من خلال توظيف دراميّ ينقلب على ثنائيّة الإغراء/ الابتذال، يقدّم مسلسل «حارة المشرقة» سلاف فواخرجي في دور شهيرة، وهي شخصيّة تتعارض مع شخصيّات أدتها الممثلة السوريّة في مجمل أعمالها. يفتح الدور هامش التجريب أمام فواخري، في سياق أحداث المسلسل الذي أنتجته «المؤسسة العامة للإنتاج الإذاعي والتلفزيوني» واقترب عرضه على قناة «أبو ظبي دراما» من نهايته. تدور الأحداث ضمن مجتمع مديني، في حارة افتراضية. ترتكز حبكة العمل على قصّة شهيرة، وهي امرأة جميلة لعوب متزوجة من عيد (محمد حداقي) أستاذ المدرسة الذي أُصيب بالفصام نتيجة تعرّضه للإهانة ونفيه إلى مدرسة نائية، لرفضه التلاعب بعلامات ابنة مسؤول. تتشارك شهيرة مع السمسار أبو مالك (عبد المنعم عمايري) بتجارته المشبوهة عبر السفر إلى بيروت، وتحصل بواسطته على حبوب مخدرة تعطيها لزوجها حتى يهدأ. بالتوازي، توقع أبو عبدو (أيمن رضا) في شباكها، وهو صاحب ورشة تصليح سيارات، وتسلبه ماله. وانطلاقاً من هذا الخطّ، يستعرض العمل مقولاته حول الفساد وتبييض الأموال وتهجير الكفاءات العلمية من البلد. استطاعت فواخرجي أن تشكّل رافعةً للعمل بأدائها الذكيّ لدور امرأة مغرية، من دون تكلّف أو ابتذال، ومن دون نظرات ماكرة أو ملغّمة. إنّه على الأرجح دورٌ لم يكتب ليتوافق مع نموذج مسبق محدّد الأطر. يعقلن العمل الشخصيّة الوصوليّة، من دون أن يجعل الجسد موضوعاً، بل حاملاً لفكرة، من خلال الأزياء، والحركة، والألفاظ، إلى جانب الطرافة، وبعض ملامح الطيبة التي تلجأ إليها شهيرة لإخفاء دوافعها الحقيقيّة. نرى امرأة جميلة، تستغلّ جمالها للتلاعب بالشخصيّات، كأنّنا أمام «ممثّلة في ممثّلة». لم تطلّ فواخرجي كصورة واحدة لا في المظهر العام للشخصية ولا في سلوكها أيضاً، ما يخلق أبعاداً جديدة لأداء أدوار المرأة اللعوب على الشاشة العربيّة. على خطٍّ دراميّ موازٍ، يأخذنا مخرج العمل ناجي طعمي إلى حياة مثقّفي المقاهي، لفتح الباب على شكل آخر من الفساد السائد في البلد. نستمع إلى حوار بين أبو محمود (أسعد فضة) وزوجته (فيلدا سمور)، وأبو لؤي (زهير رمضان) وزوجته (سلمى المصري)، ومنتصر (محمد خير الجراح)، حول السياسة والشعر والدين وفساد المدراء والمؤسسات. تنمّ حوارات العمل التي كتبها أيمن الدقر، عن واقعية مفرطة، إلا أنّ الكاميرا لم تفرض شروطها على النصّ، لدرجة بدا في بعض المشاهد وكأنّه لا يزال في طور «الخام». تعتمد الكاميرا في معظم المشاهد على العام، لقطات بعيدة تركز على العائلة وعلى العلاقات بين البشر. بتصاعد وتيرة الأحداث، تتخلص الحوارات من الملل الذي كان مسيطراً في الحلقات الأولى، وساهمت فيه بشكل واضح مشاركة مواهب جديدة، لم تأخذ حقها من النُصح الإخراجي. وبوصول «حارة المشرقة» إلى الحلقة الخامسة والعشرين، ثمّة تغيير واضح في تعامل الكاميرا مع المشهد، وكأن ناجي طعمي انتقل إلى التركيز على حالات فنية مؤنثة تتمحور حول شهيرة، بدءاً من ألوان الصورة والأزياء والماكياج وتسريحات الشعر. تتعزّز شيئاً فشيئاً صورة التأنيث في الحلقات الأخيرة من العمل، وهي صورة كان من المفترض التعويل عليها منذ بداية العمل.