As Safir Logo
المصدر:

ليلى شهيد: إبنة »الحكيم« التي أنقذت محمود درويش

المؤلف: ابو فخر صقر التاريخ: 2000-11-25 رقم العدد:8766

كان مشهد الرئيس جاك شيراك على درج الأليزيه، وهو ينحني ليهمس في أذن ليلى شهيد بعض الكلمات، مدعاة للعجب والتساؤل: ماذا قال الرئيس الطويل القامة للسفيرة القصيرة في أثناء وداع الرئيس ياسر عرفات؟ من أين جاء هذا الود المتسربل بالاحترام بين الرئيس والسفيرة؟ كانت ليلى شهيد قد تقدمت باستقالتها الى الرئيس عرفات لأسباب تتعلق بالتدخلات المتتالية في شؤون عملها، وعندما علم الرئيس شيراك بذلك طلب من عرفات إعطاءه ورقة الاستقالة. وعلى درج الأليزيه أخبرها هامسا انه مزّق بنفسه كتاب الاستقالة. تُفصح هذه الحادثة عن التقدير الكبير في الأوساط الفرنسية للمرأة العربية الوحيدة في نادي الدبلوماسيين العرب في باريس، ولعلها المرأة الوحيدة أيضا بين ثمانين سفيرا لدولة فلسطين في أنحاء العالم. بيد ان ليلى شهيد ليست مجرد سفيرة ناجحة ودبلوماسية محترفة فحسب، بل انها امرأة تمتلك ثقافة رفيعة وصديقة لكبار المثقفين والمبدعين العرب من عيار ادوارد سعيد ومحمود درويش والياس خوري وغيرهم. حتى ان جان جينيه مدين لها بالكثير عندما كتب نصه الرائع »أربع ساعات في شاتيلا«، فهي التي ساقته الى مخيم شاتيلا ليرى بأم عينه الجثث المتناثرة وهي لما تزل بعد طرية الدم واللحم، واستضافته في منزلها في بيروت ودفعته الى كتابة هذا النص المتوهّج. ثم ساعدته على كتابة »الأسير العاشق« إبان إصابته بالسرطان، فكانت تمسك رأسه بيديها لتخفف عنه آلام دائه. ليست طبيبة، ولكنها ابنة أشهر طبيب دم في الشرق الأوسط. ولعلها، بسبب هذه الصلة، أنقذت محمود درويش من موت محتم. ففي 17/3/1998 جاء منزلها في باريس وعلى محيّاه عوارض الإرهاق، فاكتشفت انه ربما كان وضعه الصحي سيئا، واقترحت عليه الخضوع لفحص طبي، لكنه رفض متذرعا بأن الأمر لا يستحق ذلك. غير انها ألحّت عليه، بل أرغمته على الانتقال الى المستشفى بعد ان تردد كثيرا. وفي المستشفى اكتشف الأطباء انه كان على وشك الموت، فأسرعوا في إجراء عملية جراحية له في 19/3/1998، وبقي عدة أيام مشرفا على النهاية في غرفة العناية الفائقة. * * * ولدت في بيروت سنة 1949 بعد ان هاجرت عائلتها من فلسطين جراء النكبة. والدها منيب شهيد حيفاوي الأصل، وأحد أهم الاختصاصيين بأمراض الدم في الجامعة الاميركية في بيروت. وجدّ أبوها لأمه هو البهاء نفسه، مؤسس الدعوة البهائية والمدفون في البهجة بالقرب من عكا. عاشت في عائلة حسينية خالصة، فوالدتها سيرين الحسيني إبنة جمال الحسيني زعيم الحزب العربي الفلسطيني وآخر ممثل للهيئة العربية العليا في الأمم المتحدة قبل صدور قرار التقسيم في 29/11/1947، وخالتها جمانة الحسيني الرسامة الفلسطينية المشهورة. وهي نشأت في أجواء خالتها ملك وخالها حسن صهر آل سلام البيارتة، وأختاها زينة، وميّا زوجة داود شارل القرم، فهي فلسطينية ولبنانية في آن واحد. ومثلما جمعت في عائلتها لبنان وفلسطين، جمعت المشرق العربي الى المغرب العربي حينما تزوجت الكاتب المغربي محمد برّادة رئيس اتحاد كتاب المغرب سابقا الذي تعرفت إليه في تونس. سكن أهلها في منزل يقع عند آخر خط التراموي في رأس بيروت. ومنذ طفولتها كانت معطاء جدا، وكانت تشتري كميات كبيرة من الحلوى او اللبان من دكان بقال من آل الغلاييني لتوزعها على رفاقها في المدرسة. وعندما سُئلت عن الأمر قالت إنها لا تحتاج الى »خرجية« من والدها، فالبقال يقول لها دائما: »على الحساب«، وهي لا تدفع له أي قرش. درست في الكوليج بروتستانت في بيروت، وتخرجت في الجامعة الاميركية سنة 1967 وكانت رسالتها للماجستير عن مخيم برج البراجنة. وفي باريس التي سافرت إليها للدراسة تولت رئاسة الاتحاد العام لطلبة فلسطين فرع فرنسا من سنة 1975 حتى سنة 1976، فكانت أول امرأة تتولى هذا الموقع. وفي سنة 1976، إبان حصار مخيم تل الزعتر، التحقت بمكتب منظمة التحرير الفلسطينية في باريس وبقيت تعمل في إطاره حتى سنة 1989 عندما عُينت ممثلة للمنظمة في إيرلندا. وفي سنة 1990 انتقلت الى أمستردام وظلت في بلاد الطواحين حتى 23/8/1993 حينما أصبحت سفيرة لدولة فلسطين لدى فرنسا والمندوبة الدائمة لفلسطين في الأونيسكو. بعد محمود الهمشري الذي اغتيل في باريس في 8/12/1972، تمكن عز الدين القلق من ان يقتحم أوساط النخبة الفرنسية من باب الثقافة، فهو كان رساما وكاتبا وشاعرا. وورث ابراهيم الصوص مكانته باعتباره عازفا على البيانو. لكن ليلى شهيد جمعت الى ذائقتها الفنية الرفيعة شغفها بالأدب والمبدعين، فضلا عن حنكتها السياسية وقدرتها على الحوار ومساجلة الأخصام، فصارت وجها إعلاميا ودبلوماسيا بارزا في فرنسا ولا سيما ان مواقفها السياسية تصدر عن امرأة لها تكوين ثقافي مميز يحميها من ابتذال الخطاب الديني المعاصر، فهي تقول: »البعد الديني، في موضوع القدس، ذو طابع قبلي. يجب الخروج على الموضوع الديني ومعالجة المسألة على المستوى القومي«. وفي سياق عملية السلام لا تنفك تخاطب العقل الأوروبي بالمفردات التي يمكن ان تتسلل الى سريرته والى عقله فتقول: »لن تكون هناك إسرائيل من دون فلسطين، ولا فلسطين من دون اسرائيل. نحن وجهان لعملة واحدة. إننا مرتبطون بحبل سري يجعل تاريخنا أقرب الى تراجيديا اغريقية. لقد تبادلنا الرفض خلال سنوات طويلة، وينبغي الآن ان يقبل بعضنا البعض الآخر«.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة