As Safir Logo
المصدر:

»صبيان وبنات« لنصر الله يستدعي »مرسيدس« و»المدينة« الواقع نفسه والرجل نفسه من الوثيقة الى الدراما

يسري نصر الله
المؤلف: جرجورة نديم التاريخ: 2000-11-30 رقم العدد:8770

السابعة مساء غد الجمعة، في الأول من كانون الأول المقبل، يُعرض في »بيت زيكو« (سبيرز، الطابق الأول) فيلما وثائقيا بعنوان »صبيان وبنات« (علما أن ترجمة عنوانه الفرنسي هي: »عن الصبيان والبنات والحجاب«)، حقّقه المخرج المصري يسري نصرالله في العام 1995، وذلك في إطار برنامج »نادي السينما الخط المباشر«، للشهر الأخير من العام الجاري، الغني بعناوين لافتة للنظر في حرص النادي على تقديم صُوَر مختلفة من النقاشات الاجتماعية والسياسية والحياتية، في أعمال مخرجين ذوي حس إنساني رفيع المستوى في التزاماتهم الفكرية والجمالية. يتضمّن البرنامج المذكور ثلاثة أفلام تلي »صبيان وبنات«: »هنا وهناك« (فرنسا فلسطين، 1976) لجان لوك غودار، وثائقي صُوّر في العام 1970 مع الفصائل الفلسطينية في الضفة الغربية؛ »صمت نيتو« (غواتيمالا، 1995) للويس ارغيتا، عن يوميات النزاع الدامي بين الحركة الوطنية الغواتيمالية والهيمنة الأميركية، في العام 1954؛ و»زد« (فرنسا، 1969) لكوستا غافراس، حول الصراع الدائم بين الأحرار والديكتاتوريين. هنا كلمة عن شريط يسري نصرالله. في فيلمه الأخير، وهو الثالث له في المجال الروائي الطويل بعد »سرقات صيفية« (1988) و»مرسيدس« (1993)، الذي حقّقه منذ نحو عامين، بعنوان »المدينة«، اختار المخرج السينمائي المصري يسري نصرالله شخصية شاب يُدعى علي، من حي روض الفرج العتيق، يسعى حثيثا الى السفر الى فرنسا لامتهان التمثيل. وعلى الرغم مما يحتمله هذا المسعى من تداعيات اجتماعية وانسانية خفية في طيات معالجة درامية حادة، اخترقت الحيّز المكاني بكل تفاصيله وأنواعها، روى الفيلم حكاية الوجع الذاتي في خضم تحوّلات مجتمعية. كأن علي نموذجا للمأزق الشبابي المتعدد الوجوه، في لحظة المواجهة الحتمية مع القدر والمجتمع والناس. في هذا الفيلم، تعاون نصرالله مع الممثل باسم سمرة (ثلاثون عاما)، لتأدية دور ذاك الشاب علي، المتمرّد بقلق، المتألّم بصمت، المشبع صدمات وانكسارات، والباحث عن عشقه الأول، التمثيل. لكنه وجد نفسه أسير معاينة قاسية لكل الأوجاع الشبيهة، التي انبثقت فجأة (ربما) من عمق المدينة الفرنسية، بل من قاعها المليء بالمهمّشين والمُشرّدين واللاجئين، ذوي الأحلام المُجهضة والخيبات الدائمة. لم تكن الكتابة على شريط »صبيان وبنات« ممكنة، من دون الإشارة الى تلك الشخصية التي حاولت، في النهاية، أن تتصالح مع ذاتها، وأن ترمّم مسارها وبنيتها وعلاقاتها، بعودتها الى المنزل الأبوي مُحمَّلة بالجراح والهزيمة، إثر صدمة العجز عن تحقيق الرغبة، مع أن علي وقع ضحية ألاعيب خبيثة قام بها البعض للتخلّص من مأزقه؛ في حين أن العودة اتّسمت بتساؤلات عن المعنى والتواصل والتفاصيل الموجعة. أيا يكن، فإن باسم سمرة نفسه، الذي اشتغل مع يسري نصرالله في »مرسيدس«، شكّل المحور الأساس لهذا الفيلم الوثائقي، كما لشريط »المدينة«: يريد باسم أن يصبح ممثلا (لا يتردّد عن المشاركة في اختبارات الأداء الخاصة بأشرطة إعلانية متلفزة)، ويتعرّض لضغط الأهل والمجتمع (»يجب« أن يقترن ب»ابنة الحلال«)، ويواجه والده لاختلاف »النظرة (بينهما) الى الأمور والحياة«. ألم يكن علي، في »المدينة«، امتدادا ما لباسم سمرة في »صبيان وبنات«؟ مع هذا، لا تتشابه الشخصيتان، في الفيلمين، كلّيا، مع أن من يشاهدهما يظن لوهلة امكانية أن يكون الثاني تطويرا ما للأول، في بعض العناوين والتفاصيل: في الشريط الوثائقي، الأقرب الى روائي يحلّل المجتمع وناسه من دون الغرق في خطابية القراءة المسطحة للمآزق والمعاناة، ظهر باسم سمرة في وجوه يومياته العادية، شابا يعاند القدر، مع أنه عاجز عن التغلّب عليه تماما، على الرغم من قوة المعاندة. وفي الروائي، الذي أنجزه نصرالله بعد أعوام قليلة على تحقيقه »صبيان وبنات«، تحوّل سمرة الى شخصية درامية اختزلت هذه المآزق والمعاناة في حضورها وحركتها، كما في هواجسه وانكساراته. في الوثائقي، بدا سمرة مرآة (شفّافة، لكن قاسية في نقلها الواقع) للمجتمع؛ وفي الروائي، تحرّر الممثل الشاب من هذا الواقع المباشر، كي يصنع من المرآة صورة حيّة للغليان المتفشّي في بنية مجتمع مصاب بالخيبات والهزائم، بعيدا عن المعنيين السياسي والعسكري المباشرين. في »صبيان وبنات«، تجوّلت كاميرا يسري نصرالله في أزقة الشوارع والذوات البشرية وأفكارها، بلغة نابضة بعفوية ما في ترجمة حقائق اعتاد الناس عيشها؛ والمخرج، في كل ذلك، يلقي ضوءا على موروث تربوي ثقافي مخيف بتناميه البشع. وفي »المدينة«، بات علي باسم سمرة كاميرا قاسية في تشريحها النفس والروح والعلاقات، وفي روايتها قصة الخيبة الدائمة والتحدّي الدائم. يستطلع »صبيان وبنات« أحوال الشباب في مصر التسعينات، ويتناول تحديداتهم الخاصة بمفاهيم العلاقات الثنائية بين الصبيان والفتيات، بمختلف وجوهها، من دون تناسي ظاهرة الحجاب ودلالاتها الاجتماعية وتأثيراتها النفسية والانسانية. فعلى مدى سياق الشريط الوثائقي (نحو سبعين دقيقة)، يتابع المُشاهدون يوميات باسم سمرة، العاشق الولهان بالتمثيل أولا: المنزل الأبوي والتفاصيل الصغيرة (طعام الفطور، حلاقة الذقن، العلاقات المتحكمة بين أفراد العائلة المؤلّفة من خمسة أشخاص...)، المدرسة (يُدرّس باسم سمرة في إحدى المدارس المهنية)، وصولا الى حلقات الصداقة والسهرات التي تكشف عن رؤى شبابية متنوّعة ترتبط، أساسا، بمضمون الفيلم: العلاقات الثنائية بين الشباب والصبايا، من المناخ العاطفي الى مفهوم الجنس، على خلفية التقليد الاجتماعي المتوارث، وطغيان الحالة الدينية، المتطرّفة أحيانا، التي تنامت بقوة، منذ مطلع التسعينات. في واحد من حواراته الصحافية، العام الفائت، قال يسري نصرالله عن »صبيان وبنات«، انه فتْحٌ ما بين قوسين: »الحب في ظل الحجاب«. أضاف أن »المجتمع العربي مهووس بالجنس، لكنه لا يتكلم عنه أبدا. عندنا مقولة خبيثة تؤكد ذلك: إعمل ما تريد، لكن في السر، كي لا يتحوّل الكلام على الجنس الى ثقافة، وكي نعيش في عقدة العيب. هذا غلط ومرفوض. هذا القمع هو الذي يرسم لنا من خارج قيمنا الذاتية ومعاييرنا خطوط الصح والغلط«.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة