالية التي أحاول حلها عن طريق تغييب (الناقد) أثناء إنجازي لعملي النحتي، واستحضاره بعدها ليمارس دوره التدقيقي التمحيصي التقويمي. ] بعض النحاتين أدخل الألوان على أعماله النحتيّة، ما رأيك؟ ـ هذه الظاهرة ليست جديدة، فهي موجودة منذ القدم، خاصة في أعمال النحت المكرسة للموضوعات الدينيّة، في الكنائس والأديرة. وفي النحت الحديث والمعاصر، عادت للظهور، مدفوعة برغبة النحات إثراء القيم التعبيريّة والتشكيليّة في منجزه الفني (لا سيّما بعد انهيار الحدود بين تقانات الفنون المختلفة) لكن هذه العملية حساسة جداً، وتحتاج لحذر شديد، ويلزمها خبرة وتأنٍ كي تحقق عملية الإثراء هذه. ] ماذا قال عنك الفنان إلياس زيات؟ ـ إلياس الزيات أستاذي، وأحد أهم الذين فهموا تجربتي الفنيّة على حقيقتها عندما قال: (واضح أن محموداً نحات شكل مرئي، يُحبه في حد ذاته، لكنه لا يأبه بمردوده الزمني، ولا بخاصيّته الروائيّة، حتى ولا بتركيبه التجريدي. إنه يحب النحت لأنه عملية ابتكار وتأمل أثناء قيام العمل ونشوئه بين يديه، ويتوقف من ثمة في اللحظة التي ينتهي عندها الحلم ـ اليقظة: عملية الخلق. لذا فالمنحوتة عند محمود شاهين لا تتحمل التفاصيل، ولا حتى النمنمة، فهو منها كلها براء: كتلة ساكنة، تحكي في صمتها عن عوالم غائبة، ثم كتلة متحركة تُنبئ بعوالم أخرى آتية). ويُضيف:(واقعية محمود شاهين ليست في مفهومها كلاسيكيّة كما في عصر النهضة، ولا تحذو نمطيّة الواقعيّة الاشتراكيّة، إنها في شكلها، أقرب إلى واقعيّة الانطباعيين والتعبيريين المحدثين، من دون أن تقارب التجريد. يخطر لي وبخفر أن أطلق على أعمال محمود شاهين (الهلنستيّة المعاصرة). أجرى الحوار: أحمد عساف

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة