يجلس على الشاطئ ظهر كل يوم، يُخرج من جيبه كيس الأصداف الملوّنة التي جمعتها له لبنى عند أول لقاء. كان في البداية يهرب من صراخ جارتهم أم عمر في الطريق الجديدة صباح كل أحد، لينعم بهدوء شاطئ الرملة البيضاء، إلى أن تعرّف على لبنى فراح يرتاد الشاطئ ليراها. ماتت لبنى منذ خمس سنوات، لكنّ بلال ابن الستين عاماً لم يفارق شط الرملة البيضاء. الحرب وما بعدها في العام 1983 اتخذ شاطئ الرملة البيضاء صفته كمسبح شعبيٍ عام، بقرار من بلدية بيروت، وذلك لما يمثّله من أهميّة لأبناء المدينة. يشير مدير المسبح الحالي ومدير جمعية «سيدرز للعناية» نزيه الريّس إلى أنّ وزارة الشباب والرياضة تولّت الإشراف على الشاطئ في تلك الفترة، بالتعاون مع بعض فرق الدفاع المدني، قبل أن يقع لاحقاً تحت سيطرة بعض الأحزاب ويدخل مرحلة من الفوضى. في العام 2003، بدأ العمل على مشروع إعادة إنقاذ شاطئ الرملة البيضاء، إذ أطلقت وزارة الأشغال «البرنامج الوطني للمسابح الوطنية للعموم». في السنة الأولى تم اختيار شاطئ الرملة البيضاء كنقطة بدء لتنفيذ المشروع. انطلق المشروع بالتعاون بين وزارة الأشغال، التي قدّمت التجهيزات اللازمة من أبراج مراقبة وبيوت جاهزة تستخدمها الإدارة وفريق الإسعافات الأولية وحمامات وبنية تحتيّة، وبين جمعية «سيدرز للعناية»، التي تكفّلت بتأمين الإداريين والمراقبين وعمّال النظافة. كانت الفترة بين العامين 2003 و 2006 «المرحلة الذهبية» للرملة البيضاء، على حد تعبير نزيه الريس، الذي يقول: «أطلقنا حملات ترويجية للشاطئ، وكان زواره يأتون من جميع المناطق: من بيروت وضواحيها وصولاً إلى الجنوب والبقاع. بالطبع لعبت الأوضاع الأمنيّة المستقرة آنذاك دوراً مهماً في إعادة إحياء الشاطئ، إلى أن أتت حرب تموز. سبّب تسرّب بترول البواخر وتلوث الشاطئ إلى توقف الجميع عن ارتياده». العام 2010 كان نقطة مفصليّةً أخرى، إذ أطلقت جمعية «سيدرز» بالتعاون مع وزارة الشباب والرياضة وبمشاركة اتّحاد كشاف لبنان حملة «الأزرق الكبير». انطلقت الحملة في السادس عشر من أيّار، بمشاركة رئيسيّ الجمهورية ومجلس الوزراء. كانت تلك الحملة بمثابة تحفيز وإعادة بث الروح في الرملة البيضاء. أربعاء أيوب من غير الممكن ألّا يقترن ذكر شاطئ الرملة البيضاء بتقليد «أربعاء أيوب». تقول الأسطورة إنّ النبي أيوب مكث مدة على شاطئ الرملة البيضاء، وكان في كلّ مرّة يسبح سبع على سبع موجات، لأنّ الرقم سبعة من الأرقام المحبّبة والمباركة في جميع الأديان. بتكرار السباحة والاغتسال بمياه شاطئ الرملة البيضاء شُفي النبي أيوب. وللتبارك بتلك الذكرى، حرص أبناء بيروت على إحيائها بالتوجه نهار الأربعاء بمأكولاتهم، وأشهرها المفتقة، للمشاركة في المناسبة التي تقام تكريماً للنبي. فسحة للجميع يشدّد الريّس أنّه وخلافاً للصورة النمطية السائدة عن شاطئ الرملة البيضاء، فإنّ روّاد المكان لم يكونوا يوماً من الفقراء فقط، بل هو ملتقى للناس من مناطق وفئات اجتماعية مختلفة. ويشير إلى سلسلة من الأنشطة التي يشهدها المكان باستمرار. «تقام هنا مخيمات كشفية، وأنشطة رياضية، إضافةً لحملات تنظيف مستمرة وسهرات شبابية، وإطلاق طائرات ورقية، ومؤخراً إضاءة سماء بيروت بالبالونات». يعتبر الريّس أنّ محاولات البعض التركيز على تصوير المكان كـ «شاطئ للفقراء والنازحين» يحمل هدفاً مضمراً، وهو إضفاء صبغةٍ سيّئةٍ عليه. ومن هذه المحاولات حملاتٍ ترويجية من قبل بعض الجهات التي تسعى لوضع يدها على الشاطئ، تمهيداً لإقفاله وحصره بفئة اجتماعية معينة. «من حقّ الفقراء والنازحين الاستمتاع بالشاطئ والترفيه عن أنفسهم، حالهم كحال أيّ مواطن آخر في البلد»، يضيف: «هنا تكمن مسؤولية المواطنين في دعم الحراك المدني للحفاظ على هذه الأماكن القليلة المتبقية، كفسحة أملٍ جامعة لجميع الناس من دون استثناء». ملاك فقيه