بورتريه
مثل طائر محلق عالياً، بغتة، يهبط إلى الأرض، في لحظة خاطفة يلتقط شيئاً لا نراه، تتحول الريشة إلى مخلبَي صقر تمسّك بحسم الوجوه المتجولة، بيننا. لوحة إثر لوحة، من ألوانها تنهمل الشخوص، الوجوه، العيون، إنه فن التقاط تلك الأشياء التي تتقد اليوم، وقريباً تذوي. عادل السيوي، اذا ما ازاح نظارته الشمسية ستلحظ عينين ذكيتين، ستتأكد من أنه ذلك الفنان الذي يعرف ويكتشف كل ما حوله، تحديداً تلك الأشياء الغامضة.. وكل ما سيكون لوحةً فريدة ذات يوم. كل شيء في القاهرة جدير بالزيارة، والإعجاب، لكن، الدهشة ستضرب لك موعداً فريداً إذا ما أتيح لك زيارة مرسم الفنان المصري، العالمي عادل السيوي القريب من طلعت حرب، حيث بناء قديم يختصر بهندسته وزخارفه سيرة زمنية تكاد تقارب المئة عام. المصعد الخشبي العتيق الطراز، سيحملك فيما تراودك شكوك في قدرته على الصعود حتى الطابق الرابع، حيث مرسم السيوي في شقة مؤثثة وفق مزاج فنان محكوم بحنينه لسحر السنين السالفة. الأثاث، اللوحات، المرايا، الكتب، الشرفات الصغيرة وكل تلك الأشياء التي تشي بذائقة خاصة وفريدة يمتلكها عادل السيوي. القط الأسود المبقع بلطخ غريبة من الأبيض والذي يسمّيه عادل: «ميرو» نسبة للفنان خوان ميرو، سيعثر على طريقه قبل خطواتك صوب اللوحات، «ميرو» لن يكون مرحّبا، بسبب تلك الطباع التي تملكها «السنوريات» سيُشعرك أنك تتلصص على عالمه، حيث اللوحات الكبيرة التي يُعدّها عادل السيوي لتكون لوحات معرضه المقبل. أصفر ساطع كشمس لاهبة مع أمواه خضراء طحلبية تشكل عالماً متخيّلاً لخيالات رجل بملامح فيل. جرّب واسأل عادل السيوي عن سرّ رسمه لرجل يرتدي بذلة رسمية فيما يبزغ من وجهه خرطوم طويل ونابان عاجيان، سيجيبك السيوي بحكاية. متاح لنا أن نسمع الحكاية، مثلما متاح لنا أيضاً أن نخترع حكايتنا الخاصة وفق مخيلتنا وذاكرتنا وتصوراتنا فنقرأ حكاية مختلفة عن تلك التي يرويها السيوي، هذا هو الفن. أن يُحيلنا إلى مرتبة العقل والتفكير فهو ليس مجرد تقليد واستنساخ للطبيعة، إنه ذلك العالم المجنون الذي يسمح لنا بالتقاط بعض الصور من آلاف الصور التي عبرت خيال الفنان والتي لا يمكن استعادتها إلا بالرسم. اللوحة الأخرى التي يُبهرنا أزرقها النيلي، هي لوحة الرجل الجدي، لكن هذا الرجل الغريب الذي شكّلته مخيلة السيوي يحمل ألوان القط الذي يجول في مرسمه «ميرو». رجل يخطو خطوة متثاقلة ومستسلمة يرتدي بذلة زرقاء بغاية الأناقة، بينما يحمل رأس جدي لكن بألوان وذيل هر؟! الفن والشعر السيوي الذي هجر الطب النفسي والعمل في مستشفى العباسية ليخلص للفن، يعرف تماماً أن الرموز مفاتيح أساسية لفهم مفارقات الحياة وتناقضاتها، وبالتالي تحويلها إلى ظاهرة فنية وجمالية جديرة بأن تُعاش ويُعمل في إطارها. بينما يتأهّب لإطلاعك على لوحة جديدة، يمكنك أن تسترق النظر إلى جدران المرسم المزدانة برفوف مزدحمة بالكتب. التاريخ والفن والأدب وكل ما يمُتّ للفنون الجميلة بصلة. للشعر مكانة خاصة ونحن نعرف أنه عمل على ترجمة المؤلفات الكاملة للشاعر الايطالي جوزيبة اونغاريتي، ترجمها مباشرة من الايطالية. السيوي يعرف أن الشعر يعيد للغة قدرتها على تسمية الأشياء، ودعوتها لأن توجد، ستكتشف حجم ثقافته، جرّب أن تذكر اسم أي رواية لتكتشف مباشرة أنه قرأها. الفن، يمكن أن يُقرأ في الشعر، ويُشاهَد في اللوحات، ويمكن أن يُسمَع بصوت أم كلثوم. صوت أم كلثوم يعزله عن العالم، لا يرسم من دون أن ينداح صوتها في مرسمه، ينعشه صوتها، فيما تشتعل براكينه كلها، وبصوتها يسيّج عالمه الخيالي اللامتناهي حيث الصور الملتهبة، وفي تلك اللحظة الحاسمة مع الإسراف الوحشي للصور سيلتقط الومضة التي ينتظرها، ويرسم. يحكي السيوي عن معرضه المقبل وهو يطلعنا على لوحة جديدة هي (الرجل الاخطبوط)، حيث ثمة مساحة مشرقة متلاشية لمصلحة الرجل المخضر اللون والذي يحلّ مكان جسده، اخطبوط مع مجسّاته الثمانية، فتبدو اللوحة تدويناً متلهفاً للحظة القائمة، لحظة الهواجس المتراكمة، حيث خبث آلاف الظنون التي تبدّد الفرح اليومي المحتمل، في الأزمان المتغيرة. كل لوحات السيوي مفتوحة على عالم التأويل. بينما يزيح لوحة ليُطلعنا على لوحة أخرى سيحدثنا عن واحة «سيوه»، عن الاسكندر وهو يعبر تلك الرمال الشاسعة ليصل سيوه ويطلب مباركة الرب آمون، وعن جيش قمبيز الغارق برمال تلك الصحراء. بينما تأخذنا حكاياته الثرية التي لا تخلو من روح التهكم صوب الصحراء أو ايطاليا أو موقع معركة امبابة، أو عن رواد مقهى ريش، سنجد أنفسنا أمام لوحة ساحرة لعائلة من الضباع. ستجد نفسك وسط أدغال وحشية، كل تلك الظلال المعتمة التي تميّز الغابات، الضباع تروم شيئاً غامضاً، لكنها تظل وحوشاً برية يمكن أن تنقض عليك من اللوحة وتلتهمك بلحظة غفلة. فجأة نلمح فان كوخ، بلحيته الشقراء الباهتة عائماً وسط أصفره المفضل مع أخضره، تحيطه غمامة من اللونين الاخضر والاصفر. أما لوحته التي تتضمن رأس ثور على أرضية صفراء فيما يقف بمواجهته انسان أعزل، هنا ثمة رؤية سيكولوجية، رأس الثور مهيباً ووحشياً مثل وثن أدغال، مثل طوطم غامض من عهود سحيقة. غزالة البر، سنراها على أرضية زرقاء فيها الكثير من السكون الفخم. أيضاً لوحة يتوسّطها قرد يستمع للموسيقى أمامه جهاز كرامفون. كل خط يمتلك معناه الخاص ولكل لون دلالته المفتوحة بتكاثفه وتشابكه وامتزاجه مع غيره من الألوان. يقول أونغاريتي (بين زهرةٍ قُطفتْ/ وأخرى أُهدِيَتْ/ عدمٌ/ لا يمكن التعبير عنه). هذه العبارة ذاتها ترجمها السيوي من اللغة الايطالية، أيضاً ترجمها بكل ما رسمه ولوّنه بريشته. عُرِفَ عن السيوي ولعه بالبورتريه، بتلك الأسرار التي لا تقولها الوجوه مباشرة، إنما تسرّبها. بعنوان «نجوم عمري» سبق وأن قدّم السيوي معرضاً تضمن «بورتريهات» للفنانين القدامى مثل أم كلثوم، اسمهان، شادية، وعبد الحليم حافظ، رشدي أباظة، سعاد حسني، اسماعيل ياسين.. من رسم تلك «البورتريهات» يعرف أنه هنالك ثمة نظرات، ماطرة أو جافة أو شمس لاهبة، أو عاصفة متقدة، وأن هنالك نظرات تنبئ عن قلب وثاب، أو تشي بالاستعداد المضني للحب. أو نظرات نرى فيها صدوع القلب، أو غضون الحزن الدقيقة المتوارية وراء وجوه شابة. أيضاً هنالك وجوه حزينة ومتحدّية مثل غابة تجلدها الريح، وهنالك تلك العيون التي تخشى من خريف يقضم أخضر الشجر. الأكثر نأياً خلف الوجوه، نراه أو نلمحه في بورتريهات السيوي. الطبيب والمترجم ثمة وجوه تهجع، تنام.. وحدها عدسة الفنان توقظها بضربة فرشاة. وتقتنص تلك الملامح التي لا تظهر في الصور الفوتوغرافية. يمكنك أن تشرب القهوة وتسمع السيوي يحكي ويروي مع سيجارته ونظرته البعيدة الغور. منذ تلك اللحظة التي فكّر فيها بدراسة الفن كهواية بجانب الطب، لكن سرعان ما أحسّ أن رغبته في العمل بالطب بدأت تتلاشى، هنا يقول: (كنا نعالج المرضى، لكننا لم ننجح في إشفاء مريض واحد.. وفي النهاية يموتون). مع اهتمامه المتزايد بالفن، التحق بكلية الفنون الجميلة وبدأ أولى خطواته العملية بعالم الرسم. وحاز على المراكز الاولى في المهرجانات الجامعية. درس الفن وتعمق فيه، وفي العام 1980، تم افتتاح معرضه الأول في «أتيليه القاهرة» على يد الفنان الراحل «راغب عياد»، بعدها سافر إلى إيطاليا بلد الفن والفنانين، وأقام هناك عشر سنوات، أتقن خلالها الإنجليزية والإيطالية وكانت إقامته بجوار أكاديمية الفنون مفيدة جدًّا، فكان يتردّد على الكثير من الفنانين واتخذ هناك مرسمًا لإنجاز أعماله الفنية. تفرغ للفن، وعرضت أعماله في أهم صالات العرض العربية، وتوّجت بعرض أعماله في صالة كريستي للمزادات العالمية. أيضاً قام بترجمة عدد من الكتب الفنية منها: مذكرات لليوناردو دافنشي، ونظرية التشكيل للفنان بول كلي، بالإضافة إلى الأعمال الشعرية الكاملة للشاعر الإيطالي أونغاريتي. يعرف السيوي أن الفن تطهير وشفاء وجنون، هو الذي هجر الطب النفسي، لأنه عرف مبكراً أن الفن ينقذ العالم. لا يخبرنا عن عنوان معرضه المقبل، لكن بضع لوحات شاهدناها تنبئ عن عالم تصويري جديد، حيث يُعيد السيوي الإنسان للغابة ويضعه وجهاً لوجه مع كائناتها.. نغادر مرسم عادل السيوي لنتركه منغمساً بلعبة الفن الرائعة. (كاتبة سورية)