يبادر الصيدلي »العتيق« جان بسترس بعد سؤاله عن تأثير نظام المناوبة الجديد على عمل الصيدليات الى القول بحسرة: »رزق الله على ايام زمان، التي كنا نعمل فيها على راحتنا. لأننا كنا الوحيدين في المنطقة المحيطة بنا«. ويقصد بسترس بذلك ان مشكلة الصيدليات اليوم ليست فقط بالدوام، وانما بارتفاع عددها، الذي تضاعف ثلاث مرات عما كان عليه في مدينة بيروت، اثناء فترة الستينات، ولكن مع ذلك فإن بسترس يرى في اعادة تنظيم دوام عمل الصيادلة امرا جيدا لانه يساوي بين جميع الصيدليات، ويمنع بالتالي المنافسة غير المشروعة في ما بينها: »عندما تفتح الصيدلية ليلا نهارا، يعتاد عليها الزبائن، وتصبح المفضلة لديهم، لأنها تؤمن لهم طلباتهم في الوقت الذي يحتاجون فيه الى ذلك«. ويوضح بسترس ان نظام المناوبة، الذي يجري العمل فيه حاليا، كان موجودا منذ ان وضع قانون مهنة مزاولة الصيدلة في العام 1959، ولكنه توقف خلال سنوات الحرب الاهلية. »حين اصبح كل شيء يسير وفق قوانين الحرب، وتفتح الصيدليات وتقفل حسب الظروف الامنية«. وبرأي بسترس فإن الدوام الجديد لم يغير في نسبة المبيعات لدى الصيدلية لانها تفتح من الثامنة صباحا حتى الثامنة ليلا. وتقفل يوم الاحد. باستثناء اليوم الذي يأتي فيه دورها حسب نظام المناوبة. ومن خلال القيام بجولة على عدد من الصيدليات في مناطق متفرقة في بيروت والضاحية الجنوبية، بدا واضحا تفاوت الآراء لدى الصيدليات تجاه النظام الجديد، بين من اعتبره ايجابيا، وبين من اعتبر ان له بعض التأثيرات السلبية، لانه حدّ من دوام الصيدليات، وخصوصا تلك التي كانت تفتح ليلا نهارا. ويقول صاحب احدى الصيدليات المعروفة في الاشرفية، والذي طلب عدم ذكر اسمه: »نفتح من الثامنة صباحا حتى الثانية عشرة ليلا، بينما فرضت علينا النقابة اما ان نفتح ضمن الدوام العادي، اي من الصباح حتى المساء، واما ان نفتح ليلا نهارا، شرط توظيف صيدلي ثان لتأمين الدوام الليلي«. يضيف: »ان هذا الامر لا يناسبني، لاني لا اريد تحمل مسؤولية توظيف صيدلي بدوام ليلي، في ظل الاعتداءات التي يتعرض لها الصيادلة، ولذلك قررت اختصار الدوام بدل زيادته«. ويشكو الصيدلي من قلة نسبة البيع التي تشهد حالة تراجع مستمر، لان المرضى اصبحوا يفضلون اللجوء الى المستوصفات للحصول على الادوية مجانا، او بأسعار زهيدة. مع العلم، حسب الصيدلي، بأن المستوصفات لا تمتلك جميع انواع الادوية المطلوبة، وأحيانا تقترح على المريض استبدال دوائه المطلوب، بآخر شبيه له من حيث النوعية، وذلك لا يجوز طبيا، وقد يضر الدواء بالمريض بدل ان ينفعه. اما في منطقة الشياح، فتبدو الموظفة في »صيدلية الوئام« مرتاحة للدوام الجديد لانه اتاح لها العطلة في منتصف يوم السبت ويوم الاحد كاملا من كل اسبوع: »كنت ابقى في الصيدلية يوم السبت حتى المساء والآن استطيع الذهاب الى منزلي باكرا، او اذهب الى قريتي«. وتلفت الى ان المنطقة التي تقع فيها الصيدلية، لا تعتبر من »مناطق البيع« ولذلك فإنها تقضي وقتا كبيرا في الصيدلية »على الفاضي«. ويبدو الصيدلي البير مارغوسيان صاحب »صيدلية الجديدة«، وهي من اكبر الصيدليات في فرن الشباك غير معجب على الاطلاق بالمناوبة اثناء العطلة الاسبوعية، على الرغم من انه كان يعمل ضمن نظام المناوبة قبل فترة الحرب: »نحن ثلاثة صيادلة نعمل في الصيدلية، انا وابني وصيدلي ثالث هو غالب عطوي، كانت صيدليتي مفتوحة دائما وأضطر الآن لإقفالها ليوم ونصف كل اسبوع مع انها تقع على طريق الشام وهو طريق رئيسي، وفي الوقت الذي ادفع فيه للصيدلي راتبا كاملا«. ويحفظ مارغوسيان قانون نقابة الصيادلة جيدا لانه كان يستشهد به دائما طوال حديثة: »ينص القانون على انه يجب على الصيدلي التواجد دائما في الصيدلية طوال فترة الدوام، وعدم التغيب الا في حال تأمين تواجد صيدلي آخر مكانه، بينما الذي يجري اليوم هو توظيف اشخاص عاديين في الصيدليات« كما يشير مارغوسيان الى ثغرة اساسية تكمن بعدم التزام الصيدليات بمسافة الثلاثمئة متر التي حددها القانون بين صيدلية وأخرى، موردا امثلة على الصيدليات القريبة منه، والتي لا يفصل احداها عن الاخرى سوى مسافة امتار قليلة، وفي افضل الاحوال مئة متر. ويعتب مارغوسيان على نظام المناوبة ليس لانه يحدد دوام الصيدليات، وانما لانه لا يفرق بين الصيدليات الكبرى التي تستطيع تامين جميع اصناف الادوية للمرضى، وبين الصيدليات الصغيرة، التي لا تملك الامكانيات لشراء كميات كبيرة ومتنوعة من الادوية، وبالتالي فان المريض برأيه قد لا يستطيع تأمين حاجته من الدواء من الصيدلية الصغيرة، عندما يحين دورها في المناوبة. ويخلص مارغوسيان الى التأكيد ان المسألة ليست مسألة دوام، وانما مسألة تنظيم المهنة بكل جوانبها، من حيث الشروط التي يجب توافرها بالصيدلية، لكي تكون »صيدلية شرعية«. وترد نقيبة الصيادلة ليلى خوري على تساؤلات الصيادلة وآرائهم تجاه نظام المناوبة بقولها: »ان النظام ليس جديدا، وانما جرت فقط اعادة العمل به، بعد فترة انقطاع طويلة«. وحسب المادة الثامنة عشرة من قانون مزاولة مهنة الصيادلة الذي جرى تعديله في العام 1999 فإن النقابة تضع كل اسبوع جدولا بأسماء الصيادلة المناوبين، على ان تضع كل صيدلية الجدول على بابها، بعد ان تبلغ بذلك. اما في ما يختص بالأماكن النائية، اي المناطق التي لا يوجد فيها سوى صيدلية واحدة، فتوضح خوري انه يترتب على الصيدلي عندما يريد اقفال صيدليته، اتخاذ الوسائل الكفيلة بمراجعته عند الاقتضاء، اي بمعنى آخر وضع عنوانه ورقم هاتفه على باب الصيدلية. وتفيد خوري بأن النظام الذي بدأ العمل به في تشرين الاول الماضي، لا يزال قيد التجربة، وتعديله وارد اذا ما تبين انه يحتوي على سلبيات، لأن الهدف بالنهاية هو مصلحة الصيدلي والمواطن في آن معا. ولكن ما هي الاجراءات التي تتخذها النقابة في حال عدم التزام الصيدليات بالنظام وبشروط التوظيف؟. تقول خوري ان النقابة تقوم بدوريات على الصيدليات، بين الحين والآخر، اي »تقوم بكبسة« وعندما تكتشف ان الصيدلية لا تلتزم بالقانون، تتخذ بحقها اجراءات تبدأ بإرسال تنبيه لها... ومن ثم التوقيف المؤقت عن العمل، وصولا الى التوقيف النهائي. ولكن ما تورده خوري يبقى في الاطار النظري اكثر مما هو في الاطار العملي، لأنه تبين من خلال ما قاله عدد من الصيادلة ان تشغيل موظفين عاديين في الصيدليات هو امر متعارف عليه، ولا يدخل ضمن الحالات الإستثنائية. وعندما يجري تناول موضوع الفائض في عدد الصيدليات مع خوري، فإنها تشير الى ان النقابة لا تستطيع منع فتح صيدليات جديدة، وإنما تقدر ان تفرض عليها الالتزام بمسافة الثلاثمئة متر. وتلفت الى اجراءات يجري بحثها مع وزارة التعليم العالي، وتقضي باتباع النظام المعمول به عالميا للتخصص في مهنة الصيدلة، وبموجب ذلك النظام تجري مباراة دولية لكل من يرغب بالاختصاص، ومن ينجح بالمباراة يحق له التخصص، بعد تحديد العدد المطلوب سنويا. وتؤكد خوري ان الحفاظ على امن الصيادلة من مسؤولية قوى الامن الداخلي، لأن النقابة لا تملك الاجهزة الخاصة بها، ولأن الاعتداءات لا تستهدف المهنة، وانما تستهدف سرقة الاموال والاغراض من الصيدليات، كما يحصل في باقي المحلات المستهدفة بالسرقات. وعلى الرغم من وعود القوى الامنية بتكثيف دورياتها قرب الصيدليات، ولا سيما اثناء الليل فإن الاعتداءات عليها لا تزال مستمرة، وآخرها ما حصل الاسبوع الماضي.