As Safir Logo
المصدر:

مارون الحكيم: المهم هو الفنان لا الأدوات.. ومعهد الفنون في خطر

المؤلف: بزون احمد التاريخ: 2015-03-13 رقم العدد:13020

«محترفي ورشة قائمة على التأسيس والبناء. في كل آن حجر، وفي كل يوم مدماك. أشيد عمارتي الجمالية بالرؤية الاختبارية، بالمثابرة والجهد، بالصبر والرغبة، بالرصد والاقتناص، بالمناجاة والتأمل، لغتي الجمالية عربدة صلاة ونشوة خلاص»... هذا ضوء من «المرايا الخلفية»، الكتاب الذي أصدره الفنان مارون الحكيم عن تجربته التشكيلية، التي شهدت مراحل وفصولاً وتقنيات مختلفة، التجربة التي تسمح بالتجريب شرط ألا يحدث انقلاباً في الفن. والتي يتجاوزها مرحلة بعد أخرى من دون أن تبهت أو تذبل، يتجدد فنه داخل فنه. ابن المعمرجي الذي كان يبني بيوتاً للناس، يبني مثالاً للمشاعر الإنسانية. ينحت حسّه ويبدع في تجسيده ألواناً وخطوطاً. خاض غمار الإدارة في قسم الفنون التشكيلية في الفرع الثاني من معهد الفنون الاجتماعية، فكانت له لمسات مهمة في خدمة الجيل الجديد من الفنانين. أقام 33 معرضاً فردياً في لبنان والخارج، كان آخرها في صالته، أو معرضه الدائم التابعة لمحترفه، في مزرعة يشوع، قرب بيته، وضم77 عملاً موزعة بين نحت بالصخر والرخام، وتصوير بالأكريليك والزيت، وتجميع. التقيناه عشية تكريمه، الذي يقام في السادسة والنصف من مساء غد، في إطار «المهرجان اللبناني للكتاب»، الذي تحييه سنوياً الحركة الثقافية - أنطلياس، وكان هذا الحوار: ] معرضك الأخير حمل عنوان «معرض في ثلاثة فصول»، وأنت تقصد التقنيات الثلاث التي استخدمتها في المعرض. لماذا اعتبرت التقنية فصلاً؟ - بالفعل كانت تقنيات المعرض ثلاثاً، النحت والتجميع والتلوين. كان يمكن أن تكون لكل تقنية معرض، لكن بما أنني نفذت هذه الأعمال في فترة واحدة، بين عامي 2011 و2013، فضلت أن أعرضها معاً. مع أن كل تقنية يمكن أن تشكل فصلاً خاصاً، أو مزاجاً خاصاً هو الفصل. ] منذ البداية وأنت تقيم فصولك الثلاثة تلك أو التقنيات الثلاثة معاً. كيف تأسست شخصيتك الفنية عليها معاً من دون غلبة واحدة على الأخْرَيَيْن؟ - أنا في الأساس نحات وملون، هكذا كانت بداياتي الفنية، ويحدث تداخل بين التقنيتين، فاللون يؤثر في الحجم والحجم يؤثر في اللون، وأحياناً تنتج عن تداخل التقنيتين أعمال تجميع، أي الأعمال التي تجمع التقنيتين في عمل واحد، فنرى في ذلك مزاجاً ثالثاً ينضم إلى المزاجين الآخرين. هذا التنوع يبعدني عن الملل والتكرار، ويحدث حيوية، ويولّد تساؤلات كثيرة. الأمر ليس بسيطاً. هذه شخصيتي. أحياناً أركز على النحت أكثر، وأحياناً أخرى على التلوين، بحسب مزاجي. ] ما دام التنوع مستمر منذ بداياتك، لماذا لا تستمر بتنويع أعمالك مرحلة بعد أخرى، بحيث تصل إلى الفنون المعاصرة التي تخرج عن إطار اللوحة والمنحوتة؟ - يمكن أن يأتي يوم وأنفتح فيه على كل جديد، لكن المواد التقليدية تعني لي أكثر، ومزاجي يتآلف معها أكثر من الوسائل المستحدثة. ففي التجهيز مثلاً يبتعد الفنان عن مواده الأساسية التي اعتمد عليها النحت والرسم عبر العصور، الحجر والخشب والقماش وسواها... وإذا أردت أن تأخذ فنوناً جديدة مثل الصوت والحركة والفيديو آرت، فهذه موجودة عند الراقص والمغني والمسرحي، فلماذا على الفنان التشكيلي أن يأخذ وسائل تعبير أخرى. هل هو ضعف أو نضوب أو شح في منابع الفن؟ على الفنانين، برأيي، أن يبقوا قادرين على أن يبنوا فناً إنسانياً من المواد التقليدية الأساسية. في العالم فنانون كثر ارتدّوا إلى الأدوات التقليدية في إطار إبداعي عصري وحس إنساني مختلف. الفن ليس مجرد عرض عضلات أو فانتازيا مهما كانت الأدوات. فنحن نستطيع أن نصنع فناً بقلم الرصاص، أي أننا بأدوات بسيطة يمكن أن نصنع العجائب، والفنان المبدع باستطاعته أن يصنع بوسائل عادية فناً عظيماً. الجديد مطلوب ] الفنان يثور على نفسه أيضاً من خلال استخدام مواد جديدة. - أنا مع أن يثور الفنان على نفسه ليخلق شيئاً جديداً في الفن، لكن ليست المشكلة في الأدوات. المشكلة دائماً في المبدع نفسه. فنحن وصلنا إلى مرحلة من الضياع في فن التجهيز وسواه من الفنون والتجارب الجديدة، ولم نصل إلى نتائج مهمة. فليس المهم أن نغير، المهم مَنْ يغير، فحتى استخدام الأدوات المتطورة الكهربائية والالكترونية لا يمكن أن يفعل شيئاً من دون أن يكون خلفه مبدع. أعود وأكرر أن المهم هو الفنان المبدع لا الأدوات بحد ذاتها. البعض يعتبر خطأ أن الأدوات الحديثة من شأنها أن تنتج فناً أهم... هذا لا يعني أني ضد استخدام هذه الأدوات، فبواسطتها يمكن أن ننتج أعمالاً فنية بشكل سريع وسهل، مثلما حصل في التصوير الفوتوغرافي أو الرسم بواسطة الكومبيوتر، لكن هذا الإبداع، برأيي، هو إبداع الآلة لا إبداع الفنان نفسه، وإن كنا أحياناً نجد بعض الفنانين الذين يخترقون المألوف فينتجون روائع فنية من تلك الأدوات الحديثة. ] هل عندك تفسير خاص للفن؟ - بالنسبة إليّ الفن هو المتعة الجمالية التي تتولد لحظة العمل. الشغف في العمل ضروري وإلا أتى العمل جافاً وبعيداً عن أي حس إنساني شخصي. العمل الفني يعبر عن إحساسنا المرهف، ويعبر عن لحظات مهمة نشعر بها. لذا لا أتصنع استخدام مواد لا أحبها. ] التنويع في نتاجك لا يقتصر على توازي التقنيات إنما أيضاً توازي الأساليب والمدارس المختلفة. نراك مرة انطباعياً وثانية رمزياً وثالثة تعبيرياً ورابعة تجريدياً... أو تتداخل المدارس في عمل واحد. - صحيح هو تنويع، لكنه لا يصل إلى حد الانفصال. الفن مثل الموجة التي تقترب أو تبتعد عن الشاطئ. هناك مزاجية في العملية الفنية. أحياناً تقترب من الطبيعة وتكون واقعياً، وأحياناً أخرى تدخل المحترف فتؤسلب الطبيعة. هذا تنويع ضمن الشخصية التي فيها درجات وهدوء وضجيج. وهذا الأمر يختلف بحسب الزمن والحالة النفسية. لكن إجمالاً مصادري الإنسان والطبيعة. أنا لست تجريدياً. أنا واقعي، ولدي أسلوبي الخاص في التعبير عن مشاعري، بحسب احتكاكي بالإنسان والطبيعة. المواد تفرض نفسها على مزاجي، فالعمل الفني ليس قصة، هو تعبير جمالي. الموضوع بحد ذاته ينسى النبع الأول لنشأته، ويتحول هو نفسه عندي إلى أساس. مزاج الفنان ] لكن المدارس الفنية ليست مجرد مزاج، هي توجه فكري أيضاً. _ أنا أرى أن الالتزام بالجمال فلسفة شخصية. اليوم كل المدارس الفنية حاضرة ومختلطة بعضها بالبعض الآخر. نحن نستخدم الصورة الفوتوغرافية في اللوحة، ويمكن أن نجرد حولها، فتختلط الأمور. المدارس اليوم تداخلت بعضها بالبعض الآخر. لم تعد توجد مدارس محددة، فلكل فنان لمسته الخاصة. حتى لو شطَّ عن ضربته الأساسية. أنا ضد الصنمية في الفن. ضد التحجر والجمود، فالفنان ليس «بوستر»، يتحرك ويزيح في عمله. كل يوم الإنسان يتجدد ويطرح سؤالاً على نفسه: لماذا لا أخترق الأسلوب والمادة. بالنسبة إليّ الفنان يجب أن يكون كل يوم جديداً، وبالتالي عمله يجب أن يتجدد. حتى لو بقي بالمنهجية نفسها. يستمر بوضع الألوان بمنطق اختلاف المزاج. أنا لا أستطيع أن أقرر ماذا أفعل غداً. الفنان يسجل إحساساته، فلا ينتج أعمالاً لتعجب الناس أو يقلد نفسه ليستمر بإعجابه للآخرين. المهم أن نسأل: هل الفنان فرح بما يعمل أم لا؟ نحن كل يوم نتغير، حتى دمنا يتغير، وكذلك مزاجنا، فلماذا نبقى مكاننا. ] كيف تتغير في فنك؟ أين تضع نفسك وتصنف فنك اليوم؟ - الفنان هو الذي يصنع مدرسة لا المدرسة هي التي تصنع الفنان. نحن اليوم لا نعرف كيف نصنف أنفسنا. لا يهمنا التنظير. التنظير يأتي بعد العمل الفني، أي بعد الخلق والإبداع. عندما رسم فان غوغ جنونه، كان يعبر عن ذاته، ثم بعد ذلك أتى التصنيف. الفن اليوم صار أصعب من قبل. كل واحد عليه أن يجد نفسه. عندما يكون الفنان مرتاحاً يشتغل بحسب إحساسه. الفنان ذاتي، يخلق من ذاته قبل أي كلام آخر. وعليه أن يكون متميزاً في ما يخلق. تلك هي البصمة الشخصة. يجب أن يتعذب ويفكر كثيراً إنما يترك نفسه على سجيته حتى يكون فنه أصيلاً وليس فيه أي تصنع. الفن لا يخلق بين يوم وآخر. والفنان يستمر بوتيرة تصاعدية وصراع مع الذات والآخرين، إذا حسمنا أمر التجديد تكون الأمور سهلة، وتحل بدون جهد كبير. مهمة الفنان أن يرسم ويلون وينحت لكن الشغف شرط ضروري. والتجلي نتيجة مهمة. فليس كل ما يصنعه الفنان مهماً، ولا كل الأعمال إبداعاً. وفي كل الحالات يقدم الفنان أعمالاً تمثل شخصيته ويصنف على أساسها، أما باقي أعماله فتعتبر مكملة أو تساعد على فهم التجربة. ] تحدثت عن مزاج الفنان. كيف توزع أمزجتك بين التقنيات المختلفة أو ما سميتها الفصول، متى فصل النحت؟ الألوان؟ الرسم؟... - أنا لدي مواسم. ألحق جسمي. في الصيف أكون حراً أكثر، أتحمل الحر فلا مشكلة عندي مع النحت، أما في البرد فيغيب النحت عن مزاجي. أدخل إلى محترف الرسم وأنتج ما لا يحتاج إلى جهد جسدي. هي بالفعل فصول ومواسم. يمكن أن أدمج عملاً نحتياً بعمل تلويني، ويكون العمل الناتج عنهما تجميعياً. أين الموهوبون؟ ] ما الضوء الذي تفضله أثناء العمل؟ - دائماً أعمل في ضوء النهار. لا أعتمد على ضوء الكهرباء لأنه يغير ألوان الطبيعة. أشتغل بين التاسعة صباحاً والثانية بعد الظهر. في المساء أرسم دراسات أو سوى ذلك من الأمور البسيطة. ] نود لو نعرّج على مرحلة إدارتك لقسم الفنون التشكيلية في معهد الفنون الجميلة. كيف كنت تتعامل مع الطلاب المنفتحين على فنون جديدة لا تحبذها أنت كأستاذ؟ - أنا كأستاذ قبل الإدارة كنت ألغي نفسي كفنان. لا أُشعر الطلاب بأي هيمنة أو سلطة فنية. لم أفعل ذلك طوال عمري المهني. كنت في آخر عشر سنوات من خدمتي أشرف على طلاب الماستر. دائماً كنت أركز على شخصية الطالب وميوله بعدما يصبح حاضراً تقنياً، وبعد معرفته النظرية والتطبيقية، وبعدما تصير لديه رؤياه. لا أسمح لنفسي بأن أقنع الطالب بخيار فني محدد. هو الذي يختار طريقه الفني. في التصوير اللوني أدخل في حوار مع الطالب عن أساسياته في الفن، عن حياته الشخصية أيضاً، وأنطلق من ذلك لنحدد رغبته. يمكن ان تكون طالبة لديها قضية، أو شاب عنده مشكلة ما. فرغبة الطالب هي الأساس. بعض الطلاب يدخلون في خيارات عامة وبسيطة. لم يكن الأمر سهلاً. لكن في الممارسة كنا نخرج بنتائج جيدة. ] النتائج الجيدة أن يتخرج من المعهد فنانون. إلى أي حد حصل ذلك؟ - أقليةٌ أولئك الذين يدخلون إلى المعهد بحماس، نوع ثانٍ يريد أن يحصل على شهادة فقط، عنده موهبة لكن ليس خلاقاً. وبعض ثالث لديه توجه نظري لكن ليس لديه الملكة الكافية، يفكر أكثر مما يعرف كيف يرسم، عملياً هو يتجه في النهاية نحو النقد النظري. هؤلاء جميعاً يهموننا لأنهم يساهمون في الفن وفي إعلاء شأنه في المجتمع اللبناني. الجميع مفيدون ويمكن أن يؤثروا في أبنائهم أو مجتمعهم على الأقل. لقد صار الفن صعباً وقلة هم الطلاب الذين يبدعون ويكملون طريقهم، فلا مجال للكذب في الفن. في كل المدة التي قضيتها في التعليم، من عام 1986 حتى عام 2014، لم أرَ أكثر من ستة طلاب صاروا فنانين، أمثال يوسف عون، جوزيف حرب، بسام جعيتاني، بسام كريللوس، ريكاردو مبارخو وآخرين. بعض الطلاب سافروا إلى الخارج ودخلوا في متاهات الفنون الحديثة وضاعوا. ] بشكل عام هل ترى أن مستوى طلاب الفنون تراجع؟ - الموهوبون قلة. وليس مهماً أن تقدم برامج متطورة أكثر من أن تجد من يتعلم هذه البرامج. بالإضافة إلى ذلك عندنا مشكلة وجود أستاذ. بالتأكيد بات مستوى المعهد أقل بكثير مما كان عليه قبل عشر سنوات أو عشرين سنة. ترى عدداً كبيراً من الأساتذة الذين لا يقيم الواحد منهم معرضاً. الأستاذ الفنان يفيد الطلاب أكثر بطبيعة الحال. قديماً كان الأساتذة أسماء مهمة، ربما لا يجيدون كلهم التعليم لكنهم فنانون معروفون يحترمهم الجميع، خصوصاً طلابهم. قد نجد اليوم في المعهد أستاذاً أو اثنين من الأسماء المهمة، لكن ذلك لا يكفي، فبعض الاختصاصات لا أساتذة لها. يتقاعد أستاذ فلا تجد بديلاً منه. خلاصة القول، إن المعهد في خطر.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة