As Safir Logo
المصدر:

»أزمة« في وفاة عبد الحفيظ قاسم

المؤلف: حمود ماهر التاريخ: 2000-11-21 رقم العدد:8763

ما كنت أظن ان وفاة الشيخ عبد الحفيظ قاسم ستمر بهذا الهدوء واللامبالاة، مقارنة مع ما كان يحدث من ضجيج واهتمام في فترة هامة من عمرنا السياسي في العامين 1983 1984. وكأن الجميع له مصلحة في طمس ذكره سواء من أحبوه ام من كانوا يخالفونه الاجتهاد السياسي والسلوك الوطني النضالي، وكأن الأولين لا يزالون يحسدونه برغم انه اصبح على ما يشبه الهامش السياسي والآخرون لا يريدون لتلك الفترة ان تذكر بخير. نذكره الآن جيدا لنذكر فترة غير عادية من حياة الوطن ظن فيها بعض البسطاء انهم يستطيعون ان يحكموا لبنان بإفرازات الاحتلال الاسرائيلي وظنوا ان لبنان قد دخل نهائيا في العصر الاسرائيلي وان المسلمين والوطنيين وسائر من كانوا يرون المقاومة الفلسطينية معبرة عن تطلعات وآمال الامة، وانها ليست مجرد بندقية وعملية عسكرية بل تعبر عن نهضة للأمة كلها تشكلت بهذه الطريقة، ان هؤلاء قد هزموا وانهم سيسلمون للأمر الواقع وسيرضون بأن تتغير هوية لبنان باتجاه التسليم بالعصر الاسرائيلي. لقد برز الشيخ عبد الحفيظ مرتين كاد يدفع حياته ثمنا لهاتين المرحلتين: أما الاولى فوقوفه في مواجهة تخطيط مدينة بيروت بعد العام 1976 حيث لم يؤخذ بعين الاعتبار وجود عقارات الأوقاف الاسلامية. وارتفع صوته حيث ظن البعض انه تجاوز كل الخطوط الحمر المسموح بها فكانت محاولة اغتياله الاولى حيث استشهد والده في نفس الغرفة واصبح جريحا يعاني من بعض جراحه حتى قضى مؤخرا. كانت محاولة اغتياله تحديدا في 16 أيار 1978 ولقد اشترك في القرار جهات عدة منها جهات عربية كانت تعتبر ان الشيخ قد أصابها في الصميم وهي جهات غير اقليمية. كانت هذه المرة الاولى انطلاقة محدودة في عقارات وقفية وانتقادا لدار الافتاء والمؤسسات الاسلامية »المتهاونة« في استخلاص عقارات الاوقاف من المخطط التوجيهي للعاصمة واتهاما مباشرا لرئيس الحكومة آنذاك سليم الحص بتقصيره في تمثيل المسلمين في ترتيب اوضاع الطائفة بعد حرب السنتين ومنها تلك الاوقاف والعقارات. ولقد اعترف الرئيس الحص بعد ذلك انه كان ضحية مؤامرة وان الذين خططوا لتلك المرحلة لبسوا ثوب الوطنية لكن كل تصرفاتهم كانت طائفية. أما المرحلة الثانية فأخذت طابعا وطنيا اكثر بعدا واكثر تأثيرا. ها هو يصدح بصوت هادر من اذاعة صوت لبنان العربي (المرابطون) محرضا أهالي بيروت على عدم التسليم لحكم أمين الجميل والاجهزة التي كانت تنفذ سياسته في تلك المرحلة ووصل به الامر بأن يدعو الناس الى حمل السلاح والى اطلاق النار على من يقتحم بيوتهم ذلك لان الاجهزة كانت تداهم البيوت وتعتقل من تشاء، تحت جنح الظلام، منهم من يعود ومنهم من توجد جثته ومنهم من يختفي بشكل كامل. لقد أصبحت خطبه، وعددها لا يتجاوز العشر او الخمس عشرة أي في مدة لا تتجاوز الاشهر الاربعة او الخمسة، اصبحت معبرا عن تطلعات أهل بيروت اولا ثم المواطنين جميعا بعد ذلك، فقد استقطبت خطبته وسائل الاعلام كافة ولم يقتصر مستمعوه على المصلين والمتدينين بل اصبح معبرا عن حالة شعبية عارمة تشكو من ممارسات لا يقبلها انسان ومحرضا من كان يسمعه في صيدا وغيرها على الجهاد والمقاومة في وجه المحتل الاسرائيلي. لقد كان انفجار الطريق الجديدة المشهور في كانون الاول 1983 موجها ضده. لقد حاولت السيارة ان تقف عند مدخل »زاروب« البناية التي يقطن فيها مع اهله لكنه لم يفلح، لقد كان شباب المنطقة يشكلون حراسا متطوعين يتناوبون على حراسة المكان دون تكليف من احد فانتبهوا الى السيارة التي انفجرت على بعد مئة متر تقريبا من مكان اقامته. ولقد عبر المشيعون وقتها عن تمسكهم بمواقف الشيخ عبد الحفيظ ورأيناه يحمل على الأكتاف خلال التشييع فيما توليت أنا تأبين الضحايا في جبانة الشهداء وتحريض المشاركين على الاستمرار في هذه المواقف وهذا النهج والذي منع المرحوم ان يلقي كلمة من شدة خوف المشاركين على حياته. لم تنته تلك المرحلة بذلك الانفجار وتلك المحاولات ولا بخلاف الشيخ عبد الحفيظ قاسم مع »ابراهيم قليلات«. انما استمرت بعد »ثورة« 6 شباط حيث أسس علنا »المجلس العسكري الاسلامي« في مشاكلة لفظية مع المجلس العسكري الكتائبي الذي كان يقود نظريا تلك المرحلة من الجزء الآخر من بيروت. كما أطلق اسم جبهة المقاومة الاسلامية ايضا على المجلس العسكري الاسلامي. ومن المفارقات المضحكة المبكية ان اسم »جبهة المقاومة الاسلامية« الذي تمسك به الشيخ رحمه الله كان مشهورا الى درجة انه احدث اشكالا عندما أرادت المقاومة في الجنوب ان تطلق اسما وكان من المفترض ان يكون اسمها جبهة المقاومة الاسلامية، لكن الخوف من الوقوع في الالتباس جعل المقاومة تستغني عن كلمة جبهة وتكتفي بكلمة (المقاومة الاسلامية) وفيما استمرت المقاومة الاسلامية وحققت الانتصارات وفتحت بابا غير عادي في مستقبل هذه الامة جمعاء. انطفأ اسم جبهة المقاومة الاسلامية ومعه اسم المجلس العسكري الاسلامي خاصة بعد ان انسحب منه من انسحب وانقلب عليه من انقلب وتبرأ من »زعامة« عبد الحفيظ من تبرأ. هنا لا بد ان نسجل ان نجاح الشيخ عبد الحفيظ قاسم (رحمه الله) في الخطب المنبرية وفي تحريض الناس واستقطابهم لم يوازه نجاح مماثل في قيادة الأرض، وفي الامساك بزمام الامور فوقفت امور صغيرة وكبيرة أمام استمراره كرمز للنضال وسكت حتى وفاته. لكن الذي جعله يسكت أكثر من أي شيء آخر تلك الفتن المتلاحقة التي حصلت في بيروت من فتنة حرب المخيمات الى التقاتل الداخلي الى اقصاء المرابطون وغيرها. حيث كان باستطاعة الشيخ رحمه الله بخطبه المنبرية المشوقة وبلهجته البيروتية غير المتكلفة وبجرأته البالغة ان يحرض الشارع وان يقف في وجه الفتن بشكل او بآخر. لكن هذا سيعني عند الكثيرين انه يحرض على فتنة مذهبية وانه يقسم الشارع وانه يقوم بعمل غير محمود. ومخاوفه كانت في مكانها دون شك فآثر الصمت والمراقبة وتجنب الفتنة ومن هنا نؤكد على تسميتها فتنة. (القاعد فيها خير من القائم والماشي فيها خير من الساعي، كُن في الفتنة كابن اللبون لا ضرعا يحلب ولا ظهرا يركب) كما قال صلى الله عليه وسلم ونقله عنه الامام علي كرم الله وجهه. انتهت تلك المرحلة التي تعني بكل وضوح ان الشعار الكبير يجمع ويطلق »الأبطال« وان الشعارات المذهبية والفئوية الصغيرة تذهب بهم وتمحوهم حتى من الذاكرة. من أجل ذلك أبكي الشيخ عبد الحفيظ اليوم مرتين، مرة لوفاته المبكرة (57 عاما) ومرة لانطفاء ذلك الصوت فيما بقيت أصوات تعلو. يؤسفنا اليوم مثلا ان نسمع أمين الجميل يتكلم وكأنه بطل وطني ويتم التطاول على الوجود السوري بتوقيت وألفاظ »لئيمة« فيما صوت هذا المناضل خبا منذ سنوات. لم يكن الشيخ عبد الحفيظ رحمه الله، حتى عندما كان رئيسا لاتحاد العلماء وحوله عدد لا بأس به من العلماء المجدين وطلاب العلم، لم يكن صاحب نظرية سياسية خاصة ولم يكن ينتمي الى اي من الحركات الاسلامية، كان أقرب الى المتدين منه الى العالم وأقرب الى رجل الشارع منه الى المقامات العلمية التي تفتي وتنظر وتمثل الموقف الاسلامي. وكان هذا سببا في انطلاقته غير المحدودة في وقتها وسببا في انطفاء جذوة عمله بسرعة بالغة ايضا. لقد حاول على سبيل المثال مندوب (النهار العربي والدولي) وقتها ان ينتزع منه »اعترافا« انه يطالب بإقامة دولة اسلامية او بأنه يريد أسلمة لبنان مثلا فلم يستطع بل حتى حاول ان يجد له علاقة بسوريا او بأي من القوى الفاعلة على الأرض في تلك الفترة فلم يستطع وظل الشيخ رحمه الله متمسكا بموقفه الذي يلخص بأنه ردة فعل على التجاوزات التي كانت تمارس على اهل بيروت خاصة وعلى الوطن عامة، دون ان يرسم خطة للمستقبل ودون ان يزعم لنفسه انه صاحب فكر خاص او حزب او فئة محددة. الموت حق ولا بد للرجل ان يأخذ حقه ولا بد للمرحلة من ان تؤرخ. تلك مرحلة مثقلة بالشجون والآلام. كانت تحكمها ايضا آمال عريضة واسعة لم تر النور واتخذت تلك الآمال اتجاها آخر. يكفي ان نشعر بألم شديد اذ ان بعضا ممن كانوا في اتحاد العلماء وقتها اتخذوا طريقا آخر فعوضا عن الموقف الصلب والتحريض »الثوري« والانفتاح على الجميع أصبحوا مع »الواقف« يبحثون عن مصلحة آنية على حساب مصلحة الوطن ومصلحة الاسلام واصبحوا يرون الاسلام من »خرم ابرة« فلا يدخل فيه الا من كان يؤمن بتفاصيل لم تكن في عهد الشريعة الاولى ولا عصر الصحابة والتابعين واصبحوا بكل بساطة يفتون بحرمة قتال اسرائيل لأن ذلك ليس في مستطاعنا، بكل بساطة وسذاجة، بل عمالة. فيما سطرت المقاومة الاسلامية تلك البطولات انقسمت فئات على فئات وخبت أصوات حق وغرق بعضهم في الترهات. وفاتك أخي الشيخ تذكرنا بأننا في أزمة وان هذه الازمة يجب ان تزول، ذلك ان أطفال الحجارة وابناء الشعب الفلسطيني بل ابناء الشرطة الفلسطينية اضافة الى حركة حماس والجهاد اضافة الى كل من فيه عرق ينبض بالحياة يحاولون ان يستمروا بما انجزته المقاومة الاسلامية في لبنان، بل ان يطوروه ويوسعوه وينشروه في كل مكان. أملنا ليس في بيروت الآن وقد اصبحت هويتها مؤقتا أقرب الى المال واهله منها الى المقاومة والجهاد وأقرب الى النفعية والانانية منها الى المصلحة العامة، حتى لو تفهمنا كل الأسباب التي أدت الى ذلك فلا بد ان نسجل ان هذه الهوية ليست هوية بيروت التي عرفناها خاصة في ظل خطب الشيخ رحمه الله عامي 1983 1984. إننا نستبشر اليوم بالتظاهرات التي تخرج في بيروت وبتشييع الشهيدين اللذين سقطا في تظاهرات الشريط الحدودي... وبالكلام الذي سمعه المتظاهرون في دار الفتوى يدعو الى تشكيل كتائب الجهاد... لمثل هذه المدينة ينتمي الشيخ عبد الحفيظ قاسم وننتمي نحن أيضا... أما طوارئ الأمور فلن تدوم. كل حال يزول وسيزول الهم بإذن الله، بأحجار الأطفال وتكبيرات الأبطال ودماء الشهداء، وما سينتج عن ذلك من وعي في ضمير الأمة ووعيها وآفاقها. وإن غدا لناظره قريب.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة