As Safir Logo
المصدر:

»السفاح الأعمى« لمارغريت آتوود التي فازت بجائزة بوكر 2000 رواية داخل رواية داخل رواية

آتوود المتعددة المواهب
المؤلف: محيدلي فوزي التاريخ: 2000-11-24 رقم العدد:8765

رواية مارغريت آتوود الاخيرة »السفاح الاعمى« نالت جائزة بوكر 2000 البريطانية. ميل غاسو كتبت في الهارولد تريبيون مقالة بعنوان »مارغريت آتوود تتحدث عن الرؤيا والتضحية«. وفي ما يلي مقاربة لهذه المقالة. خلال زيارة حديثة لمارغريت آتوود الى نيويورك من اجل نشر روايتها الجديدة »السفاح الاعمى«، تحدثت المؤلفة عن عمة اصيبت مع نهاية عمرها بالعمى والعجز. وحين سأل الاقارب تلك العمة عما كانت تفكر به في وحدتها خلال ايامها الطويلة، اجابت: »وأنا مستلقية هنا كتبت قصة حياتي، وحين ابلغ النهاية سأغلق الكتاب«. صرحت آتوود بأن رد عمتها »يمكن ان يشكل المفتاح لروايتها وهذا امر لم افكر فيه قبلا«. وأضافت: »اعتقد ان الطابع او الشكل السردي للكتاب يشكل بالنسبة للعديد من الناس استعارة مجازية للحياة«. لدى كل انسان قصة ليرويها، و»احيانا لا يقوم الناس سوى بتنظيم امور حياتهم«. لا تمثل ايريس تشايس غريفين، وهي الشخصية الاساسية في »السفاح الاعمى«، عمة اتوود بالتحديد، ولا هي ايضا جدتها، لكن ثمة، من بعض الاوجه، صلة لها بهما، من مثل قيام ايريس في الثانية والثمانين من العمر بإلقاء نظرة استرجاعية على حياتها وحياة بلدها كندا على مدار القرن العشرين. تقدم آتوود من خلال هذه الرواية التي تحمل الرقم 12 ضمن مسيرتها الروائية دليلا اضافيا على مركزها الرفيع في عالم الادب. وهي اثبتت اساسا من خلال اعمالها القصصية والروائية وعبر شعرها ومقالاتها انها اديبة متعددة البراعات والمواهب. عام 1996 حازت جائزة غيلر الكندية على عملها »فضل الياس«، وآتوود الآن ضمن عداد اعضاء لجنة الحكم لتلك الجائزة. كذلك حظي عملها »السفاح الاعمى« باستقبال جيد من قبل النقاد، لا سيما في انكلترا، واحتل لدى نزوله مباشرة الى الاسواق مكانة ضمن قائمة افضل المبيعات في النيويورك تايمز. الكتاب عبارة عن رواية داخل رواية داخل رواية. ثمة داخل ذكريات ايريس قصة عن عشاق يلتقون سرا، ويختلقون فنتازيا من نوع الخيال العلمي (القصة الاكثر إيغالا بين القصص الثلاث) حول سفاح اعمى. وتتطور الأمور لتضيء في النهاية كل قصة على القصص الأخرى. ضوء على أشياء حياتي نرى إيريس تكتشف شيئا فشيئا معلومات ضرورية عن اختها لورا، عن زواجها هي التعيس، وعن الاكاذيب والتسويات داخل العلاقات الانسانية. تعلن الجملة الاولى عن انتحار لورا: »بعد انقضاء عشرة ايام على انتهاء الحرب قامت شقيقتي لورا بقيادة سيارة وأسقطتها من فوق الجسر«. ويحتفظ الكتاب حتى الصفحة الاخيرة بإيحاء لغزي لا سيما بالنسبة للرواية المفترض ان تكون لورا قد تركتها كميراث. تتميز رواية »السفاح الاعمى«، كما اعمال آتوود الاخرى، بكتابة ليريكية وتشابك السرد، الى حد ان القارئ غالبا ما يفاجأ بالأحداث. وثمة حذق لعوب يتبدى في الحوارات المليئة بالملاحظات الساخرة والاشارات الادبية. ويتخلل كل ذلك احيانا ضحك تآمري ماكر. وعلى العكس صورة آتوود العامة الصارمة، تتميز شخصيتها بجانب عابث ونقدي تجاه من يعلقون عليها. حين سئلت حديثا عن رأيها بكتابي سيرة وضعا عنها ولم تأذن بكتابتهما، اجابت انها لا تفكر بقراءتهما، وأضافت لأن ذلك »سيقودني الى الجنون، فأنا اعرف نفسي، وهما لا يعرفانني«. تقول آتوود عن فن السرد »ينقل عن فرجينيا وولف قولها ان كتابة رواية اشبه بالسير داخل غرفة معتمة مع حمل قنديل يضيء على الاشياء التي طالما كانت موجودة هناك. اعتقد ان الكثير من الاشياء الواردة في عملي »السفاح الاعمى« كانت موجودة دائما في حياتي وفي العالم، بيد انها دخلت الرواية لأنني حملت القنديل«. فكرة الرواية اتتها اثناء كتابتها »فضل الياس«. يومها وتحت اسم مغاير اوحت شخصية ايريس بالإطار السردي للعمل، لكن آتوود اهملت هذه الشخصية ورمت بها مع شخصيات اخرى في الدرج. ثم حدث ذات يوم، كما تقول الروائية، ان انفتح الدرب وأطلت إيريس. وكما هي الحال مع الإلهام بالنسبة للاعمال الاخرى، تسمي الامر »خاطرة طارئة« ادركت معها ان بمقدورها استخدام إيريس كبطلة للقصة التي ترويها الشخصية. شجرة عائلة تبدأ آتوود عادة برسم بياني، هو عبارة عن شجرة عائلة للشخصيات، فتورد تاريخ ميلاد كل منها، الى غيرها من الاحداث. »الامر اشبه ما يكون بمحاكمة، حيث عليك ان تعرف بالضبط اين كنت مثلا ليلة السادس والعشرين من تشرين الثاني«. ومن عادة آتوود التدقيق والحذر لناحية عدم اقتراف اخطاء واقعية ضمن عالمها الخيالي الذي تخلقه في الرواية. وبالتحدث عن موضوع العمى، تشير الى العديد من الاعمال الادبية السابقة، بما فيها قصة ه. جي. ويلز »بلد العميان« وشخصية العمياء بو في »جزيرة الكنز« التي ارعبتها وهي صغيرة. وتتوقف لتعقب قائلة: »التضاد الشعري بين عيني الجسد والعين الداخلية، عين الرؤيا والتخيل، يحظى بأهمية كبرى عندي، لأسباب عديدة«. وتتابع، »بالطبع يعرف القارئ من هو السفاح الحقيقي. في نهاية الأمر، انه ايريس. بيد اني لا استطيع تفسيره دون التحدث عن نهاية الكتاب«. وكل ما تبوح به هو انه يحدث احيانا »ان يقوم الناس بأشياء دون ان يدروا ما يفعلونه«. مع ان النقاد قاربوا الكتاب عموما على انه يؤرخ لتاريخ عائلة، ترى آتوود انه يحكي قصة الشقيقتين اكثر منه قصة العائلة، ويمكن اعتباره حسب رأيها »قصة لجين اوستن ضمن جو اسود«. وتضيف الى توصيف عبارتها: ثمة مشاهد ذات جمال طبيعي، لكنها لا تنطوي على سعادة شعورية بالنسبة لإيريس. وهذا يذكر بقول الشاعر اللورد تنيسون: »قمة اسى الأسى تكمن في تذكر الاشياء الاكثر سعادة«. وتعقب آتوود: »اقول ان الاشياء الاكثر سعادة مطمورة في الرواية داخل الرواية«. بعد ان تصنف عملها »المرأة الشهية« بأنه مضاد للكوميديا و»الصعود الى السطح« على انه قصة اشباح، اجابت حين سئلت عن »السفاح الاعمى« ان »الرواية وعاء واسع، تقاوم كل التصنيفات«، الا انها اضافت في توصيفها للعمل قائلة، »تدور الرواية حول امرين: التضحية البشرية والكتابة«. ولدى سؤالها عما اذا كان الاثنان مختلفين كليا ام مترابطين قالت: »بالطبع هما مترابطان«، لكنها ترددت في اعطاء توضيح لذلك. وأضافت ان على القراء انتظار صدور كتاب المقالات الذي وضعته ولم ينشر بعد. آلة موسيقية ولدى الإلحاح عليها للتحدث عن العمل القادم اجابت انه »كتاب المقالات الذي يحمل الرقم ثلاثة، وسيحمل عنوان »الإله الكبير بان«، والإشارة هنا هي الى قصيدة اليزابيت براوننغ المعنونة »آلة موسيقية« حيث يقوم الإله الكبير بان بتجويف قصبة لتحويلها أداة موسيقية. تقول آتوود »يقوم ذلك الإله بالنفخ في القصبة مصدرا كل تلك الموسيقى البديعة«. وتضيف آتوود موضحة ان »عملية العزف تحول الانسان الى شاعر. لقد انفطر قلبه، وغدا قصبة خاوية، لكنها قصبة موسيقية بامتياز. هذه كانت الفكرة التي طوّرت في القرن التاسع عشر، وأيضا من خلال ت. س. إليوت. نحن هنا إزاء تضحية بالجزء البشري منك بطريقة ما الى الفن«. وتضيف انها لم تكن متأكدة بداية من إيمانها بذلك، ولكن ما جعلها تؤمن به »هو الطريقة التي ننظر بها الى الشخصية الفنية الكبيرة، اقصد تلك التي تضحي، ولهذا السبب تتمتع شخصية كل من سيلفيا بلاث وآن سكستون بالقوة والديمومة«. تبلغ آتوود اليوم الستين من العمر، وهي كما تقول عبارة عن »جرة قديمة« او الاصح، وكما استدركت مصححة »جرة اكثر قدما من ذي قبل«. وتتابع، »بمقدورنا استعمال كلمة النضج، فأنا بلغت مدار الحكمة الناضجة. اشعر بأنه بات بمقدوري في وقت قريب ان اقول للأصغر سنا، خاصة من يعانون اوقاتا صعبة، لا تقلقوا، سيكون كل شيء على ما يرام. لا تركبوا السيارة وترموا بأنفسكم من على الجسر. هذا ما تقوله إيريس«. هل آتوود مع القول: عش حياتك وتابع الكتابة قدر ما يسمح لك العمر؟ جوابها »ليست الكتابة ضرورة لازمة. كانت كذلك في ما مضى، لكن لا داعي لأن تستمر على هذا النحو. إذا ما تراءى لي ان ما اقوم به هو كتابة دليل التلفون، سأتوقف«. تتوقف آتوود قليلا لتضيف: »هناك دائما ذلك النوع من شد الحبال. إذا كنت مشغولا بالكتابة، فأنت لا تعيش، وإذا كنت تعيش فإنك لا تكتب. اذن، ماذا تختار ؟«

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة