As Safir Logo
المصدر:

معرض نور بلّوق.. لعبة التناقضات المتوازنة

المؤلف: بزون احمد التاريخ: 2015-03-30 رقم العدد:13033

عوّدتنا الفنانة نور بلوق على أن نرى أعمالها بعين مختلفة، كونها تفكر دائماً في ألا تحشر نفسها في التيارات، وما يمكن أن نسميه الفن العام. تبحث دائماً عن خصوصية وتميز ونأي عن أساتذتها وأترابها... هذا ما لفت نظرنا في مشاركاتها السابقة، وفي الأعمال التي قدمتها لمعارض سرسق و «جبل» وجمعية الفنانين وأوكسفورد وسواها من المعارض المحلية والدولية. وهذا ما يؤكده معرضها القائم في «بيغ غاليري» (أسواق بيروت سوق الصاغة)، لغاية الخامس من نيسان المقبل. تنطلق نور من فكرة قد تكون مستخدمة، مضمونها الرقص على الخراب، وقد حمّلت معرضها عنوان «رقصة الربيع العربي»، في إشارة إلى ما جاء به «الربيع العربي» من خراب، بل إن من يرقصون على هذا الخراب هم من خطفوا أحلام الناس بربيع حقيقي، أعني أن بعض الدول الأجنبية هي التي خطفت ثورات الشعوب وراحت ترقص على الخراب الذي أحدثته مخططاتها الجهنمية. ويبدو أن الفنانة توافقنا هذا الرأي فتأتي براقصات كلهن أجنبيات ليرقصن فوق صور الخراب. قلت إن الفكرة مستخدمة، فربما نجد الكثير من عناوين المقالات الاحتجاجية، أو القصائد أو سوى ذلك من أساليب التعبير عن مفارقة الرقص الممتع والخراب المبكي، حتى أن فكرة المعرض تذكرنا مثلاً بالفيلم الأميركي «الرقص على الهيدروجين»، حيث أن أهل جزيرة يتابعون الرقص فوق حطام استغاثات ربان سفينة يتسرب منها غاز ينذر بفناء الجزيرة كلها وسواها من المساحات المجاورة. الفكرة مطروقة، صحيح، لكن استخدامها في معرض، ومعالجتها بالشكل الذي نراه في اللوحات، يلفت الانتباه، ثم إن التقاط الفكرة وتطبيقها على واقعنا اليوم وفي أعمال فنية هي الأساس، فـ «المعاني مطروحة في الطريق»، كما يقول الجاحظ، الذي يشدد في الأدب على اللفظ، أو كيفية معالجة المعنى، أو ما سماه «الصنعة». وهنا يبرز دور بلوق، أعني دورها في اختطاف الفكرة أولاً، ثم في معالجتها، أو في الصنعة التي تبرز فيها جماليات فنية. ما فعلته الفنانة أنها قدمت عملاً بنائياً جمعت فيه المعنيين: الخراب والرقص. فهي لم ترسم أو تستخدم ألواناً زيتية أو مائية، إنما استخدمت الكومبيوتر في نسج علاقة بين هذين المتناقضين، فوضعت مشهد الخراب قاعدة أو مستوى أول، أو مسرحاً للرقص، وقد اختارت أفظع حالات الخراب من جهة، وأقصى درجات البهجة بالرقص من جهة أخرى، ليكون المشهد أكثر قدرة على إبراز حدة التناقض بين الحالتين، ثم لتبرز قسوة الواقع في أعلى درجاتها. حتى ليبدو أن الرقص هنا ليس إلا عملاً عدوانياً بامتاز. هنا ينقلب الرقص من معناه الفاتن إلى تضمينه معنى آخر تفوح منه رائحة السخرية، وتتحول حركة الأجساد الراقصة إلى تحريك لعفاريت الجرح. نحن أمام مستويين في اللوحة، مستوى الخراب ومستوى الأجساد الراقصة، فالخراب استعارت الفنانة صوره من واقعنا العربي الراهن، الذي ما زال مشتعلاً بالمآسي، فرأينا صوراً من مصر والعراق وسوريا وليبيا وغزة وسواها، أما الرقص فاختارته من صور لراقصات أجنبيات شهيرات (وأحياناً مع راقصين) بعضهن رقصن في أحضان زعماء عرب. والتركيب الذي نفذته الفنانة أخذ بعين الاعتبار أن يكون الرقص مقحماً على الخراب، أو غازياً له ومغتصباً. وفي التركيب الذي رأيناه ابتعدت الفنانة عن أي نمطية، فمرة يأتي «الغزو» في الوسط أو الطرف أو ينفصل عنه فتصبح اللوحة جزئين، واحداً للخراب وآخر للرقص... وهكذا تهتم نور بتنويع تآليفها، بل تهتم بأن تتدخل في الصورة الأصلية، إن الخراب أو الرقص، فتضيف إليها مفردات بصرية، زخرفية أحياناً، أو تضفي ألواناً وتعدل وتتفنن في إخراج المشهد. فيكون نجاح العمل في اختيار الصور أولاً، من بين ملايين الصور الملتقطة في «الربيع العربي»، ثم في المعالجة الصور وأسلوب تركيبها، بحيث يشعرنا المشهد السوريالي هذا بمستوى الألم الذي عشناه ولمّا نزل. تعرض نور إذاً نسخاً مطبوعة (1/7) من لوحاتها التي استخدمت في بنائها الفن الرقمي، مضمنة أسلوبها الكثير من السخرية السوداء. فرغم أنها تهتم بتقديم فكرة قوية، لم تنجرف نحو مفاهيمية تتقشف في الصنعة لتستسلم للفكرة، بمعنى أن أفكارها أتت محمولة على أهمية الشكل الفني، بل هي أبقت على مسألة المهارة، وأتت معاصرتها الفنية متوازنة، فقدمت أفكارها بأسلوب جديد. أحمد بزّون

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة