As Safir Logo
المصدر:

صور تارىخىة لاحتفالات المصريين في شهر الصوم تسبح القاهرة في الأضواء من كثرة المشاعل ويأكل الصائمون في 12 ألف مطعم في القاهرة

المؤلف: قاسم قاسم عبدو التاريخ: 2000-12-01 رقم العدد:8771

أولي الصور التاريخية عن شهر رمضان تظهر في العصر الفاطمي (358-564ه/ 969-1171م) نقلها المؤرخ تقي الدين المقريزي عن مصادر تاريخية فاطمية مفقودة. وقد نقل المقريزي في خططه (ج2، ص491، ص492) ما كان الخلفاء الفاطميون يفعلونه في هذا الشهر. وربما يكون مناسبًا أن ننقل ما كتبه هذا المؤرخ لنرسم الصورة التاريخية الأولي ثم نحاول شرحها وتفسيرها: »موسم شهر رمضان: كان لهم (الفاطميون) في شهر رمضان عدة أنواع من البرِّ؛ منها كشف المساجد. قال الشريف الجواني في كتاب النقط: كان القضاة بمصر إذا بقي لشهر رمضان ثلاثة أيام، طافوا يومًا علي المشاهد والمساجد بالقاهرة ومصر (هذا تعبير شائع في المصادر التاريخية عن العاصمة التي كانت تضم القاهرة والعواصم القديمة الفسطاط والقطائع والعسكر)؛ فيبدأون بجامع المقس، ثم بجوامع القاهرة، ثم بالمشاهد، ثم بالقرافة، ثم بجامع مصر (جامع عمرو بن العاص) ثم بمشهد الرأس (الحسين)؛ لنظر حصر ذلك وقناديله وعمارته وإزالة شعثه. وكان أكثر الناس ممن يلوذ بباب الحكم والشهود والطفيليون يتعينون لذلك اليوم والطواف مع القاضي لحضور السماط«. هكذا، كان المرور علي الجوامع والمساجد لتفقدها وتنظيفها وتجهيزها استعدادًا لشهر رمضان يبدأ قبل الشهر بثلاثة أيام، وكان الاهتمام بهذه الأمور من عوائد الدولة الفاطمية، ويلفت النظر هنا اهتمامهم بالقرافة، فقد كانت من أهم مُتنزهات أهل القاهرة وقد قال عنها الرحالة »ابن جبير« (ق6ه/12م) إنها إحدى عجائب الدنيا لما تحتوي عليه من مشاهد الأنبياء، وأهل البيت والصحابة والتابعين والعلماء والزهَّاد والأولياء ».. ذوي الكرامات الشهيرة والأنباء الغريبة...«، وقد استرعت القرافة وهي منطقة المقابر العامة للعاصمة المصرية آنذاك انتباه كل الرحالة الذين زاروا القاهرة. وقد حرصت السلطات الفاطمية على أن يقوم بمهمة التفتيش قضاة مصر لضمان دقة العمل. ومن الطريف أن عددًا كبيرًا من الطفيليين كانوا ينتهزون الفرصة للطواف مع القاضي في أثناء عمله فيما يشبه الموكب حتى يكون لهم نصيب في الوليمة التي يحضرها القضاة بعد انتهاء مهمتهم. ثانية هذه الصور التاريخية نقلها المقريزي عن ابن المأمون تحت عنوان واضح »أبطال المُسكرات: قال ابن المأمون: وكانت العادة جارية من الأيام الأفضلية (أي وزارة الأفضل بن بدر الدين الجمالي) في آخر جمادى الآخرة من كل سنة أن تُغلق جميع قاعات الخمارين بالقاهرة ومصر، وتُختم، ويُحذَّر من بيع الخمر؛ فرأى الوزير المأمون لما ولي الوزارة بعد الأفضل بن أمير الجيوش أن يكون ذلك في سائر أعمال الدولة (أي في جميع أنحاء الدولة الفاطمية في مصر والشام) فكتب به إلى جميع ولاة الأعمال، وأن يُنادي بأنه من تعرض لبيع شيء من المُسكرات، أو شرائها، سرًا أو جهرًا، فقد عرَّض نفسه لتلافها، وبرئت الذمة من هلاكها«. الصورة الثالثة ربما تعطينا مؤشرًا عن تحول المناسبة الدينية إلى مناسبة دينية اجتماعية؛ لاسيما إذا وضعنا في اعتبارنا أن الناس يقلدون حكامهم وأعيانهم. يقول المقريزي: »غُرة رمضان: وكان في أول يوم من شهر رمضان يُرسَل لجميع الأمراء وغيرهم من أرباب الرتب والخدم، لكلٍ طبق، ولكل واحد من أولاده ونسائه طبق فيه حلواء، وبوسطه صُرَّة من ذهب؛ فيعم ذلك سائر أهل الدولة ويقال لذلك غُرة رمضان«. الصورة الرابعة عن اهتمام الخلفاء الفاطميين بالاحتفال بقدوم شهر رمضان في موكب جميل يشق القاهرة، وكان ركوب أول شهر رمضان عند الفاطميين معادلاً لموكب رؤية هلال رمضان عند السُنَّة. يقول ابن الطوير (نزهة المقلتين في أخبار الدولتين، تحقيق الدكتور أيمن فؤاد سيد، جمعية المستشرقين الألمانية 1993، ص171 ص175). »فإذا انقضى شعبان اهتم بركوب أول شهر رمضان، وهو يقوم مقام الرؤية عند المتشيعين، فيجري أمره في اللباس والآلات والأسلحة والعرض والركوب والترتيب والطرق المسلوكة، كما وصفناه في أول العام لا يختل بوجه (في أول العام الهجري كان الخليفة الفاطمي يشق القاهرة بموكب حافل ومهيب وحوله الجنود والفرسان بأعلامهم وبيارقهم) ويكتب إلى الولاة والنواب والأعمال بمساطير مُخلَّقة (أي مُعطَّرة) يُذكر فيها ركوب الخليفة«.. »فإذا انقضى ركوب أول شهر رمضان استراح الخليفة في أول جمعة، فإذا كانت الجمعة الثانية ركب الخليفة إلى الجامع الأنور الكبير في هيئة المواسم وما تقدم ذكره من الآلات ولباسه فيه لباس الحرير البيض، توقيرًا للصلاة من الذهب، والمنديل والطيلسان المقور الشعري، فيدخل من باب الخطابة والوزير معه بعد أن يتقدمه في أوائل النهار صاحب بيت المال وبين يديه الفُرُش المختصة بالخليفة إذا صار إلىه في هذا اليوم، وهو محمول بأيدي الفراشين المميزين، وملفوف في العراضى الدبيقية فيُفْرش في المحراب ثلاث طراحات؛ إما سامان وإما دبيقي أبيض أحسن ما يكون من صنفهما كل منقوش بالحُمرة فتجعل الطراحات متطابقات، ويعلق ستران يمنة ويُسرة وفي الستر الأيمن كتابة مرقومة بالحرير الأحمر واضحة منقوطة أولهما »البسملة« و»الفاتحة« و»سورة الجمعة« وفي الستر الأيسر مثل ذلك.. ثم يصعد قاضي القضاة المنبر وفي يده مدخنة لطيفة خيرزان يحضرها إلىه صاحب بيت المال فيبخر الذروة التي عليها الغشاء كالقبة لجلوس الخليفة للخطابة ويكرر ذلك ثلاث مرات. فيأتي الخليفة في هيئة لطيفة من الطبل والبوق وحوالى ركابه خارج أصحاب الركاب القُراء، وهم قُراء الحضرة يُطرِّبون بالقراءة نوبة بعد نوبة يستفتحون بذلك من ركوبه من الكرسي على ما تقدم على طول طريقه إلى قاعة الخطابة من الجامع (أي أنهم يبدأون قراءة القرآن طوال الطريق من القصر حتى قاعة الخطابة في الجامع). »فإذا أذن بالجمعة دخل إلىه قاضي القضاة فقال: »السلام على أمير المؤمنين الشريف القاضي ورحمة الله وبركاته، الصلاة يرحمك الله« فيخرج الخليفة ماشيًا وحواليه الأستاذون المحنكون والوزير وراءه ومن يليهم من الخواص وبأيديهم الأسلحة من صبيان الخاص، وهم أمراء وعليهم هذا الاسم، فيصعد المنبر إلى أن يصل إلى الذروة تحت القبة المُبَّخرة، فإذا استوى جالسًا والوزير على باب المنبر ووجهه إلىه فيشير إلىه بالصعود فيصعد إلى أن يصل إلىه فيقبل يديه ورجليه بحيث يراه الناس ثم يُزرر عليه تلك القبة لأنها كالهودج.. فيخطب الخليفة خطبة قصيرة من مسطور يُحضر إلىه من ديوان الإنشاء.. فيطلع إلىه من زرَّر عليه ويفك التزرير وينزل القهقرى.. فينزل الخليفة ويصير على تلك الطراحات الثلاث في المحراب وحده إمامًا.. فإذا فرغ خرج الناس وركبوا أولاً فأول.. وعاد طالبًا القصر والوزير وراءه وضربت البوقات والطبول في العود«. »فإذا أتت الجمعة التالية ركب الخليفة إلى الجامع الأزهر من القشاشين (مكانه اليوم شارع الصنادقية بالأزهر) على المنوال الذي ذكرناه والقالب الذي وصفناه«. »فإذا كانت الجمعة الثالثة أُعلم بركوبه إلى مصر للخطابة في جامعها (المقصود الفسطاط وجامع عمرو بن العاص، وكانت الفسطاط حتى ذلك الحين بضواحيها هي العاصمة الاجتماعية والاقتصادية والفكرية) فيزين له أهل القاهرة من باب القصر إلى جامع ابن طولون، ويُزين له أهل مصر من جامع ابن طولون إلى الجامع بمصر، يرتب ذلك والي مصر كل أهل معيشة في مكان فيُظهر المختار من الآلات والستور والمثمنات، ويهتمون بذلك ثلاثة أيام بلياليها، والوالي مار وعائد بينهم وقد ندب من يحفظ الناس ومتاعهم. فيركب يوم الجمعة المذكور شاقًا لذلك كله على الشارع الأعظم إلى مسجد عبدالله، إلى دار الأغاط إلى الجامع بمصر فيدخل إلىه من المعونة (أي مقر الشرطة) ومنها باب متصل بقاعة الخطيب بالزي الذي تقدم ذكره في خطبة الجامعين وعلى ترتيبهما. فإذا قضيت الصلاة عاد إلى القاهرة من طريقه بعينها شاقًا بالزينة إلى أن يصل إلى القصر ويعطي أرباب المساجد التي يمر عليها كل واحد دينارًا«. هذه الصورة تعكس جانبًا رسميًا في الاحتفال بالشهر وتعكس جانبًا اجتماعيًا في الاحتفال الذي يرتبه الوالي على حساب أصحاب الحرف والصناعات لتزيين الطريق الذي يمر به موكب الخليفة، لاسيما في الفسطاط التي كانت قصبة البلاد آنذاك. من داخل القصر الفاطمي الصورة الخامسة من داخل قصر الخلافة الفاطمية تتحدث عن مدى البذخ الذي مَيَّز الولائم الرمضانية التي كان الخلفاء الفاطميون يقيمونها يوميًا لإفطار الأمراء وكبار رجال الدولة. يقول المقريزي: »سماط رمضان، قال ابن الطوير: فإذا كان اليوم الرابع من شهر رمضان رُتِّب عمل السماط كل ليلة بالقاعة بالقصر إلى السادس والعشرين منه. ويُستدعي قاضي القضاة ليالي الجُمع توقيرًا له (حتى لا يكون استدعاؤه يوميًا سببًا في حرمانه من الإفطار مع أهله) فأما الأمراء، ففي كل ليلة منهم قوم بالنوبة (نوبة الخدمة بالقصر) ولا يحرمونهم الإفطار مع أولادهم وأهاليهم. ويكون حضورهم بمسطور يخرج إلى صاحب الباب واسفهلاره (أي أن هناك قائمة بمواعيد الخدمة لكل منهم لدى المسؤول عن القصر ومساعده) فيعرف صاحب كل نوبة ليلته، فلا يتأخر. ويحضر الوزير ويجلس صدره (أي يتصدر المائدة) فإن تأخر كان ولده أو أخوه، وإن لم يحضر أحد من قبله كان صاحب الباب. ويهتم فيه اهتمامًا عظيمًا تامًا بحيث لا يفوته شيء من أصناف المأكولات الفائقة والأغذية الرائعة، وهو مبسوط (أي أن السماط، أو المائدة ممتدة) في طول القاعة، مادٌ من الرواق إلى ثلثي القاعة الذهبية، والفراشون قيام لخدمة الحاضرين، وحواشي الأستاذين (أي المشرفين على القصر) يحضرون الماء المُبخَّر في كيزان الخزف برسم الحاضرين. ويكون انفصالهم العشاء الآخرة فيعمهم ذلك ويصل منه شيء إلى أهل القاهرة من بعض الناس لبعض. ويأخذ الرجل ما يكفي جماعته. فإذا حضر الوزير أُخرج إلىه مما هو بحضرة الخليفة، وكانت يده فيه تشريفاً له وتطييباً لقلبه. وربما حمل من سحوره من خاص ما يعين لسحور الخليفة نصيب وافر، ثم يتفرق الناس إلى أماكنهم بعد العشاء الآخرة بساعة أو ساعتين. قال ومبلغ ما ينفق في شهر رمضان لسماطه مدة سبعة وعشرين يومًا ثلاثة آلاف دينار«. هل كانت هذه الولائم الرمضانية بداية لموائد الرحمن؟ ربما كانت هي البداية ولاسيما أن عادة إقامة موائد الإفطار ظلت سارية في مصر وانتقلت من قمة الحكم إلى الأمراء وكبار رجال الدولة والتجَّار والأعيان والأثرياء. في هذه الصورة التي نقلها المقريزي عن مؤرخ معاصر للفاطميين هو ابن الطوير، نجد أمرين يلفتان النظر بشدة: أولهما الاهتمام بأن تحتوي المائدة (السماط) على كل أصناف الطعام، وثانيهما أن الذين كانوا يحضرون »سماط رمضان« كانوا يأخذون معهم كميات كبيرة من الطعام الذي كان يصل بعضه إلى أهل القاهرة »من بعض الناس لبعض«. كذلك كانت مكانة الوزير عظيمة بحيث كان له امتياز خاص وهو أن يأكل من طعام أكل منه الخليفة نفسه. لقد كانت وليمة الإفطار تمتد من المغرب حتى بعد العشاء وهي فترة طويلة كانت تتيح تبادل الأحاديث والآراء والمعلومات. الصورة السادسة أيضًا من داخل قصر الخليفة الفاطمي، وتتحدث عن سحور الخليفة وكيفية قضائه الوقت ما بين الإفطار والسحور. يقول المقريزي: »سحور الخليفة. قال ابن المأمون وقد ذكر أسمطة رمضان وجلوس الخليفة بعد ذلك في الروشن إلى وقت السحور (الروشن مقصورة مرتفعة تحجب الخليفة عن الموجودين) والمقرئون تحته يتلون عشرًا ويطِّربون بحيث يشاهدهم الخليفة، ثم حضر بعد ذلك المؤذنون وأخذوا في التكبير وذكر فضائل السحور وختموا بالدعاء. وقُدمت المخاد (الوسائد) للوعَّاظ فذكروا فضائل الشهر، ومدح الخليفة، والصوفيات (المدائح الصوفية) وقام كل من الجماعة للرقص (يقصد الرقص مع إيقاعات الذكر كما يفعل المتصوفة)، ولم يزالوا إلى أن انقضى من الليل أكثر من نصفه، فحضر بين الخليفة أستاذ بما أنعم به عليهم وعلى الفراشين. وأُحضرت جفان القطائف، وجرار الجلاب (شراب بالعسل) برسمهم فأكلوا وملأوا أكمامهم، وفضل عنهم ما تخطفه الفراشون، ثم جلس الخليفة في السدلا (مكان أسدلت عليه ستارة) التي كان بها عند الفطور وبين يديه المائدة معبأة من جميع الحيوان وغيره. والقعبة الكبيرة الخاصة مملوءة أوساطه بالهمة المعروفة، وحضر الجلساء واستعمل كل منهم ما اقتدر عليه، وأومأ الخليفة أن يستعمل من القعبة؛ فيفرق الفراشون عليهم أجمعين، وكل من تناول شيئًا قام وقبّل الأرض وأخذ منه على سبيل البركة لأولاده وأهله؛ لأن ذلك كان مستغاضًا عندهم غير معيب على فاعله. ثم قُدِّمت الصحون الصيني مملوءة قطائف فأخذ منها الجماعة الكفاية. وقام الخليفة وجلس بالمقصورة وبين يديه السحورات المطيبات من لبئين (ألبان) رطب ومُخَض، وعدة أنواع عصارات وسويق ناعم وجريش وجميع ذلك بقلوبات محشية وموز (أي أن العصائر والحلويات المصنوعة من الدقيق الناعم والخشن محشوة بالمكسرات والموز) ثم تكون بين يديه صينية ذهب مملوءة سفوفا، وحضر الجُلساء وأخذ كل منهم في تقبيل الأرض والسؤال بما ينعم عليه، فتناوله المستخدمون والأستاذون وفرقوه فأخذه القوم في أكمامهم، ثم سلم الجميع وانصرفوا«. الصورة السابعة من العصر الفاطمي هي الصورة الأخيرة التي أمدتنا بها المصادر التاريخية عن الاحتفال بشهر رمضان وهي عن ختم القرآن الكريم. يقول المقريزي: »الختم في آخر رمضان: وكان يعمل في التاسع والعشرين منه. قال ابن المأمون: ولما كان التاسع والعشرون من شهر رمضان خرج الأمر بأضعاف ما هو مستقر للمقرئين والمؤذنين في كل ليلة برسم السحور بحكم أنها ليلة ختم الشهر، وحضر الأجَّل الوزير المأمون في آخر النهار إلى القصر للفطور مع الخليفة والحضور على الأسمطة كالعادة، وحضر إخوته وعمومته وجميع الجلساء، وحضر المقرئون والمؤذنون وسلَّموا على عادتهم وجلسوا تحت الروشن، وحمل من عند معظم الجهات والسيدات والمميزات من أهل القصر (هذه كلها ألقاب لنساء القصر الفاطمي) ثلاجى وموكبيات مملوءة ماء ملفوفة في عراضي ديبقي (أي أثواب القماش الديبقي الفاخر) وجعلها أمام المذكورين لتشملها بركة ختم القرآن الكريم. واستفتح المقرئون من الحمد إلى خاتمة القرآن تلاوة وتطريبا. ثم وقف بعد ذلك من خطب فأسمع، ودعا فأبلغ، ورفع الفراشون ما أعدوه برسم الجهات، ثم كبَّر المؤذنون وهللوا، وأخذوا في الصوفيات إلى أن نُثر عليهم من الروشن دنانير ودراهم ورباعيات، وقُدمت جفان القطائف على الرسم (حسبما جرت العادة) مع البسندود والحلواء؛ فجروا علي عادتهم وملأوا أكمامهم، ثم خرج أستاذ من باب الدار الجديدة بخِلَع خلعها على الخطيب وغيره، ودراهم تُغرق على الطائفتين من المقرئين والمؤذنين«. هذه الصور السبع من العصر الفاطمي لاحتفالات رمضان تأتينا من قصر الخليفة ولسنا نملك صورًا شعبية من هذا العصر، عن احتفالات رمضان بين الناس في مصر عامة، وإذا ما تذكرنا أن القاهرة ظلت حتى ذلك الحين عاصمة سياسية وإدارية يسكنها الخليفة وحاشيته وحاميته، أمكننا أن نفهم سر اهتمام المؤرخين برصد أحوال الحكام والانصراف عن متابعة تطورات الحياة الاجتماعية بعيدًا عن العاصمة. وعلى الرغم من ذلك، فإن الكثير من الاحتفالات التي بدأها الفاطميون في قصورهم سرعان ما تركت أصداءها في المجتمع المصري، ولم يمر زمن طويل حتى كان المؤرخون يرصدون لنا صورًا شعبية عن احتفالات المصريين بشهر رمضان، وهنا ننتقل إلى مجموعة صور ثانية من عصر السلاطين المماليك (648/922ه 1250/1517م) وهذه الصور تعكس الحياة الاجتماعية المصرية في شهر رمضان بفضل كرم المصادر التاريخية التي زاد اهتمامها بتطورات الحياة اليومية إلى حد كبير. بيد أننا لا نستطيع الحصول على صور كاملة من مصدر تاريخي واحد وإنما سنحاول رسم صورة، أو صورتين اعتمادًا على عدد متنوع من المصادر التاريخية. استطلاع الشهر الصور التاريخية الأولى عن الاحتفال بشهر رمضان يقدمها الرحالة الأشهر »ابن بطوطة« الذي زار مصر في عهد السلطان الناصر محمد بن قلاوون (سلطنته الثالثة من سنة 709ه/1310م إلى سنة 741ه/1341م) وقد دوَّن ابن بطوطة أهم ملاحظاته وانطباعاته عن مصر أثناء زيارته الأولى لها. ومع أنه زار مصر بعد ذلك ثلاث زيارات قصيرة فإنه لم يكتب شيئًا جديدًا. شهد ابن بطوطة الاحتفال باستطلاع هلال شهر رمضان في مدينة أبيار، بالقرب من المحلة الكبرى وقدم لنا هذه الصورة: »وعادتهم أن يجتمع فقهاء المدينة ووجوهها بعد العصر من اليوم التاسع والعشرين لشعبان بدار القاضي. ويقف على الباب نقيب المتعممين (كان العلماء والقضاة والفقهاء يعرفون بأهل العمامة، أو المتعممين)، وهو ذو شارة وهيئة حسنة. فإذا أتى أحد الفقهاء، أو أحد الوجوه تلقاه ذلك النقيب ومشى بين يديه قائلاً: باسم الله سيدنا فلان الدين، فيسمع القاضي ومن معه فيقومون له، ويجلسه في مجلس يليق به فإذا تكاملوا هناك، ركبوا جميعًا وتبعهم جميع من بالمدينة من الرجال والنساء والصبيان، وينتهون إلى موضع مرتفع خارج المدينة، وهو مُرتقب الهلال عندهم. وقد فُرش ذلك الموضع بالبُسط والفرش، فينزل القاضي ومن معه، فيرقبون الهلال ثم يعودون إلى المدينة بعد صلاة المغرب وبين أيديهم الشمع والمشاعل والفوانيس. ويوقد أهل الحوانيت بحوانيتهم الشمع، ويصل الناس مع القاضي إلى داره ثم ينصرفون. هكذا فعلهم في كل سنة«. (رحلة ابن بطوطة المسماة تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار، تحقيق د. علي المنتصر الكناني، بيروت 1981م (الطبعة الثالثة)، ج1،ص46). لاشك في أن هذه الصورة التي ترسمها كلمات »ابن بطوطة« لاحتفالات رؤية هلال رمضان كانت قريبة الشبه بما حدث في جميع أنحاء البلاد المصرية،وفي العاصمة كان موكب رؤية هلال رمضان يكتسب أهمية أكبر بطبيعة الحال. وقد حدث سنة 882 هجرية اضطراب بسبب الرؤية، يقول ابن إياس (بدائع الزهور، ج3، ص136): »في رمضان سنة 882ه وقع بالقاهرة بعض الاضطراب، وسبب ذلك أن مضى الثلاثون من شعبان ولم يُرْ الهلال فأكل غالب الناس في أول يوم من أيام رمضان؛ فنادى القاضي الشافعي بالإمساك، فثار عليه العوام وقصدوا الإخراق به (أي أرادوا إيذاءه وإهانته) فثبت برؤية الهلال قريب الظهر، ولكن فطر غالب الناس في ذلك اليوم«. هذه الصورة الأولى تنتهي بثبوت رؤية هلال رمضان وتفسح مكانًا للصورة الثانية التي تصور لنا مظاهر الاحتفال بشهر رمضان على المستوى الرسمي والشعبي. تشترك عدة مصادر تاريخية في رسم تفاصيل الصورة الثانية. فحين يتم التأكد من رؤية هلال شهر رمضان يصعد القضاة ومشايخ العلم والفقهاء إلى القلعة لتهنئة السلطان بالشهر، وربما يكون السلطان كريمًا فيمنح هؤلاء مالاً وهدايا بمناسبة الشهر مثلما فعل الأشرف قايتباي: »في رمضان سنة 876ه رسم السلطان للقاضي عبد الغني بين الجيعان بأن يغدق على العلماء والفقهاء توسعة في رمضان لعيالهم. واستمر ذلك عمالاً في كل شهر رمضان مدة أيام الأشرف قايتباي إلى أن مات، ثم تناقص من بعده« (ابن إياس، بدائع الزهور، ج3، ص68 ص69). كذلك كان يتم ختم قراءة البخاري بالقلعة وبعدها ينعم السلطان على قضاة القضاء ومشايخ العلم والفقهاء بالخلع وصُرر المال. وحدث مرة ،واحدة أنه في شهر رمضان ».. ختم قراءة البخاري بالجامع الأزهر، وحضر القضاة الأربعة، وفُرقت هناك الخلع والصرر على الفقهاء والعلماء.. وكان قراءة البخاري من أول شهر رمضان بالجامع الأزهر. وعند الدعاء يدعون للسلطان بالسلامة« (ابن إياس: بدائع الزهور، ج3، ص137) كان ذلك سنة 882ه ولكن قراءة البخاري عادت بعدها إلى القلعة حسبما جرت العادة. كان هذا شكل احتفال أهل الحكم، ولكن احتفال أهل البلد كان له شكل آخر. فقد كانت القاهرة والمدن المصرية تسبح في الأضواء طوال ليالي شهر رمضان بسبب كثرة المشاعل والفوانيس والشموع في الحوانيت والأسواق وعلى الحبال الممتدة بين البيوت عبر الشوارع وبأيدي الناس. وهو الأمر الذي لفت انتباه الرحالة الأجانب الذين زاروا القاهرة أيام المماليك. كذلك فإن ابن الحاج المغربي (الذي أقام بالقاهرة فترة وهو في طريقه إلى الحجاز لأداء فريضة الحج) لاحظ أنه كان من عادة المصريين في شهر رمضان أن يعلقوا الفوانيس على الحبال الممدودة بين مآذن المساجد والجوامع »... التي جعلوها علمًا على جواز الأكل والشرب وغيرهما ما دامت معلقة موقودة...«. وفي ليالي شهر رمضان كانت أسواق القاهرة والمدن المصرية الأخرى تزدهر وتدب فيها الحياة احتفالاً بالشهر الكريم، وقد لاحظ الرحالة الأجانب أن المطاعم والمطابخ في العاصمة كانت تظل مفتوحة من الغروب حتى الفجر طوال شهر رمضان لكي تستقبل زبائنها. والحقيقة أن معظم سكان القاهرة في تلك العصور لم يكونوا يطهون طعامهم في بيوتهم، وإنما كانوا من رواد المطاعم التي قدرها البعض باثني عشر ألف مطعم في القاهرة، كما كان بعض الناس يرسلون اللحم والخضار ومكونات الطعام إلى مطابخ خاصة عرفت باسم »حوانيت الشرائحية« لتجهيزه وإعداده. ومن ثم كان طبيعيًا أن يعتمد القاهريون من أبناء الشرائح الوسطى والدنيا على المطاعم والمطابخ في وجبتي الإفطار والسحور. كذلك ارتبطت بعض الأسواق بشهر رمضان ارتباطًا خاصًا، ومنها »سوق الحلاويين« و»سوق الشماعين«. ففي شهر رمضان كانت سوق الحلاويين تمتلئ بجميع أشكال التماثيل السكرية التي كانت تُصنع علي هيئة تماثيل الحيوانات من قطط وسباع وغيرها. وكانت هذه التماثيل السكرية تُعرف باسم »العلاليق« (ومفردها عُلاَّقة) لأنها كانت تعلق بخيوط على أبواب الحوانيت وحوائطها، ويتراوح وزن الواحدة ما بين ربع رطل وعشرة أرطال. وكانت أسواق القاهرة والمدن الأخرى تمتلئ بهذه الحلوى التي يحرص الناس علي شرائها لأطفالهم وأقاربهم. أما سوق الشماعين (أي تجار الشموع) فقد ارتبطت أيضاً بشهر رمضان، ففي ليالي هذا الشهر كانت حوانيت السوق تفتح أبوابها إلى ما بعد منتصف الليل، وقد تلألأت السوق بأضواء مختلف أنواع الشموع الموكبية والفانوسية والطوافات. يقول المقريزي (الخطط، ج2، ص92، ص106). »وأدركت سوق الشماعين من الجانبين معمور الحوانيت بالشموع الموكبية والفانوسية والطوافات لاتزال حوانيته مفتحة إلى منتصف الليل.. وكان به في شهر رمضان موسم عظيم لكثرة ما يُشترى ويكترى من الشموع الموكبية التي تزن الواحدة منهن عشرة أرطال فما دونها، ومن المزهرات العجيبة الزي المليحة الصنعة، ومن الشمع الذي يُحمل على العجل ويبلغ وزن الواحدة منها القنطار وما فوقه، كل ذلك برسم ركوب الصبيان لصلاة التراويح؛ فيمر في شهر رمضان من ذلك ما يعجز البليغ عن حكاية وصفه...«. كان موكب صلاة التراويح في كل حارة (حي) من حارات القاهرة من علامات شهر رمضان البهيجة، فقد كان هذا الموكب يتجمع حول إحدى الشموع الضخمة التي يجرها الأولاد على عجلات وقد أمسك كل منهم بفانوسه وهم يهزجون بأغنيات جميلة خاصة برمضان ويطوف الموكب الجديد الدروب والأزقة من بعد المغرب حتى موعد صلاة التراويح. كان المسحراتي من أهم رموز رمضان وقد حدثتنا المصادر التاريخية عن هذا الرجل الذي كان يطوف شوارع الأحياء ودروبها وأزقتها في الشطر الأخير من الليل بطبلته الشهيرة، وفي ليالي الصيف كان يصحبه عدد من الأطفال وهو يردد أهازيجه وأغنياته الدينية ويدق على طبلة مناديًا أصحاب البيوت الذين يعرفهم بالاسم. وقد ذكر »ابن الحاج« أن المسحراتي في الإسكندرية كان يدق علي بيوت الناس ويطلب منهم القيام لتناول السحور. الصيام، الصيام الصورة الثالثة قبل سقوط دولة سلاطين المماليك بعامين ترسمها كلمات المؤرخ ابن إياس (بدائع الزهور ج4، ص397)، يقول: »في يوم الخميس كان مستهل شهر رمضان سنة 920ه فطلع الخليفة والقضاة الأربعة للتهنئة بالشهر، فجلس السلطان بالميدان وطلع الوزير يوسف البدري والزيني بركات بن موسى المحتسب، وعرضا اللحم والدقيق والخبز والغنم والبقر على السلطان كما جرت به العادة وهو مزفوف على رؤوس الحمالين. فأخلع السلطان عليهما وأخلع على القاضي شرف الدين الصغير ناظر الدولة، الخلع السنية وأما في ليلة رؤية الهلال حضر القضاة الأربعة بالمدرسة المنصورية (نسبة إلى السلطان المنصور قلاوون) وحضر الزيني بركات ابن موسى المحتسب، فلما ثبت رؤية الهلال وانفض المجلس ركب الزيني بركات بن موسى من هناك فتلاقاه الفوانيس الأكرة والمناجنيق والمشاعل والشموع الموقودة، فلم يُحصَ ذلك لكثرته، ووقدوا له الشموع على الدكاكين وعلقوا له التنانير والأحمال الموقودة بالقناديل من الأمشاطيين إلى سوق مرجوش إلى الخشابين إلى سويقة اللبن عند بيته، فارتجت له القاهرة في تلك الليلة، وكانت من الليالي المشهودة، وأطلقوا له مجامر البخور بطول الطريق. وكان ذلك يعادل المواكب السلطانية«. كانت تلك هي الصورة الأخيرة في عصر سلاطين المماليك ففي سنة 922ه سقطت الدولة وتحولت مصر إلى ولاية عثمانية وبقي المجتمع المصري على حال من الجمود والثبات النسبي طوال العصر العثماني. ولكن اهتمام المصريين برمضان ظل علي حاله على أغلب الظن. * * * آخر صورة نقدمها للاحتفال بشهر رمضان نأخذها من كتاب »إدوارد وليم لين«، الذي بدأ زيارته لمصر سنة 1825م وتعلم العربية واندمج في المجتمع المصري على مدى ثلاث سنوات ثم عاد إلى بلاده سنة 1828م، وزار مصر ثانية لمدة عامين (1833-1835م) ألَّف أثناءها كتابه »عادات المصريين المحدثين وعاداتهم«. كانت مصر في تلك الفترة تحت حكم محمد علي الذي أراد أن يقود مصر والمنطقة في حركة إحياء سياسية وحضارية عظيمة وقفت لها القوى الاستعمارية بالمرصاد. يقول هذا المستشرق الانجليزي: »تُعرف الليلة التي يُتوقع فيها بدء شهر رمضان بليلة الرؤية. ويتوجه في فترة بعد ظهر اليوم السابق، أو قبلاً، العديد من الأشخاص إلى الصحراء حيث الجو الصافي لرؤية الهلال القمر؛ ويبدأ الصوم في اليوم التالي بعد رؤية الهلال. وإذا استحالت رؤية الهلال نتيجة لتلبد صفحة السماء يبدأ الصوم عند انقضاء ثلاثين يومًا من بداية الشهر السابق. وتكفي شهادة مسلم واحد في رؤية الهلال لإعلان الصوم (لم يدرك لين ضرورة أن يكون مثل هذا الشخص من الناس المشهود لهم بالأمانة والصدق ومن أصحاب المكانة الاجتماعية أو الدينية). وينطلق المحتسب وشيوخ بعض الحرف (الخبازون والطحانون والجزارون والزياتون وبائعو الخضروات) ولفيف من أتباعهم، وفرق الموسيقى، والصوفية بقيادة بعض العسكر في هذه الليلة في موكب من القلعة إلى دار القاضي وهناك ينتظرون عودة الشخص الذي ذهب لاستطلاع الهلال، أو شهادة أي مسلم آخر رأى الهلال. ويحتشد الناس في الشوارع التي يمر بها الموكب. وجرت العادة أن تكون في الموكب طائفة من الجياد المغطاة سروجها بأقمشة مزركشة؛ بيد أن العرض العسكري حل محل الأبهة الدينية المدنية التي كانت تشهدها ليلة الرؤية. واقتصر موكب ليلة الرؤية على الجنود المشاة. ويتقدم حاملو المشاعل كل مجموعة من الجنود، كما يسيرون خلفهم لإنارة الطريق لهم عند عودتهم، ويتبعهم الشيخ وبعض أرباب الحرف ومعهم العديد من العامة وهم يهتفون: »بركة، بركة، بارك الله عليك يا رسول الله، عليك الصلاة والسلام«. وتمر الفرق في بضع دقائق ثم يجيء المحتسب ومعاونوه في نهاية الموكب. »وبعد أن يصل الخبر اليقين بأنه تمت رؤية القمر إلى بيت القاضي ينقسم الجنود ومن احتشدوا معهم في الموكب إلى عدة فرق، يعود فريق منهم إلى القلعة بينما تطوف الفرق الأخرى أنحاء المدينة وأحياءها المختلفة وينادون »يا أتباع أفضل خلق الله، الصيام الصيام« أما إذا لم تثبت رؤية الهلال في تلك الليلة يصرخ المنادي »بكرا شعبان، ما فيش صيام.. ما فيش صيام«. ويمضي المصريون شطرًا كبيرًا من تلك الليلة يأكلون ويشربون ويدخنون وترتسم البهجة على وجوههم إذا ما أعلن أن الصيام في اليوم التالي. وتتلألأ الجوامع بالأنوار التي تظل على هذا الحال في الليالي التالية، وتُعلق المصابيح عند مداخلها وفوق المآذن«. »ولا نصادف خلال شهر رمضان الناس في الشوارع يحملون أدوات التدخين كما هو الحال في الأوقات الأخرى؛ بل نراهم يمشون فارغي اليدين، أو يحملون عصا أو مسبحة. ولم يكن النصارى في محلاتهم يدخنون على مرأى من المسلمين الصائمين. وتكتسي الشوارع بالنهار منظرًا كئيبًا وتغلق معظم المحال أبوابها. ويكون المسلمون طوال صيامهم نهارًا نكدي المزاج، ثم يتحولون ليلاً بعد الافطار إلى أشخاص ودودين ومحبين بشكل غير عادي. ومن عادة الأتراك وغيرهم في القاهرة أن يتوجهوا في شهر رمضان إلى جامع الحسين في فترة ما بعد الظهر للصلاة والراحة. ويعرض بعض التجار الأتراك الذين يعرفون باسم »التُحفجية« بضاعتهم في مثل هذه المناسبات في باحة الميضأة للبيع، وهي تنم عن ذوق رفيع وتلبي حاجات مواطنيهم. ومن الشائع في رمضان رؤية التجار في متاجرهم يتلون آيات القرآن الكريم أو يؤدون الصلوات، أو يوزعون الخبز على الفقراء. ويصبح المتسولون قبيل المغرب وأحيانًا بعد الإفطار مصدر إزعاج وصخب. وفي هذه الأوقات يتوافد أبناء الطبقات الدنيا إلى المقاهي، ويفضل بعضهم كسر صيامه بفنجان قهوة وتدخين البيبة. وقليلون هم الفقراء الذين يكسرون صيامهم، وقد يعمد بعض أبناء الطبقتين الغنية والمتوسطة إلى التوقف عن الصيام سرًا. »يضع أبناء الطبقتين المتوسطة والغنية طوال شهر رمضان كرسي الإفطار في الحجرة التي يستقبل فيها رب المنزل زواره قبل الغروب بدقائق، وتثبت صينية مطلية فوق هذا الكرسي تزينها أطباق »النُقل والمكسرات« المختلفة مثل الزبيب والتمر والتين المجفف والكعك والبندق والجوز وبعض أواني الشربات المصنوع من السكر والماء.. ويتناول رب المنزل بعد أذان المغرب كأسًا من »الخشاف« أو الشربات مع بعض أفراد عائلته أو أصدقائه، ثم يؤدون صلاة المغرب ويأكلون بعدها شيئًا من »النُقل والمكسرات« ويدخنون، وبعد ذلك يتناولون »الفطور« الدسم من اللحم وغيره من أطايب الطعام، ثم يؤدون صلاة العشاء وبعدها صلاة التراويح...«. »يتناول المسلمون فطورهم في منازلهم بشكل عام، وبعد ذلك بساعة أو ساعتين يمضون إلى منزل أحد الأصدقاء، ويرتاد بعضهم المقاهي حيث تتم اللقاءات الاجتماعية، أو يستمعون إلى رواة السير والحكايات الشعبية، أو عزف الموسيقى من الموسيقيين الذين يسلونهم في كل ليلة من ليالي رمضان. وتمتلئ الشوارع بالناس طوال شطر كبير من الليل وتظل محلات بيع المشروبات والمأكولات مفتوحة.. ويقيم بعض علماء القاهرة حلقات الذكر في منازلهم كل ليلة طوال شهر رمضان...«. يدور المسحرون كل ليلة في شهر رمضان أمام منزل كل مسلم لينبهوا إلى موعد السحور في ساعة متأخرة. ولكل »خط« (حي) في القاهرة مسحرها الخاص فيحمل في يده »بازًا« صغيرًا أو ما يعرف »بطبلة المسحراتي« وفي يده اليمني عصا صغيرة أو قطعة من الجلد يدق بها على طبلته، ويرافقه في جولته صبي يحمل قنديلين على عود من جريد النخل. ويتوقف أمام كل منزل ويضرب طبلته ثلاث مرات وهو ينشد مناديًا بالصلاة علي النبي عليه الصلاة والسلام وبعبارات التوحيد ويقول »إصحَ يا فلان وحد الرحمن«... »... ويتجول المسحر قبل الإمساك بساعة ونصف تقريبًا ليوقظ الناس أو يذكرهم بتناول الطعام في المنازل التي تقع في دائرة اختصاصه فيقرع الأبواب وينادي حتى يسمع سكان المنزل نداءه...«. (*) تنشر هذه المقالة (مقتطعة) بالاشتراك مع مجلة »الكتب، وجهات نظر« القاهرية.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة