تطرح السينما العربية في سنواتها الأخيرة أسئلة كثيرة ـ حتى وإن تجاوزنا منها المتعلقة بمستواها الضعيف، وانحيازها التام للتيمات الموغلة في التجارة والضحك، الأسئلة التي نقصد تلك التي تمس اختفاء أنماط ومواضيع كانت حاضرة بشكل طبيعي كما يجب أن تكون دائما، وتحت هذا المدخل يحق لنا أن نتساءل مثلا أين اختفت القبل التي كانت تتخلل مشاهد كثيرة في السينما العربية؟ إن فيلما واحدا مثل «أبي فوق الشجرة» 1969 إخراج حسين كمال، وبطولة عبد الحليم حافظ، ونادية لطفي وميرفت أمين، يضاهي في عدد القبل التي تضمنتها مشاهده أفلاما أنتجت في عقود من الزمن. القبلة صارت غريبة القبلة في السينما صارت غريبة حتى إن وجدت بوفرة، وهناك فرق كبير بين القبلة في سينما الأبيض والأسود وما جاء بعدهما، وبين القبل في سينما اليوم، ويمكننا أن نميز بينهما بما يلي: 1 ـ المضمون: أفلام الماضي كانت مبنية بطريقة كلاسيكية بسيطة؛ هناك علاقة بين البطل والبطلة تأتي القبلة في سياقها، تعبر عن الحب، السينما في تلك الفترة كانت تقدم الانطباع عن المجتمع العربي وأحلامه. أما القبلة اليوم فهي أقرب إلى كونها منتزعة، قُبل الحب صارت نادرة الحدوث في مقابل قبل تأتي في سياقات أكثر عنفا. 2 ـ السياق العام: الجمهور والمخرج كانا في شبه تواطؤ في الماضي، وكأنهما يلعبان لعبة يجيدان هما الاثنان قواعدها كما يقول كليطو عن السرد، كان المخرج يعرف حاجة الناس لمشاهدة أفلام تعكس واقعا جميلا فيه حب ومرح، وهناك تعليق ينسب لجمال عبد الناصر عن فيلم أبي فوق الشجرة «خلي الناس تنبسط» وهو يلخص نظرة الناس للقبل في السينما. في المقابل الجمهور كان في هذا الوقت المبكر، يتقبل ويستمتع بالسينما ومشاهد القبل فيها، الظاهرة التي كادت أن تصير عادة تلقي. لكن مع مرور الوقت، أصبح العنف الموجه ضد هذه الأفلام يزداد، وأصبح المخرج يحترز في مشاهده، وانقسم الممثلون في آرائهم حول قبول أو رفض تأدية مشاهد فيها قُبل. 3 ـ تراجع الثقافة الفنية: يعتبر هذا السبب أساسيا في معرفة ظاهرة اختفاء القبلة من السينما، لأن الثقافة الفنية تراجعت بشكل مخيف، حتى لدى الفنان نفسه، رغم تطور الإعلام ووسائله. إن مناهج التدريس مسؤولة عن ذلك، فليس هناك تربية تمكن من التواصل مع الفيلم السينمائي داخل إطاره الذي يمثله، كقصة مصورة يؤديها ممثلون على الشاشة. في مقابل ذلك هناك تنامٍ لثقافة أخرى معارضة ورافضة للفن وأشكاله، تستند على الدين في تبريراتها. والمسألة الخطيرة في موضوع القبلة هو اختفاء القبل المجسدة لمشاعر الحب والجمال؛ بين البطل والبطلة، وبقاء قبل أخرى تجسد القبح؛ قُبل الذل والمهانة؛ تقبيل اليد، تقبيل الجزمة، تقبيل الرأس، سواء في مشاهد أفلام أو في حواراتها، حتى أصبحت لغة تداول يومي بالإضافة إلى تنامي سينما العنف وإقبال الناس عليها. فالمجتمع العربي صار يحتفي بالمهانة والعنف أكثر من الجمال، فهناك إحساس جماعي عنيف يتنامى ضد مفاهيم الجمال وصوره، وتصاعد لغة التحريم والتجريم، وفي هذا المناخ لا يكون للقبلة معنى داخل الفيلم السينمائي حتى إن وجدت. القبلة وبناء الفيلم ما يثار من نقاش حول وجود قبل في بعض المشاهد، وتبرير تنفيذها، سواء من طرف فنانين أو نقاد أو جمهور، هو نقاش في غير مساره الصحيح، إذ يستند الكل على مبدأ التبرير الدرامي للقبلة داخل المشهد، وهذا وإن كان منطقا صحيحا باعتبار سير الأحداث وترابط الحكاية فكودار نفسه يرى أن: أفلام الجنس يجب أن تخضع لقصة ما. لكننا نعتبر هنا أن المنطلق يجب أن يكون حرية الفن أولا، ثم التبرير الدرامي ثانيا، فمن حق الفن أن يعبر عن قضاياه بوسائله الفنية من دون ضغوط تنظر إليه من خارجه والجمهور. إن انحياز السينما إلى مشاهد جنسية بطريقة مبتذلة هو قطيعة الثقافة السينمائية مع السينما في شكلها التحرري، ما ولّد لدى الجمهور رغبة لمشاهدة مشاهد جنس في السينما بغض النظر عن كيفية تقديمها، وإن كان العكس هو الذي حصل أي أن السينما استمرت في سياقها الفني التصاعدي بغير تأثر بالتقلبات السياسية، فكانت سترفع من قيمتها الفنية ولم نكن لنشاهد سينما بئيسة ـ ليس بنوعية مشاهدها ـ بل ببنائها الضعيف وافتقارها إلى رؤية. فالأمر سائر الآن إلى زوال مجموعة من عادات التلقي التي تسم علاقة الجمهور بالسينما خصوصا في ظل انتشار لغة العنف والمنع. لأن السينما صورة لنمط الحياة التي تعيشها المجتمعات، وما نعيشه اليوم لا ينذر بحال أفضل للسينما أو غيرها من الفنون. (ناقد سينمائي مغربي)