As Safir Logo
المصدر:

تطور العمارة العربية بين »النوستالجيا والبراغماتية« الحنين البكائي هامشيّ التأثير وعمارة الزيّ العالمي الموحد تصنع كل المجال!

المؤلف: فياض رهيف التاريخ: 2000-11-10 رقم العدد:8754

نقرأ في الموسوعات الغربية ان لكلمة »نوستالجيا« اللاتينية، أصلا إغريقيّا مركّبا من نوستوس (NOSTOS) اي العودة، وألغوس (ALGOS) اي الألم. وفي الأصل الإغريقي للكلمة، يشكل الألم العائد، مضمونها. وتعرّب قواميسنا، »النوستالجيا« بالحنين او بالتوق، وتقول معاجمنا في شرحها، توق الى الوطن، او حنين الى الماضي، مؤكدة ان في كلمة »حنين«، شوقا، وأن في الشوق حزنا، وفي الشوق، أسفا ممزوجا بكآبة. ونقرأ في الموسوعات الغربية مرة اخرى، ان »البراغماتية« هي كسابقتها لاتينية، ذات أصل إغريقي مركب، من براغما (PRAGMA) وآتوس (ATOS)، وهي تُعنى بعمل ما، بفعل ما. و»البراغماتية« في الفكر مع وليام جيمس، ومنذ نهاية القرن التاسع عشر، هي نظرية، تعتبر الحقيقة مرتبطة بالنجاح، حيث إن الصائب هو ما يتم إثباته في الفعل. وأرى في هذا التعريف ما يدل على ان »البراغماتية« هي رديفة »الأمبيرية« (EMPIRISME) اي التجريبية كما تعربها قواميسنا. وهناك من يعرّبها بالذرائعية، وهو تعريب يقع خارج اهتمامنا اليوم. وتشير معاجمنا مرة اخرى، الى ان جوهر التجريبية يكمن في ان دلالة اي مفهوم، يجب ان يفتّش عنها في نتائج تطبيقه. والحنين إذاً، اشتياقا كان او توقا، لا يكون الا الى ما كان لدينا وفقدناه، او الى حالة كنا عليها وخسرناها، او الى زمن جميل عشنا فيه وذهب الى غير رجعة. فيلازمنا في الحاضر، ويشدنا الى الماضي. فلا يحنّ واحدنا الى المستقبل الذي لا يعرفه، بل يحلم به. والحنين، وإن كئيبا بكائيا، هو شعور فقط. وربما أثّر هذا الشعور في صياغة نظريات في الفكر عامة، وفي العمارة خاصة، ولكنه لا يشكل مذهبا فكريا بذاته. ولا يصبح الحنين مذهبا فكريا، الا اذا صيغت كل الآمال، وكل الاحلام بأفكار الماضي، وفي هذا يكمن جوهر الأصولية. وأستعجل القول هنا فألاحظ، وإن اضطررت الى التكرار لاحقا، ان لا وجود لحنين فاعل في العمارة المعاصرة في لبنان بالتأكيد، وربما صح القول ذاته في العمارة، على امتداد الارض العربية ايضا. اما »البراغماتية« او التجريبية، فهي مذهب فكري قائم، وليست شعورا. والمذهب الفكري هذا عند المعماريين، يفترض ممارسة انتقائية، تتعدد فيها قنوات التأثير، كي يصح القول عندها، ان الحقيقة مرتبطة بالنجاح، وان دلالات المذهب، يفتش عنها في تطبيقه. وربما شكل الحنين في هذا السياق، كما سبق أن ذكرت، إحدى قنوات التأثير، الا ان فعله في العمارة يبقى هامشيا، مقارنة بفعل قنوات التأثير الاخرى المتعددة، والتي يتأثر بها اليوم المعماريون العرب عامة ومنهم المعماريون اللبنانيون خاصة. إذ يتأثر معظمهم بتيارات العمارة الغربية المعاصرة، عبر ممارسة انتقائية واضحة، مبالغة في الاقتباس، وفي النقل. نحن إذاً، أمام نص لموضوعنا، مضمونه هو، كما أفهمه، »تحولات العمارة في الوطن العربي، بين النوستالجيا والإكلكتيكية«، او بين »الحنين والانتقائية في الاقتباس«، ولا ضرر من ان نضيف الى النص كلمة تجريبية. نحن إذاً أمام نص يرى تحولات العمارة عندنا، في معادلة بين الحنين، والاقتباس الانتقائي. لن أتطرّق الى إشكالية الحفاظ على الابنية التراثية كما وردت في موضوعات ندوتنا، او الى اشكالية الحفاظ على النسيج العمراني التراثي، الموجود بقوة في معظم مدننا اللبنانية، إذ أرى أن هذه الإشكالية هي قضية قائمة بذاتها، بوسائلها أولا، التشريعية، والمالية، والتقنية، وبأهدافها ثانيا، العمرانية، والثقافية، والانسانية. وكنت أتمنى لو لم تورد موضوعات ندوتنا، هذه الاشكالية البالغة الاهمية كما وردت في النص، اي تحت سقف الحنين. بل سأتطرق الى القضايا التي أراها اكثر التصاقا بموضوعات ندوتنا هذه وبالمعادلة الواردة في النص، وهو العنوان الرئيس لها. إذ إنني أرى انحيازا في معادلة النص لأنها توحي بتوازن، بين تأثير الحنين في أعمال المعماريين العرب، وبين تأثير الاقتباس الانتقائي من التيارات المعمارية الغربية في هذه الأعمال. توازن في التأثير، يصل الى حد التضارب، ويلغي بالتالي غلبة أحد العنصرين فيه، على العنصر الآخر. لست بالتأكيد في موقع أستطيع منه ان أقوم بمقارنة شاملة لأعمال المعماريين العرب اليوم، إذ لا أعرف عن العمارة المعاصرة في الوطن العربي الا القليل، وسأكتفي بالتالي بالإشارة الى بعض الذين عرفتهم من خلال وثائق محدودة وقراءات قليلة. فأنا لا أرى مثلا حنينا عند شيخ المدافعين عن العمارة التقليدية في مصر، عند حسن فتحي، بل أرى عنده مقاومة. إذ لا تخاض المقاومة في كل مراحلها بالحجارة وبالزجاجات الحارقة، كما هي الحال اليوم في فلسطين. ويذكرنا كتاب »القدس الآن« الصادر مؤخرا عن »هيئة المعماريين العرب«، يذكرنا هذا الكتاب الرائع، بأن تهويد القدس هو في أحد جوانبه بالعمارة، وأن المقاومة بالتالي، هي أيضا، في أحد جوانبها بالعمارة. من هذا المنظار أرى مقاومة عند حسن فتحي، مقاومة مع الشعب، يذكّرنا بها كتابه »القرنة، او حكاية قريتين«، الصادر بالانكليزية في العام 1969، والصادر مرتين بالفرنسية في العامين 1970 و1996 بعنوان »البناء مع الشعب«. ويحكي عن هذه المقاومة أيضا، كتاب محمد ماجد خلّوصي، الصادر في بيروت عن دار قابس في العام 1997. ارى عنده مقاومة، ترمي الى اعادة الاعتبار الى المواد التقليدية في البنيان، والى طرق البناء الملازمة لها، والى مشاركة الناس في عملية التشييد. كما أرى فيها مقاومة واعية للاستعمال العشوائي، وغير المجدي، للمواد الجديدة المستوردة، وللتقنيات الحديثة الوافدة، دون التمحيص الهادئ، للتأكد من درجة ملاءمتها: للاقتصاد، للوظيفة، وللمكان بكل مكوناته. ولا أرى حنينا في أعمال مكية والجادرجي في العراق، اخترتهما وقد وثّقت بعض أعمالهما في كتب صدرت في لبنان، بل أرى عندهما إدراكا مبكرا لمسألة الهوية، في زمن السيطرة الكاملة لأقانيم الحداثة، إذ اعتبرا بحق، ان العمارة في كل العصور إنما تقوم في مكانها ولمكانها، ولناس هذا المكان. فلجأ الأول الى أسلوب اللصق الذي نأنف منه اليوم، واستعار لعمارته بعض عناصر العمارة التقليدية، مستبقا نظريات ما بعد الحداثة، حول حضور الماضي في العمارة المعاصرة. وحاول الثاني ان يبتكر لغة مختلفة، كي لا أقول لغة جديدة، لعمارة عصرية لا تنسى تاريخها، مستظلا دائما مبادئ الحداثة. كما فعل لوكوربوزييه في أعماله الاخيرة. وما يهمني هنا بعيدا عن اي ادعاء بمعرفة شاملة للعمارة العراقية المعاصرة، وبعيدا عن تقويم التجربتين بمعايير الفشل او النجاح، ما يهمني هنا هو التأكيد مجددا ان لا حنين بكائيا في مثل هذه التجارب، بل محاولات صادقة للتجديد، ربما أتت قبل أوانها. ولا أرى حنينا في أعمال راسم بدران في عمّان، والرياض، وقطر، وخاصة في عمله الاخير في تنظيم الواجهة البحرية لمدينة صيدا في لبنان. لا أرى في أعمال راسم بدران هذه حنينا، بل أرى فيها محاولات لفهم نظري للعمارة الموروثة، هنا وهناك، ولإدراك مدى ارتباطها بالمكان جغرافيا وانسانيا، ولإعادة انتاج كل ذلك لوظائف معاصرة، في عمارة عصرية، تحاول ان تتواصل في الزمن مع المشهد العمراني القائم الموروث. وربما كان في هذه الاعمال بعض النقل احيانا، وكثير من التكرار احيانا اخرى، الا ان من الضروري التأكيد ان لا حنين بكائيا فيها. وأبالغ ربما إذا قلت، إنني لا أرى حنينا في أعمال عبد الواحد وكيل، التي تلامس النسخ الصافي لأعمال المعلم الكبير حسن فتحي، بل أرى فيها مصنَّعات للاستهلاك البصري، تتميز بقدرة مدهشة على إبهار بعض المثقفين، او بعض الأثرياء الجدد، هذا إذا استثنينا الناجح من مساجده. عمارة الطرز الدولي في المعادلة موضوعنا أكرر، كما أفهمها، وهي »تحولات العمارة في الوطن العربي (متجنبا صيغة تطور العمارة العربية)، بين الحنين والانتقائية« * أي بين الحنين البكائي او الاشتياق المصحوب بكآبة، كقناة للتأثير في أعمال المعماريين العرب، * وبين الانتقائية التجريبية، كرزمة من قنوات التأثير الوافدة من الغرب الصناعي، او من الغرب ما بعد الصناعي، في هذه المعادلة، أرى الحنين احتمالا او امكانية، وأراه في ذروة فعله، ممارسات خجولة، فردية، غالبا ما صنعتها التيارات التي أفرزتها مدارس ما بعد الحداثة الغربية، ومنها مقولة حضور الماضي في العمارة المعاصرة، تلك المقولة التي دفنت من زمان. دليلي على ذلك، ان استعمال المعماريين العرب الروّاد لبعض الأشكال التقليدية، لم يكن بدافع النقل لذاته، او بدافع حضور الماضي في عمارتهم، او بدافع البكاء على أطلال أشكال ربما تكون قد ماتت، بل كان، بدافع التفتيش الصحي، عن عمارة عصرية تلائم زمانها ومكانها وناسها. وبدافع تواصل المشهد العمراني في مدننا في الزمن، دون قطع فجّ، عنيف، مغرّب. دليلي على ذلك أيضا، ان لا تيارات معمارية في الوطن العربي اليوم، تقوم على الحنين وحده، تغلّبه، وترفض التعامل مع معطيات عالمنا. أما رزمة قنوات التأثير الانتقائية، المستمدة من مختلف التيارات الغربية المعاصرة، فهي واقع، يفعل بشكل عشوائي في أعمال المعماريين العرب، ويصنع وحده اليوم المشهد العمراني في معظم مدننا. وكل متجول في شوارع القاهرة والرياض، او في شوارع الدار البيضاء وأبو ظبي، ان كل متجول في هذه الشوارع، ربما رأى الحنين يطلّ بخجل في قوس منقول هنا، او يتسلل بخفر في زخرف يتيم هناك، الا ان مشهد العمران الحالي في كل هذه المدن، تصنعه اليوم بلا منازع، الطبعات المختلفة، لعمارة الطرز الدولي المعاصرة، المزيفة. ولا تشذ بيروت عن شقيقاتها المدن العربية الاخرى، بل ربما تكون سبّاقة الى احتضان كل الطبعات، الاصلية والمعدلة المنقحة، لعمارة الطرز الدولي المعاصرة. هذا ما تؤكده بالفعل المشاهدات الحسية في شوارع عاصمتنا. الا ان وضوح الزيف في العمران القائم عندنا اليوم، يجعل من الضروري الاهتمام النظري الكافي بهذه العمارة التي قامت في مدننا وفي عاصمتنا تحديدا، خلال العقود الستة الاخيرة من القرن العشرين، لتبيان اتجاهات التحولات فيها، في ضوء معادلة موضوعنا. وأشدد على النقص النظري في دراسة هذه المرحلة من تحولات العمارة عندنا، ولا أقول تطورها. * لأن في مكتبتنا المعمارية، كتابا لروبير صليبا صدر مؤخرا عن نقابة المهندسين في بيروت، وفيه مقاربة منهجية لما يعرف بالعمارة الكولونيالية، التي قامت عندنا في ظل الاحتلال الفرنسي طيلة عقدين، من العام 1920 حتى العام 1940. * أما عن العمارة في العقود الستة المذكورة، فليس في مكتبتنا المعمارية سوى كتاب »بيار الخوري... معماري«، الذي صدر مؤخرا عن دار النهار، وفيه عرض موثّق لتجربته المعمارية، التي امتدت طيلة النصف الثاني من القرن العشرين. وفي الكتاب خاصة مقدمة لجورج عربيد، حاول فيها ان يسلط الضوء، على أعمال المعماريين اللبنانيين، خلال عقود ما بعد الاستقلال، التي نتكلم عنها. * دون ان نهمل كتابات اخرى في الاتجاه نفسه، نشرت هنا وهناك، لجاد تابت، ومارلين غريب، وهاشم سركيس... وغيرهم. الاقتباس اللافت في عمال المعماريين اللبنانيين البارزين من خلال الكتابات التي ذكرتها، ومن خلال مراجعات الوثائق المتوفرة، ومن المشاهدة الحسية، اللافت هو تأثرهم المباشر بقنوات فكرية متعددة، أتت إلينا مع الحداثة الغربية، واستقرت بقوة في العمارة مع الانتداب الفرنسي، وبعده. قنوات تأثير فكرية متعددة، ظلّت بمعظمها تحت سقف الحداثة: * من »الهيكل الانشائي العقلاني« عند اوغست بيريه (AUGUSTE PERET)، والمصنوع من الخرسانة المسلحة الظاهرة فيه. * إلى تيارات الحداثة المختلفة: الى »الباوهاوس« والأحجام الصافية، والكتل المتناغمة، والأشكال الهندسية الصارمة، واللاتماثل المنظّم. الى »لوكوربوزييه« ونقاطه الخمس المشهورة، والى تيار دو ستيل "DE STIJL" الهولندي. إلى التأثر المباشر ببعض المعماريين الذين أتوا الى لبنان وعملوا فيه، مثل ميشال ايكوشار وأوسكار نيمايير، وغيرهما، وهما تلميذان مميزان للوكوربوزييه. * الى التأثر باقتباسات الحداثة في بعض البلدان خارج أوروبا: في البرازيل، في الارجنتين او في اليابان. بالإضافة الى التأثر المباشر ببعض معماريي الحداثة الاميركيين: فرانك لويد رايت وبول رودولف... وغيرهما. * الى اقتباسات نادرة في العقود الاخيرة، حاولت بشكل متميز، ان تتلاءم مع روح المكان. المكان بطوبوغرافيته، وصنوبره، وحجارته، ونماذج بيوته. بالإضافة احيانا الى المكان بتقاليد ناسه، وبحياتهم الفاعلة فيه. * الى التأثر بتيارات »ما بعد الحداثة«. * الى التأثر بالبنيوية، والتفكيكية، والمينيمالية. * الى التأثر اليوم بعمارة الموضة الزجاجية الرائجة. تغلّف هذا التأثر نظريات متعددة بل متناقضة احيانا، مثل نظرية العمارة المؤقتة تواجه نظرية العمارة التي تدوم، او نظرية المزج بين العالم الافتراضي والعالم الحقيقي، في العمارة الواحدة... وغيرها. * والى التأثر أخيرا بالعقلانية الجديدة، وبالحداثة الجديدة، وبنظرية التهجين... الى الفوضى الكاملة أكاد أقول. إن قنوات التأثير المتعددة هذه، التي استظلّت الحداثة الغربية غالبا، وما بعد الحداثة احيانا، أنتجت، عند معماريينا البارزين، اتجاهات اقتباسية، سعت احيانا الى إقامة عمارة تحاول ان تتلاءم مع الظروف المحلية، كما سبق أن ذكرت. وقد كانت تجارب الاقتباس هذه، ناجحة نسبيا عند بعض البارزين من معماريينا، وخاصة في السنوات الممتدة من أوائل الخمسينيات حتى أواخر الستينيات، على أبواب الحرب الاهلية. كما استمر هذا التوجه عند بعضهم الآخر حتى يومنا هذا. أكرر مرة اخرى هذا الاستنتاج لأنه موضوع توافق عام، عندنا. الا انني، برغم هذا التوافق، أرى ان هذا النجاح في الاقتباس هو نجاح محدود، وان الملاءمة المنشودة مع الظروف المحلية، انحصرت وتنحصر في مجالات من الملاءمة محددة أيضا وهي: * الملاءمة مع الظروف المناخية العامة، ومع ظروف الموقع الخاصة. * والملاءمة بين العمارة الحديثة المقتبسة، والأساليب التقليدية في التنفيذ، بمعالجات مجددة للتفاصيل، ولطرق البنيان. والاتجاهات الاقتباسية هذه جاءت بمعظمها، وكما أراها: * انتقائية، كما وردت في معادلة موضوعنا أذكّر، ساعد في ذلك عاملان: الأول، التكوين الاكاديمي المتنوع للمعماريين اللبنانيين، (في بيروت، ولندن، وباريس، وروما، وبروكسل، ومدريد، وموسكو، ووارسو، وبراغ، وفي جامعات اميركية متعددة). والثاني، البيئية الثقافية في لبنان المتنوعة والغنية، حيث يراد احيانا للتنوع الثقافي هذا، ان يكون تعددا، وان يكون جمعا حسابيا، دون انصهار فعلي في ثقافة جامعة. * وتجريبية، كما وردت في معادلة موضوعنا، أذكّر مرة اخرى، دون رابط نظري، ودون ممارسة مهنية، ذات طابع منهجي واضح. * وفردية، او شبه فردية، انحصرت غالبا في عمل معماري فرد، ولم تخلق جماعة فكرية تنتج تيارا نظريا متماسكا يفعل في العمارة، في الفكر، وفي الثقافة. وعليّ في هذا السياق ان أؤكد مرة اخرى مكررا، ان هاجس المكان الذي ظهر بوضوح في أعمال بعض المعماريين البارزين في الخمسينيات وفي الستينيات، والذي ظهر أيضا في العقود الاخيرة. ان هاجس المكان هذا قد ساهم عند هؤلاء المعماريين البارزين وإن بشكل جزئي، في صنع شكل المبنى، وفي صنع مكونات عمارته، وجعله على شيء من الأصالة، ودفعه خطوات خجولة، نحو نوع من التكامل مع محيطه العمراني. الا ان المكان في هذه الممارسات المعمارية النسبية النجاح، بدا محصورا في البيئة الجغرافية، وكأنها بيئة غير آهلة بالناس، بالذاكرة، وبالمشاعر. إذ أهملت التجارب هذه، أشدد مرة اخرى، البيئة الانسانية التي توارثت العيش في هذه الامكنة. * أهملتها في طريقة عيشها، * وفي علاقتها بالأرض، وبالآخر. * أهملتها في هواجسها الروحية والانتمائية. فجاءت معظم هذه الأعمال، برغم نجاحها النسبي، * هامشية، بقيت خارج الثقافة الجمعية السائدة بكل تحولاتها. * ولم تدخل ضمير الناس. * ولم تصل الى أعماق وجدانهم، فتساهم بالتالي في صنع تحولات عمرانية هادئة، تكمل بنيان المشهد العمراني في الزمن، دون انقطاع فج عنيف. * بل ساهمت رغم نجاحها النسبي باقتلاع هذا المحيط العمراني بسرعة مذهلة، لتحلّ مكانه، عمارة الطرز الدولي المزيفة، التي تصنع اليوم كل المجال. جاءت معظم أعمال معماريينا، في معظم اتجاهاتها الاقتباسية: * دون أية قيمة رمزية، * غريبة، * مغرّبة. وإن اختلفت درجة الغربة عند هذا الاتجاه الاقتباسي الذي يمثله هذا المعماري البارز، عما هي عليه عند اتجاه اقتباسي آخر، يمثله معماري بارز آخر. الهوية المتجددة الا ان هاجس الهوية المتحولة دائما، بعيدا عن تأثير الحنين البكائي الى الماضي، ان هاجس الانتماء الى الارض، والى الناس في آن واحد، ان هاجس الهوية المتحولة، بفعل العيش الكامل داخل عالم يتحول بسرعة مذهلة، لا العيش خارجه، والرغبة الصادقة بأن ننتج هويتنا المتجددة دائما، لا ان يُنتج لنا غيرنا هوية جديدة، إن هذا الهاجس بأن نكون »نحن« لا أن نكون نسخة او طبعة عن غيرنا، ان نكون في العالم، لا خارجه، ان هذا الهاجس بقي حاضرا في أعمال بعض معماريينا فكان يظهر * ملتبسا حينا، * واضحا أحيانا، * وفيه ربما بعض لمسات الحنين، احيانا اخرى، منذ سنوات الريادة، حتى السنوات الاخيرة. أشعر وسط السيطرة الكاملة للطرز الدولي في العمارة، بكل ما فيها من بلادة وزيف، أشعر بأن من الممكن ان لا يكون الاختيار أمامنا محصورا، * بين ان نبقى »نحن« اليوم كما »كنا« بالأمس، * وبين أن نصبح اليوم وغدا »غيرنا«. أشعر بأن من الممكن ان نبني أصالة بلا أصولية، وأن نتجدد بلا استلاب، بلا اغتراب. أشعر بأن من الممكن ان نعيش في عالم اليوم بكل تحولاته، وأن ننتشل، في الوقت ذاته، المشهد العمراني عندنا، من قعر الزيف الذي غرق فيه. المهمة صعبة والدرب طويل.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة