رهان على العشائر.. ومكافحة البطالة
ثلاثة أطرف تتفاعل مع ظاهرة سيناء، وينعكس تفاعلها بقوة على المشهد في شبه الجزيرة المضطربة. الطرف الأول هي الجماعات المسلحة التي تدفق إليها السلاح والعناصر المدربة من محيط يموج بالصراعات والحروب الأهلية، ووجدت في سيناء البيئة المناسبة لإدارة صراعها مع الدولة المصرية. الطرف الثاني هي الدولة المصرية ممثلة في الجيش والشرطة، والتي تعتبر حسم المعركة مع الجماعات المسلحة في سيناء خطوة ضرورية لإثبات القدرة على استعادة هيبة الدولة وبسط سيطرتها في كل مكان، وغير ذلك سيعني قدرة الجماعات المسلحة على النمو واحتمال الانتشار خارج سيناء، بما له من آثار سياسية واقتصادية غاية في الخطورة. أما الطرف الثالث فهم أهالي سيناء، الذين يعانون سواء من ضربات الإرهاب أو من إجراءات مواجهته، بحيث أصبحت حياتهم اليومية متأثرة بشدة في الصراع الدائر، من ساعات الحظر والتهجير من الشريط الحدودي والإجراءات الأمنية، إلى جانب المخاطر المحتملة دائماً وسقوط ضحايا منهم خلال العمليات المسلحة. كما أن انحياز الأهالي إلى الدولة في مواجهة الجماعات المسلحة يجعلهم عرضة للعمليات الانتقامية من قبل تلك الجماعات، كما أن أي تقاعس من جانبهم في مساندة أجهزة الدولة يجعلهم عرضة للاتهام بمساندة الإرهاب والتستر عليه. مصرع عدد من الإرهابيين أثناء هجوم لقوات الأمن، أو سقوط شهداء من الجيش والشرطة جراء عمليات مسلحة، هي الأخبار الواردة من سيناء بشكل شبه يومي. ولكن تلك الأخبار لا تكشف كل ما يدور على أرض سيناء. فكل عملية مسلحة يليها استنفار لقوات الأمن وتشديد الإجراءات الأمنية، وكل نشاط أمني ضد الجماعات المسلحة يليه القلق من عمليات انتقامية من قبل تلك الجماعات. ومع استمرار الصراع والكر والفر، يتغيّر شكل الحياة في سيناء، وتتغيّر الحياة اليومية لأهلها. وبحسب اتحاد الصحافيين والمراسلين في سيناء، فإن حصيلة ضحايا العنف من المدنيين والعسكريين في شمال شبه الجزيرة، خلال الفترة الممتدة من 30 حزيران 2013 وحتى تموز 2014، هي 1085 قتيلًا وجريحاً، وفقاً لإحصاءات طبية وأمنية. ووصل عدد القتلى جراء الأحداث التي شهدتها محافظة شمال سيناء، خلال تلك الفترة، 335 قتيلاً من بينهم 153 من قوات الجيش والشرطة، و182 مواطناً مدنياً، بالإضافة إلى إصابة 750 آخرين، من بينهم 395 من قوات الجيش والشرطة، و355 مواطناً مدنياً. وجراء هذه الأحداث كانت الأوضاع في سيناء تتأثر بشدة. تحدث الشيخ عيسى الخراطين، وهو زعيم قبيلة الروميلات، إلى «السفير» قائلا إن «الوضع طبعاً أصبح متوتراً جداً. قوات الجيش والشرطة أصبحت أكثر تحفزاً من ذي قبل. وخاصة بعد العملية الأخيرة. لقد أعرب أبناء القبائل في سيناء عن رغبتهم في الانضمام إلى جهود مكافحة الإرهاب في سيناء، وطلبوا رفع رغبتهم تلك إلى القيادة السياسية والعسكرية، لأن القضاء على الإرهاب هو الطريق الوحيد للاستقرار». وأضاف الشيخ عيسى أن «آثار الأعمال الإرهابية سيئة جداً على أهالي سيناء. والحياة اليومية يسيطر عليها حظر التجول. وهذا يؤثر بشدة على التجارة ومختلف الأعمال التي نمارسها، فحياة البدوي نصفها في الليل، وقد قبلنا الأمر تحت ضغط الظروف التي تمر بها البلد». وأشار إلى أن «لا سياحة أصلاً عندنا، فالسياحة في جنوب سيناء، ولا توجد الظروف ذاتها هناك». وعن الجماعات المسلحة يقول إن «الجماعات التكفيرية لها موارد من الخارج. فحالة الفوضى التي أصابت المنطقة العربية خلقت البيئة المناسبة لنمو مثل تلك الجماعات. ولكن أتوقع أن الإجراءات التي تقررت مؤخراً سوف تحقق نتيجة جيدة في المعركة ضد الإرهاب». تحاول قبائل سيناء طوال الوقت القيام بما في وسعها لاستعادة الحياة المستقرة، ولا تتوقف عن عرض خدماتها على الدولة. رئيس مجلس حكماء القبائل العربية رئيس «الحزب العربي» الشيخ علي فريج، تحدث إلى «السفير» عن الوضع العام قائلاً: «تقدمنا بطلب للقاء الفريق أسامة عسكر الذي يتولى قيادة منطقة شرق القناة الموحدة، والرجل ليس غريباً على سيناء وأهلها، ويعرفنا ونعرفه جيداً. سنشرح له في اللقاء الأوضاع كما نراها ونعيشها، وسنطلب أيضاً تفعيل دور القبائل في مواجهة الإرهاب. كل قبيلة تكون مسؤولة عن منطقتها بحيث لا يحدث منها تسلل أو تهريب، وأهل مكة أدرى بشعابها». وأضاف أن «القوات المسلحة تعرف دور القبائل في حماية أرض سيناء، منذ العام 1948 وبعدها وفي كل المحن كنا موجودين لحماية حدودنا، لأننا جزء من الشعب المصري. كما سنتحدث عن مشكلة البطالة التي يعاني منها الشباب والتي تسهم في خلق بيئة للإرهاب». وأوضح فريج أمراً آخر قائلاً إن «سيناء مساحتها 61 ألف كيلومتر مربع، والأزمة كلها محصورة في منطقة محدودة بطول 20 كيلومتراً وعرض 50 كيلومتراً، وهي منطقة العريش والشيخ زويد. وتمتاز هذه المنطقة بالكثافة السكنية وانتشار المباني والأشجار وهو ما يضاعف من حجم المشكلة. أما باقي سيناء فآمنة». ويرى فريج أن العوامل الخارجية تلعب دوراً مهماً، «فسيناء مستهدفة من قوى خارجية، والأزمة ليست وجود بعض الإرهابيين، المشكلة في الدعم الخارجي. وقد أدّى نشاط القوات المسلحة إلى نتائج واضحة. فمن قبل كانت الجماعات الإرهابية منتشرة وبشكل علني وتجارة الأنفاق والتهريب معلنة. أما اليوم فالعناصر الإرهابية مختبئة، تقوم بتوجيه ضربة ثم تعود إلى مخبئها. وهذه مشكلة لأن جيشاً نظامياً يواجه عصابات مسلحة». وأضاف فريج أن «الجيش ليس مطلق اليد تماماً. فهناك مدنيون وأبرياء يمكن أن يصابوا لو لم يتخذ الجيش احتياطاته. الجيش دفع بقوات كبيرة للسيطرة، ويجب أن نرى الأمور جيداً. فما يحدث في سيناء ليس استثناءً. ففي القاهرة أيضاً تنتشر العبوات الناسفة في أماكن حيوية وتسقط الأبرياء. الإرهاب ليس في سيناء. ولكن طبيعة سيناء وقربها من الحدود، ودور القوى الخارجية الظــاهر فيــها أكــثر هــو ما يعطي للحرب ضد الإرهاب فيــها أهمية خاصة». تطورت المعركة ضد الجماعات المسلحة في سيناء واتخذت أبعاداً متعددة. ودفعت فيها الدولة بإمكانيات ضخمة، معتبرة أنها المعركة الفاصلة في الحرب ضد الجماعات المسلحة. كما أنها يمكن أن تكون نقطة انتشار ما لم تتم السيطرة عليها. المدير السابق لـ «مركز الدراسات الاستراتيجية» اللواء حسام سويلم قال لـ «السفير» إن «المعركة في سيناء واضحة، والعدو واضح ولا توجد أطراف متعددة. فالقوات المسلحة والشرطة والأهالي طرف واحد في مواجهة الإرهاب. لا يوجد سوى بعض الخونة المتعاونين مع الإرهاب»، مضيفاً أن «تحمل أهالي سيناء للإجراءات التي تتخذ للتضييق على الجماعات الإرهابية هو أكبر دليل على وحدة أهالي سيناء مع القوات المسلحة، وهذا ليس غريباً على من كان منحازاً للمصلحة الوطنية دائماً». وأشار سويلم إلى العملية الأخيرة قائلاً إن «العملية الأخيرة مثلاً تم تنفيذها باستخدام سيارة مزودة بصهريج مياه، وكانت أثناء ساعات حظر التجول. وعندما أطلقت عليها النار بحسب القواعد اكتشف أنها مصفحة ولا تتأثر. تجهيز سيارة مصفحة كتلك يحتاج إلى وقت، وإخفاؤها أيضاً يحتاج إلى متعاونين أو متواطئين. لم يتم التبليغ عنها، والهجمة كان يمكن أن تسقط أعداداً ضخمة من الضحايا لو تقدّمت أكثر. ما يعني أن الإرهابيين تلقوا مساعدة من داخل سيناء». الإجراءات الأخيرة التي أعلنها الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي لمواجهة العنف في سيناء لم تتوقف فقط عند جانبها العسكري المتمثل في تشكيل قيادة موحدة للعمليات في شرق القناة، ولكن أيضاً في تخصيص عشرة مليارات جنيه (حوالي مليار و300 ألف دولار) لتنمية سيناء، وبناء جامعة، وهي الإجراءات التي قد يفوق تأثيرها تأثير الإجراءات العسكرية.