As Safir Logo
المصدر:

بورتريه

محمد المخزنجي: صانع الدهشة

المؤلف: شعير محمد التاريخ: 2015-04-10 رقم العدد:13042

محمد المخزنجي اسم يثير الكثير من الانتباه في أكثر من حقل من حقول الكتابة، المخزنجي مقتحم، مغامر برغم ما يبدو عليه من هدوء بل لعله أكثر المغامرين في مجال القصة العربية، فمن الشكل الذي لا يتعدى المئة كلمة في قصصه القصيرة جدا، إلى القصص الأطول كثيرا والتي باتت تقارب النوفيلا، ومن القصص النفسية إلى ما وراء الطبيعة والخوارق، بل القصص المبنية على المعرفة العلمية، وأخيرا توظيف الحيوانات والطيور في الدراما الإنسانية. وبعيد عن الكتابة الإبداعية سنجد أنه كاتب مقال وعلامة في أدب الرحلات التي أجراها حين كان محررا في مجلة العربي يعيش في الكويت. باختصار سنجد أنفسنا أمام عوالم لكاتب قال عنه يوسف إدريس ذات مرة: «كل الكتّاب في كفة.. والمخزنجي وحده في كفة». الدهشة، ربما تفسر هذه الكلمة العالم الإبداعي المتنوع والمتعدد للكاتب والقاص محمد المخزنجي. هو لا يكتب إلا انطلاقا من دهشة ما، والدهشة كما يقول في مقدمة كتابه الجديد «مساحة صغيرة للدهشة» الصادر مؤخرا عن «مركز الأهرام للنشر» هي «قيمة معنوية ووجدانية كبرى، بنّاءة وثورية دائما، وهي ليست الاستغراب قطعا، بل هي رجة وجدانية أمام قارئ غير العادي وغير المألوف، وغير المتوقع» وبالتالي ليس مستغربا أن يكون شعاره «اندهشوا تنتعشوا».. حتى عندما يكتب في فروع يعتبرها البعض فروعا صعبة في الكتابة أو جافة مثل العلم.. يقول: في قصصي أنطلق دائماً من موقف الدهشة، عندما أندهش فإن «جهاز القص» يبدأ عندي في «الدوران»، والعلم في آفاقه الحالية والمستقبلية أصبح مشحوناً بقدر هائل من الدهشة وكأنه فعل تخيّلي، خذ عندك الثقوب السوداء التي تبتلع وتولد النجوم، رؤية الجزئيات في تفاعلها الكيميائي بكاميرا الفيمتوثانية، الامكانية الفيزيائية النظرية للحركة عبر الزمان، الاستنساخ، حافة الكون اضافة لما ينجلي في فروع العلم الأخرى، هذه كلها مدهشات كما ان هناك فروعاً من العلم القديم تثير الدهشة أيضاً، مسارات طاقة الحياة في الطب الصيني، تزامنية إيقاع الجسد مع حركة النجوم ودورات الفصول في الايوروفيد الهندية، الادراكات المجهولة لدى الكائنات، ما وراء الحس العادي والمعبر عنه بالحس الفائق، كل هذا يدهشني ويشغل ماكينة القص لدي بنفس الاندفاع الذي تخلقه الدهشة إزاء ضربات القلب والمشاعر الانسانية وتناغم الطبيعة». المخزنجي يكتب دائما بروح السارد الحكّاء، حتى وهو يكتب مقالات صحفية، ومن هنا كل ما كتبه للصحافة ينتمي إلى القصة بشكل أو بآخر، نجد أنفسنا أمام التقرير القصة، المقال القصة، الخبر القصة.. بل إنه يرى أن محمد حسنين هيكل اكتسب أهميته كونه ساردا عظيما قبل أن يكون مجرد «جورنالجي».. لا يحب المخزنجي في كتابته الاستهلالات المطولة، بل الدخول في الموضوع ببداية مدهشة، وبعد ذلك تتصاعد الدراما عبر السرد حتى تصل ذروة نهائية، أو ما بعد الذروة. وهو بهذا يصنع من مقالاته أدباً جديداً، سعيه لم يكن الصراخ السياسي، بل التماس الدهشة، وتوليد الفلسفة التي هي جذور «حب الحكمة»، وبذور «التفكير في التفكير».كما يقول. الكتاب الجديد يضم 50 مقالا كتبها في العربي الكويتية، والدستور المصرية.. وفي المقالات الأولى كانت الكتابة خارج الوطن، ومن ثم تبدو همومها مرفرفة ومواضيعها أكثر ارتباطا بالإنساني العام، بينما تنتمي مقالات الجزء الثاني تبدو السياسة بهمومها طاغية بل عنيفة أحيانا، وهو عنف يراه صاحب كان ضروريا، فالاحتجاج كان واجبا وما يثير الاحتجاج كان كثيرا ومريرا! في ورشة لإصلاح السيارات بمدينة المنصورة (شمال القاهرة) تفتح وعي محمد المخزنجي، والده كان صاحب الورشة والده، خريج مدرسة الصنايع الذي رفض الوظيفة الحكومية مفضلا العمل الحر، وكانت شهور الصيف فرصته لكي يعمل معه أبناؤه. تماما كما كانت الليالي الرمضانية فرصته لكي يجمعهم حوله ليحكي لهم «حكايات» تكررت بتلوينات مختلفة، تبين فيما بعد انها من الكتاب الشهير « بدائع الزهور»... من الوالد ورث الصغير حب الحكي، ومن العمل معه في الورشة تفتحت عيناه على « التناقضات الاقتصادية بين البشر». في المرحلة الابتدائية، كان مدرّس اللغة العربية (الأستاذ عثمان) يخير الطلبة في حصص الإنشاء بين كتابات قصص هادفة (قصة شاب مكافح)، او مقالات (عيد العلم مثلا)، وكان المخزنجي يختار دائما كتابة القصة. في أحد الأيام التي كان الأستاذ «عثمان» يصحح موضوعات التعبير أمسك بكراسته، وتوقف عندها لفترة ثم نادى عليه وطلب ان يقف بجواره في مقدمة الفصل.. ثم خرج من الفصل وعاد ومعه ناظر المدرسة الذي طلب منه أن يقرأ ما كتب... صمت الناظر للحظات بعد أن انتهى الصغير من القراءة قبل أن يأمر طلبة الفصل: «صفقوا له». يتذكر صاحب سفر هذه القصة دائما مؤكدا أنه «أيه موهبة تحتاج إلى مكتشف ونبل من الآخرين». الشاعر والطبيب ولكن البداية كانت شعر العامية «كانت البداية عبر محاولة تلمس صوت الغناء عند الذات الذي يصاغ في شكل الشعر، ثم اكتشفت انني لا أصلح كثيرا لهذه المهمة، وبخاصة ان أفق طموحي أبعد من المتاح، فتركت الشعر..» تحولت القصيدة فجأة إلى صورة قصصية نثرية.. وشيئا فشيئا اتخذت شكل القصة. في القصة وجد المخزنجي ذاته أكثر، فهي « فن مواجهة الموت» من وجهة نظره، «لأنك تنجز حيوات وحيوات عبر القص». ولكنه لم يغادر الشعر حتى بعد استقراره على القصة عبر لغة كثيفة شفافة وحادة وشديدة الإحكام، تعلي من القيمة البصرية وتجعلها الدلالة الكاشفة والمحورية في البناء. اختار المخزنجي دراسة الطب «لأسباب عاطفية»، عندما التقى أحد الأطباء ممن يقومون بإصلاح سيارتهم في ورشة والده، وذهب معه ذات مرة ليرشده إلى الطريق «اكتشفت أنه بالإضافة إلى كونه طبيبا يعمل بالمستشفى فإنه طبيب السجن، فرأيت كيف يستقبله المساجين ويعالجهم بحنو، وبعد هذا اتجهت معه إلى ملجأ للبنات. وعندما انتهت الرحلة وانتهى اليوم قررت أن أصبح مثل الدكتور إميل فوتي».. في سنواته الدراسية الأولى بكلية الطب، كان طالبا أقرب إلى الفشل منه إلى النجاح، فقد كان مهتما بأمور خارج المنهج الدراسي تماما، لكن الوضع اختلف في السنوات النهائية: «كانت العلوم جامدة في البداية لكن عندما بدأت أرى اقتران العلم بالإنسان وسلوكه العضوي بدأت المسألة تصبح مدهشة خاصة في المرحلة الإكلينيكية التي يرى فيها طالب الطب المرضى في المستشفيات» لا يرى صاحب» رشق السكين» أن هناك شبهاً كبيراً بين الأدب والطب: كلاهما انشغال بالألم الإنساني». في الكلية حرر المخزنجي العديد من مجلات الحائط، وفي كل مرة يكتب فيها يتم تحويله إلى مجلس تأديبي.. يضحك: «كتبت موضوعا عن أحد الأساتذة القادمين من أميركا وكان متحمسا لها جدا ووقتها كنت أنا ناشئا يساريا، فكتبت أنه «خنزير متأمرك»! ولم تكن مجالس التأديب داخل الكلية هي النتيجة الوحيدة للكتابة، بل قادته إلى السجن عامين متتاليين.. وهي تجربة يراها أنها من أهم التجارب في حياتها: «لولاها لتخربت كثيرا».. يوضح: « سجنت في مفرق مهم من حياتي، وكنت ذا نزوع فوضوي شديد جدا. السجن يرتب عليك أعباء في مواجهة الذات والآخرين، ومواجهة الألم الإنساني». لم ينخرط المخزنجي طويلا في العمل السياسي، اكتشف أنه يعمل في السياسة بمنطق الأدب، أو بمنطق الفنان «كانت لدي حواجز نفسية تحول بيني وبين الاستغراق في السياسة كحيوان سياسي، وكان عدد من أصدقائي الشيوعيين يتهمونني بأنني مجرد رومانسي ثوري».. وربما طبيعته الجانجة نحو الحرية «جعلتني عنصرا مستعصيا على الاستقطاب والتنظيم الشيوعيين، وإن كنت ولم أزل أرى في صورة المجتمع الحريص على العدالة الاجتماعية والتكافل الاجتماعي حلما إنسانيا جميلا ونبيلا». يوسف ادريس في تلك السنوات اصدر المخزنجي مجموعتين قصصيتين «الآتي»، و «الموت يضحك» وقد لفتتا إليه الانتباه ككاتب مقتدر. كما ربطته علاقة قوية بيوسف إدريس وإن ألمح البعض إلى تأثره الشديد به يضحك المخزنجي: «يوسف إدريس أكبر مكاسبي في الحياة وموته كان أكبر خسائري» يوضح: «أهمية إدريس بالنسبة لي كانت إنسانية قصوى، وأهميته فنية أيضا ولكن ليس بالخروج أو الدخول في عباءته العظيمة». إدريس هو «محرر أدبي» يقوم حسب تعبير المخزنجي «بتوجيه الكتّاب الآخرين إلى قيمة الحرية في اختيار صوت الذات الملائمة ليغني كل منهم أغنيته التي تصنع في النهاية الموسيقى الكونية»... ولكن على مستوى الإبداع ثمة فوارق كبيرة «هو يبحث عن الشعر في لغة الشارع.. وأنا أبحث عنه في مظانه المكتوبة». في منتصف الثمانينيات وجد صاحب «رشق السكين» أمامه عرضين للسفر خارج مصر، الأولى «منحة إبداع» إلى أميركا بترشيح من الدكتور لويس عوض، والثانية إلى موسكو لاستكمال دراسته الطبية، بترشيح من منظمة التضامن الأفرواسيوي..» لم اتردد لحظة في حسم اختياري.. وأندفعت في نشوة عارمة محلقا باتجاه حلمي»..اختار السفر إلى موسكو التي وصلها في اوائل 1986، وبعد اربعة شهور من وصوله إلى «كييف» كانت المفاجأة في انتظاره «انفجار مفاعل تشيرنوبل النووي» ليعيش لحظات يصفها بأنها «من لحظات الرعب البشريي، لحظة أول رعب نووي بلا حرب». احس المخزنجي انه مؤتمن على تسجيل هذه اللحظة ليسجل كتابه الهام «لحظات غرق جزيرة الحوت»...حيث كان الاتحاد السوفياتي احتمالا لجزيرة إنسانية رائعة، لكنها عارضة على ظهر حوت من أكاذيب الادعاء ونقائص إيديولوجيا تزعم الاكتمال». الكتاب لم يكن قصة، ولكنه شكل أدبي جديد في الثقافة العربية «رواية الحقيقة القصصية» وهو شكل يمزج ما بين الريبورتاج والسرد الأدبي. ربما يكون المخزنجي من القلائل الذين أخلوا لفن القصة وحدها.. يرفض هو الأمر عندما سألته: تكاد تكون الوحيد المخلص لفن القصة.. ألم تغرك كتابه الرواية.. التي يراها النقاد ديوان العرب؟ أجاب: «أي رواية تقصد؟ هل تلك التي بدأت منذ روبنسون كروزو في الغرب أم من الحكاية الإطار بداخلها الموزاييك من قصص مختلفة ومثالها الأعظم ألف ليلة في الشرق» يوضح: إذا كانت «ألف ليلة» علمت كل الروائيين العظام. إذا كانت هذه هي المسألة فالنقد يقول إن «لحظات غرق جزيرة الحوت» رواية ومتتالية سفر رواية. فالحكاية الإطار هي الرحلة وداخل الرحلة المسار الذي يتكون عبر لقطات وأقاصيص مختلفة حتى النهاية. المفروض ألا ينصاع الكاتب تماما للأشكال الأدبية المقررة لكن يسمي منجزه الفني بالشكل الذي يقتنع أنه ينطبق عليه». ولكن المخزنجي لم يستسلم لقناعته بتعريف الفن الرواية.. إذ اوشك الآن على الانتهاء من روايته «نهر المجانين» رواية حسب مواصفات النقاد التقليدية. بعد ثلاث سنوات في روسيا، عاد إلى القاهرة، ولكنه لم يستقر كثيرا اجبرته الظروف أن يسافر إلى الكويت حيث عمل «مراسلا متجولا» يكتب استطلاعات مع كل دول العالم. هل الصحافة افادته أم أضرت به؟ يصمت قليلا: أفادت وأضرت. لم أكن أتصور مثلا أن أكتب ثلاثة آلاف كلمة في يوم واحد أو يومين لكن العمل يتطلب ذلك أحيانا. الصحافة التي أعطتني جرأة على الكتابة لكنها سرقت أو لنقل أخذت مني الوسواس الذي هو جزء مهم لكتابة نص وإعادة كتابته وبنائه وهدمه وهي عملية مهمة في الأدب». ولكن سبع سنوات من العمل الصحافي كافية – حسب نصيحة ماركيز ومن قبله هيمنجواي ـ: «اكتشفت أن معظم خلايا الكائن تقريبا باستثناء المخ وربما بعض أجزاء الكبد تتجدد كل سبع سنوات. وفهمت معنى الجملة أنه «لا تفني أكثر من كينونة من كينوناتك في الصحافة «.. ولهذا ترك المخزنجي الصحافة متفرغا لأدبه وإبداعه الجميل!

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة