As Safir Logo
المصدر:

40 سنة على الحرب اللبنانية

كرة القدم من أندية مختلطة إلى فرز طائفي وحزبي

من مباريات نادي «النجمة حيث كان الجمهور يحتشد خلفه باعداد كبيرة (أرشيف ـ «السفير)
المؤلف: حيدر اسماعيل التاريخ: 2015-04-17 رقم العدد:13047

بين «ستاد المدينة الرياضية» ومكاتب نادي «النجمة» في محلة أبو شاكر مئات الأمتار، وبين الإثنين ملعب بيروت البلدي ونادي «الأنصار» وعلى بعد شارعين نادي «الصفاء»، هنا كان النجوم يكتبون تاريخ اللعبة وكانت الناس تتغنى بهم وتستمتع بمهاراتهم، ومَن لا يعرف عنهم قد لا يكوّن أي فكرة عن كرة السبعينيات، وتفاصيلها. ثلاثة أندية هي اليوم ركيزة أساسية لكرة القدم اللبنانية، تتواجد كلها في منطقة واحدة، لكن ميولها الإدارية تختلف في الاتجاه والدعم والجماهير. وبعيداً في مكان آخر من الجهة الشرقية لبيروت يتواجد ملعب آخر يحمل اسم الحي الذي يعجّ بالطائفتين «الأرمنية والمسيحية» فبرج حمود الذي كان دائماً مقراً لناديي «الهومنتمان» و«الهومنمن»، كان ملتقى أيضاً لـ«الراسينغ» و«الحكمة» و«الاستقلال» ولم يهدأ على مدار الحقبة التاريخية الماضية. تقسيم الميول والغايات هو التقسيم الذي فرضته الميول والغايات هنا وهناك، فتحول طائفياً بشكل بحت، ورغم أن الأمر لم يكن يعني للأندية أي شيء في البداية، لكنه شكّل جزءاً من التركيبة الطائفية الكروية وأجّجه التوزيع الديمغرافي للجماهير، فبات كل نادٍ يمثل شريحة واسعة من الناس. مخضرمون ونجوم من المسلمين والمسيحيين.. كان لهم جمهور آخر لا يخرج عن الأصول إلا أحياناً، فكل منطقة لها ظروفها وكيانها الطائفي الرياضي. لم نكن نعرف نحن معشر الشباب يومها، أن النفوس كانت تحمل هذا الكمّ من الكره أو التعصب الذي لا يمتّ للرياضة بصلة، ففي السبعينيات على سبيل المثال كانت جماهير «النجمة» تخرج من النبعة، الحيّ الملاصق لبرج حمود والذي ارتبط اسمه بالحرب وكان يقطنه عشرات الآلاف من الطائفة الشيعية بالتحديد، كانت تخرج هذه الجماهير جنباً الى جنب مع الجمهور البيروتي وآخر من الضاحية الجنوبية ليقفوا جميعهم خلف «النجمة» في أحلك الظروف، وهذه الفئة بحد ذاتها نسيج من الفقراء والناس البسطاء الذين كانوا يرون في هذا الفريق هويتهم ويجدون فيه مكاناً للتعبير عن بؤسهم، رغم البعد الجغرافي الذي يفصل بينهم وبين أحياء بيروت الأخرى. الفرز الطائفي تنغلق المدرّجات في اللحظات الحاسمة على نفسها فيقف الجمهور المسيحي ويتسلّح بفرقه ويتخذ من سيطرة ناديه «الراسينغ «التاريخية سبباً للوقوف خلف أنديته، إنه فرز طائفي، يحكمه التاريخ.. جمهور من الأرمن خلف «الهومنتمان» و «الهومنمن» يخرج ليترجم توجهات «الطاشناق» و «الهاشناق» الحزبين المتناقضين فكرياً وسياسياً، وفي الجهة الأخرى كانت فرق «النجمة» و «الأنصار» و «التضامن» تترجم الكثير من التوجّهات الأخرى التي هي على خط مناوئ للأندية المسيحية، فكانت المباريات أحياناً بين طائفتين تتنازعان السيطرة للتحكم باللعبة. كلها غرائز بقيت كامنة، وولدت نوعاً من الغبن والظلم حتى خرجت دفعة واحدة بعد تتويج «النجمة» في العام 72 وهيمنته على البطولة وتفوّقه بكل شيء، فـ «الراسينغ» الذي ظلّ لفترة طويلة وقبله «الهومنتمان» و «الهومنمن» يتم بين هذه الفرق تبادل السيطرة على البطولات جعل هذه الفئة تتوعّد وتنتظر حتى تحقق مرادها. امتداد لتراكمات تاريخية الخصم هو نفسه في الملعب وخارجه، إن كان بالتشجيع أو بالكلام أو بغيره، فلا أحد يستطيع أن يتنكر بأن كرة القدم اللبنانية هي امتداد لتراكمات تاريخية، كانت قبل الحرب، ثم انتقلت الى ما بعدها، تغير فيها الكثير من المكونات التي حملت بعداً سياسياً وطائفياً وتحولات في البنية والعقيدة. وتأثرت اللعبة كثيراً بالحرب، هي كانت قبلها ناراً تحت الرماد، وكأن الأندية التي اعتادت ان تجمع لاعبين مسلمين ومسيحيين، على مدى سنوات طويلة أخرجت مكنوناتها، على أرض الملعب، وبدأت فرزاً ديمغرافياً يتناسب مع ميول الإدارات فأصبح كل ناد له وظيفته التي تعبر عن فئة معينة تديرها الزعامات والتيارات السياسية. كانت اللعبة قبل الحرب عبارة عن أندية مقسمة حسب المناطق، اذ ان الاختلاط بين الطوائف يومها لم يمنع اللاعبين من اللعب في بعض الأندية التي هي بطبيعتها اسلامية أو مسيحية، لذلك كانت التشكيلات خليطاً ممزوجاً من كل الطوائف، من دون التفكير بالخلفيات وتوابعها، فالمهم أن يلعب اللاعب في ناد للدرجة الممتازة، لتسليط الضوء عليه، من دون حواجز أو عوائق كما حصل بعد ذلك. وعلى سبيل المثال فإن نادي «الراسينغ» الذي يصنّف في الخانة المسيحية كان يضمّ مجموعة لاعبين من الضاحية الجنوبية أمثال الحارس بسام همدر، وفضل السباعي وأحمد صالح ووفيق حمدان وغيرهم بعكس «النجمة» و»الأنصار» اللذين كانا يضمّان مجموعة لاعبين من الطائفة الإسلامية معظمهم من الضاحية والطريق الجديدة وبيروت والجنوب وغيرها ومن هؤلاء عدنان الحاج وابراهيم عزو ومحمد الأسطة وعبد الرحمن شبارو وجمال الخطيب ومحمد حاطوم وحسن شاتيلا، وفؤاد ليلا وغيرهم، ما يؤكد أن التوجّه النفسي، كان رياضياً في العلن، ولكنه طائفي في الأساس، وهذا أمر فرض حالة من الفرز الجماهيري فانقسمت بين مسيحية وإسلامية مؤيدة وكان «الراسينغ» و «الحكمة» الأساس في هذه العملية بعد دعم غير محدود على أساس الطائفة والمذهب. التغيير في تكوينة الاتحاد وساهم الشارع الكروي بفرز الأندية التي كانت منتشرة في بيروت الكبرى قبل أن تندلع الحرب وتنقسم إلى شرقية وغربية وتبدلت قيادة اللعبة منذ العام 1985، فبعد هيمنة «الطائفة المسيحية» على الرئاسة منذ العام 67، حيث ترأس اللجنة العليا حميد خوري، وكان جوزيف نالبنديان أميناً عاماً، حصل التغيير الكبير في المنظومة الرئيسية، بسبب الغبن الذي لحق ببعض الأندية والتحيز الفاضح الذي كانت تمارسه اللجنة العليا يومها بحق أندية على حساب أخرى بحسب الفرز الطائفي. وقد يمثل القرار الشهير في العام 74 الذي اوقفت به اللجنة العليا الموسم لأسباب غير مقنعة في نهاية مرحلة الذهاب قمة الغبن، لأن «النجمة» كان متصدراً وذاهباً للاحتفاظ باللقب، فأدى القرار إلى إلغاء الموسم من دون أي داعٍ. وعندما بدأت الحرب كان لا بد ان تترجم التوجهات الى تقسيم واقعي، حيث توزعت الأندية على البيروتين فكانت اندية «الراسينغ» و «الحكمة» و «الاستقلال» و «الهومنتمان» و «الهومنمن» و «السلام» في القاطع الشرقي، و «النجمة» و «الأنصار» و «الحكمة» و «الهومنتمان» في الغربي. ورغم ذلك لم يغب لبنان عن الساحة الدولية فشارك المنتخب بلاعبين مسلمين ومسيحيين في تصفيات «مونديال» 82، وتمكّن اللاعبون المسيحيون من اختراق خطوط التماس والتجمّع في مطار بيروت للالتحاق بتشكيلة المنتخب ومن هؤلاء طوني جريج وأميل رستم وطوني عيد وطوني رستم وغيرهم. وواصلت أندية المنطقة الغربية نشاطها من خلال اللعب بدورتي 16 آذار والأضحى، على ملعب «الصفاء» وشاركها بذلك نادي «الرياضة والأدب» الذي كان يقطع المسافات للعب في الدورتين متغلّباً على خطوط «التماس» كذلك كان يفعل «السلام» زغرتا، بينما اقتصر نشاط الأندية الشرقية على مباريات ودية. وكان قرار اتحاد اللعبة إقامة البطولة بين أندية المنطقة الشرقية فقط مثل «القشة التي قصمت ظهر البعير» فاستقال عدد من أعضاء اللجنة العليا وانبثق اتحاد 2 أيار 85، برئاسة نبيل الراعي ورهيف علامة للأمانة العامة، فحدث التغيير الطائفي في التكوينة الرئيسية للعبة وأصبح الرئيس من الطائفة الشيعية والأمين العام من الدروز وتمّ توزيع باقي الأعضاء على طريقة الـ «كوتا المذهبية»، وما لبث الأمر أن امتدّ إلى الأندية. انتهت الحرب، وتبدّلت المعالم فمن المنافسة بين جمهورين مسيحي ومسلم، وبين إدارات تتناحر في بينها على الهيمنة، تغيّرت «القمم الكروية» بعد أن بقيت لسنوات حكراً على «النجمة» و «الراسينغ»، لتصبح بين «النجمة» و «الأنصار»، قبل أن يصبح الناديان تابعان لـ«آلـ الحريري»، في الوقت الذي بقي الجمهوران منقسمين مذهبياً بالتشجيع والولاء، بين الشيعة والسنة. بين «الأنصار» و«النجمة» وغابت مع الوقت الأندية الأرمنية عن الساحة بعد هبوط «الهومنتمان» و«الهومنمن» الى الدرجة الثانية، وهيمن «الأنصار» على البطولات، 11 مرة متتالية فأحدث هذا الأمر شرخاً كبيراً بينه وبين الأندية الأخرى، خصوصاً «النجمة» الذي كان ينافسه وكان يرى في المسألة غبناً وظلماً، الى أن تغيرت قيادة الاتحاد واستعاد «النجماويون» موقعهم ليصبح النادي في معسكر وجماهيره في معسكر آخر، وأدى التوزيع الديمغرافي الى فرز الجماهير والإدارات فبرزت اندية جديدة الى الواجهة مثل «البرج»، و «شباب الساحل» و «المبرة» و «الشباب الغازية» ومن ثم «العهد» الذي دخل منظومة البطولات من بابها الواسع بينما بقيت الأندية المسيحية ممثلة بـ «الراسينغ» و «الحكمة» و «السلام» زغرتا. امتدت الحرب الرياضية الى اللجان الإدارية للأندية وتفشت بين الجماهير في المدرجات وأصبح لكل تيار سياسي او طائفة نادٍ يمثلهما وبات الشارع الكروي اشبه بمتاريس يقف خلفها بعض المتسلطين، وللتذكير فإن الموشحات والشتائم المذهبية التي مارسها البعض وما زالت حتى الآن في المدرجات كانت خير دليل، على عمق المشكلة وما فعلته الحرب بعد أربعين سنة. الانتماء الحزبي والسياسي وبالفعل فقد أصبح كل نادٍ ينتمي الى طائفة او حزب، بات «النجمة» مسؤولاً من آل «الحريري» الذين تعهدوا بعملية التمويل، لكن جمهوره الكبير كان عبارة عن مناصرين من أكثريته من الطائفة الشيعية وانضوى «الأنصار» تحت لواء «تيار المستقبل بشكل كامل»، وتحوّلت إدارة «الراسينغ» من موالية لحزب الكتائب قبل الحرب الى إدارة تتلقى الدعم من النائب هنري فرعون التابع أيضاً لتيار المستقبل. وكان «العهد» مفاجأة المنافسين على الألقاب وهو النادي الذي يمثل وجهاً رياضياً لـ «حزب الله» وإدارته الموالية له، وبات ايضاً داخل الحسابات. وتوزعت باقي الأندية على الطوائف ايضاً فأصبح للطائفة الدرزية ناديان هما «الصفاء» و «الأخاء الأهلي عاليه»، وبات «الحكمة» المحسوب على مدرسة «الحكمة المارونية»، يضم لجنة إدارية تابعة للقوات اللبنانية. إنه عمر من تاريخ كرة القدم، 40 سنة على الحرب لم تغيّر في ذهنية العاملين في إدارات الفرق.. هي صورة «بانورامية» موجزة لحال الأندية، تفند مسألة دخول اللعبة في بازار الطوائف والتيارات السياسية، بحيث لم تعد مكاناً للالتقاء والتشجيع الحضاري والتمثيل القائم على مقتضيات سليمة ووطنية فأفرغتها الأحداث من حمولتها الجماهيرية، ورمت بها بين مدرجات خالية.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة