في جريدة »السفير« عدد الاثنين 16 تشرين الاول 2000 كتب الصديق الباحث غسان غصن تحت عنوان »المفهوم الاستراتيجي للشرق الاوسط بريطانيا وأميركا«، جاء فيه بعد مقدمة اقتباسية لاستتمام آرائه اللاحقة ما يأتي: »لذا استوجب مقالا عن مصطلح »الشرق الاوسط« للصديق وضاح يوسف الحلو مع بعض الايضاحات. 1 لم أفهم اطلاقا الجزء الاول من الجملة الافتتاحية للمقال: »يعود الالتباس لتحديد مصطلح الشرق الاوسط الى انوجاد عدة اسماء مستخدمة في التداول الدبلوماسي«! وأسأل: أي اسماء هي هذه، ما دمنا نتحدث عن مصطلح واحد، يعرف هكذا ايضا في الانكليزية والفرنسية، (ولو ان جغرافيته غير »محددة« او »غير نهائية«). 2 ان التسمية الاولى لهذا المصطلح جاءت من مؤتمر »فيرونا« الذي عقدته الدول الاوروبية 1822 لتقرير مصير املاك الدولة العثمانية في الشرق، ويضاف في فترة اخرى ان استعمال هذا المصطلح خبا منذ دخوله القاموس الدبلوماسي في مؤتمر فيرونا. ويتابع: ما أعرفه ان مؤتمر (كونغرس) فيرونا عقدته دول ما سمي آنذاك »التحالف المقدس«، ومعها بريطانيا، لدعم محاولة إطاحة نظام الحكم الدستوري في اسبانيا ثم يورد الباحث بعض التفاصيل الى ان يقول: »فمن أين أتى الحلو بمقولة عقد ذاك المؤتمر »لتقرير املاك الدولة العثمانية في الشرق، وما هي مصادر معلوماته عن ان التسمية الاولى لمصطلح »الشرق الاوسط« جاءت من ذاك المؤتمر؟ ثم ينهي غصن (وأنا أورد كلامه اختصارا) بعد اقتباسه مطوّلة من مقالتي: »يتضح من هذه الاسطر القليلة لوضاح انه يحدد مصطلحا يعود الالتباس لتحديده الى انوجاد عدة أسماء، وثمة لخبطة، وأخطاء في هذا التحديد تزيد في طين الالتباسات بلة«. ولكي لا ننغرس في المطولات التاريخية الهامة أشير الى ان الباحث غسان غصن اورد تواريخ غير دقيقة اضافة الى ان الدول الغربية الكبرى آنذاك وقعت معاهدة لندن في 6 تموز 1827 (انكلترا، فرنسا، روسيا) في تعبير عن نية هذه الدول خوض محادثات مع تركيا (لا لمحاولة ضرب الاسطولين التركي والمصري)، وكان الهدف التوصل الى صلح بين اليونان المنتفضة والحكومة التركية على أساس منح اليونان حكما ذاتيا في اطار الامبراطورية العثمانية كتنفيذ هادئ، وغير حربي، لتجريد تركيا من املاكها الاوروبية وفق اتفاقية 1822 في فيرونا. واستكمالا لخطة الدول الغربية وقعت هذه الدول عام 1830 »بروتوكول لندن« الذي يعترف باليونان دولة مستقلة وفق ما أرادته هذه الدول عام 1822 ثم 1827. أما عن مفهوم الشرق الاوسط فقد شاع استخدام هذا المصطلح في أجزاء كثيرة من العالم. وإذا كان الشرق الاوسط إقليما عصيّ الارتسامات الجغرافية، وذلك لأن هذا المصطلح ليس مجرد ابتكار لفظي في قاموس السياسة العالمية منذ أواخر القرن الماضي. إن هذا الاقليم يتكون من عدة متداخلات طبيعية وبشرية، وذات طبيعة انسياحية، وعلى هذه المتداخلات يرقد بعد زمني هو أطول ما نعرفه زمنيا عن أي إقليم. من الطبيعي، ان توصيف إقليم الشرق الاوسط يتبع الهدف او الغاية من تسميته، وليس بالضرورة ان تكون المراجع الاميركية او الانكليزية هي الأصح، لأن شعوبا كثيرة مارست الغزو وتركت ما يشبه التوصيف ثم تلامس معه الجغرافيون العرب من دون استخدام مصطلح الشرق الاوسط، وهناك خرائط ياقوت الحموي (نسبته الرومي لأن اصله من بيزنطية أو الاناضول) حيث كانت خرائطه تظهر سوريا، العراق، الجزيرة، إيران، تركيا، وكان العراق يتبع المنطقة الوسطى حسب ياقوت الحموي اي الشرق الاوسط، وهو يقول: »ويعود سبب تركز الموارد المائية في المنطقة الوسطى الى أنها زراعية، وبحاجة الى مجارٍ مائية عديدة لتلبية احتياجاتها الزراعية«. ثم يرد ذلك عند ياقوت الحموي في »المعجم الجغرافي« اذ انفرد العرب بأول قاموس ألّفوه في علم الجغرافية في القرن الحادي عشر الميلادي ثم جاء »معجم البلدان« لياقوت الحموي في القرن الثالث عشر. ولما جاء الاستعمار الاوروبي، خاصة الانكليزي، أخذ يطلق عنوان »الشرق الاوسط« على المنطقة التي دعاها ياقوت الحموي ب»المنطقة الوسطى«، لكن الانكليز اضافوا مصطلح »الشرق الادنى« للبلدان التي تقع مباشرة على البحر، وهناك بعض الفوارق بين تحديدات الانكليز للشرق الادنى، وتحديدات الاميركان الجغرافية؛ وهناك بعض الدول الاوروبية تستخدم مصطلحات مغايرة للشرقين: الأدنى، والاوسط، وفي الأمم المتحدة يستخدم مصطلح الشرق الاوسط كبديل لكل المصطلحات اذ يتردد اسم »الشرق الاوسط« لكونه الاقليم الذي يضم البلدان الممتدة من إيران الى مصر ومن تركيا الى اليمن بإضافة السودان وليبيا في بعض الامور، وتبقى اليونان خارج إطار هذا الاستخدام لأسباب اوروبية. وهذه التحديدات المتقاربة ليست ترفا جغرافيا بل تأخذ في الاعتبار المناخ، انواع الزراعة، اوقات المطر، الفصول المناسبة لهذا النوع او ذاك من الحبوب. وفي هذا السياق تشترك دول كثيرة في مفهوم »الشرق الأوسط«، وهي دول هامة سواء من حيث المياه او النفط او السيطرة على اماكن استراتيجية، لكن الإشكال المتأتي من هذا المصطلح ينبع من مصالح اجنبية، ومحلية، والصديق الباحث غسان غصن فعل ما كان يجب فعله.