عاليه – أنور عقل ضو ستظلّ قضية مطمر الناعمة – عين درافيل ماثلة إلى أجلٍ بعيد، ليس من باب تمديد عمله فحسب (فهو آيل إلى الإقفال ضمن هامش زمني طالَ أم قَصُر)، وإنما كونها قضية حركت ملف النفايات الصلبة أبعد من حدود القرى والبلدات المتضررة، وهي سترمي بثقلها في بلد لا يملك القدرة على تحديد وتبني خيارات واضحة في هذا المجال، فإذا كانت ثمة مقولة في السابق تؤكد أن "حضارة الشعوب والأمم تقاس بمدى تقدمها في الآداب والفنون"، فإن العصر الذي نعيش بين ظهرانيه فرض مقولة جديدة وهي أن حضارة الشعوب تقاس الآن بمدى قدرتها على إدارة ومعالجة نفاياتها. لكل تسوية ثمن وفي أزمة مطمر عين درافيل – الناعمة والتحرك لإقفاله، تكرر سيناريو العام الماضي ذاته، لكن بعناوين مختلفة، ذلك أن لكل تسوية ثمنا. فالسنة الماضية استجابت البلديات لوعد النائب وليد جنبلاط بإقفال المطمر في 17-1-2015، فيما بدت بعض الجمعيات الأهلية يتيمة في صراخها وصولاً إلى قمع تحركها. أما هذه السنة، فكانت ثمة مقاربة للمشكلة ضمن أطر محددة تضمنت سلة من الشروط، من بينها التمديد لستة أشهر غير قابلة للتجديد، والافراج عن عائدات البلديات المتضررة فضلا عن الحوافز إلى منطقة الغرب والشحار كتعويض عن الأضرار التي أصابتها من هذا المطمر طيلة الـ 17 سنة الماضية، بالإضافة إلى التشدد في ضمان الوزارات والإدارات المعنية المعالجة الفنية والعلمية للمطمر وانبعاثاته بما يمنع أي أثر بيئي سلبي بعد اقفاله، والاستفادة من هذا المخزون حصرا بإنتاج الطاقة الكهربائية وتوزيعها مجانا على القرى والبلدات المحيطة بالمطمر. وقد حصل ذلك ايضا بعد أن احتدم السجال بين نواب "التقدمي" ووزير البيئة، وتبلورت بعدها صيغة الحل المقترح في دارة النائب جنبلاط في كليمنصو وانتهى إلى "الموافقة بتحفّظ على خطة الحكومة التي ستكون موضع متابعة من قبل لجنة تضم ممثلين عن أحزاب وبلديات والمجتمع المدني منطقة الغرب والشحار". من هنا، لم يتعدَّ اعتصام السبت الماضي الذي تنادت إليه بعض جمعيات المجتمع المدني المنضوية تحت حملة اقفال مطمر الناعمة عن إطلاق صرخة عند المدخل المفضي إلى المطمر. فانسحاب الأحزاب والبلديات أبقى التحرك "يتيما" من دون غطاء سياسي، واقتصر المشاركون على أعضاء بعض الجمعيات البيئية وعدد قليل من الأهالي، وتضمن إلقاء كلمات وإطلاق المواقف الرافضة لـ "التسوية"، وخلص المعتصمون إلى التجمع في المكان عينه في 31 من الشهر الحالي ضد خطة الحكومة التي اقرتها للتخلص من النفايات. الطريق إلى المطمر عند سلوك الطريق من عبيه نزولا إلى عين درافيل، التي عاد أبناؤها، تكتشف ان لا اثر في البلدة لحياة. منازل أعيد بناؤها وترميمها وقصر مشيد حديثا، وكنيسة قيد الانشاء تصدرتها لافتة احتفاء بالأعياد وشجرة الميلاد الباقية، بحيث ان أبناء البلدة يؤمونها للصلاة في الأعياد والمناسبات، حتى أنه مع الاقتراب لمسافة لا تتعدى الكيلومتر الواحد من المطمر تضيق الطريق ويغيب "الزفت" عن أجزاء كبيرة منها. وثمة مفارقة أنه على امتداد الطريق الواقع في منطقة حرجية طالعتنا أكثر من عشرين لافتة وضعتها البلدية كتب عليها "ممنوع الصيد في عبيه عين درافيل تحت طائلة المسؤولية"، ولعل المنطقة لا يزورها الصيادون بسبب عدم وجود الطيور بسبب الروائح، بدليل أن أيا من هذه اللافتات لم تطلق عليها النار من بنادق الصيد كـ "تقليد" يمارسه الصيادون في لبنان! غير بعيد من المطمر كنا نتوقع أن يصرخ العمال من الجانب الآخر مهددين متوعدين، كما حصل معنا في مرات سابقة، إلا انهم بدوا منشغلين فوق "جبل" النفايات يطالعون خرائط بين أيديهم. إلا ان الروائح غابت نسبيا، خلافا لزيارة الموقع صيفا، ولذلك يؤكد رئيس بلدية بعورته احمد العياش لـ "السفير" أن "المطمر ما عاد قادرا على استيعاب كميات أكبر من النفايات"، إذ من المستحيل أن ترتفع عمليات الطمر أعلى من التلال المحيطة. فرز وشكوك وأكد رئيس اتحاد بلديات الشحار وغرب عاليه وليد العريضي لـ "السفير" على "التزام البلديات خطة الحكومة"، وأشار إلى "اننا في بعض البلديات مثل بيصور وعبيه بدأنا العمل منذ نحو سنة بالتعاون مع الاهالي على تعميم ثقافة فرز النفايات من المصدر"، ولفت إلى "اننا بصدد استكمال الدراسات لمعالجة النفايات وإنشاء مراكز تجميع ومعالجة وتدوير"، وتمنى على "الجهات المعنية في الدولة تسهيل عملنا في هذا المجال". ولفت رئيس بلدية عبيه غسان حمزة إلى أنه "بعد قرار مجلس الوزراء بطرح مشروع حل شامل لمشكلة النفايات في لبنان وافقنا على تأجيل الخطوات التصعيدية وذلك لمتابعة الخطوات المقررة في قرار مجلس الوزراء". وإذا كان بعض الرافضين للاتفاق يتحدثون عن "صفقة أبرمها جنبلاط مع الحكومة"، وبعضهم أسرَّ إلينا "القضية أكبر مما نتوقع وجنبلاط يريد شراءها بالمال"، إلا ان ثمة وجهة نظر مغايرة، إذ ترى الناشطة السابقة في هذا الحراك الزميلة راغدة الحلبي أنه "استطعنا أن نحقق إنجازات بحيث انتزعنا من مجلس الوزراء قرار إقفال المطمر نهائيا بعد ستة أشهر، وإمداد المنطقة بأكملها بالطاقة الكهربائية التي مصدرها الغازات السامة المنبعثة بعد أن كانت تحرق وتنشر السموم في بيئتنا، وحصول بلديات القرى المجاورة للمطمر على الحوافز المالية مما سيساعد على تنمية منطقتنا والقيام بكافة أعمال البنى التحتية".