سواء كان رئيف خوري حاضرا في زوايا ثقافية معينة، أم اختلس منه النسيان أشياء كثيرة، فإنه بالتأكيد، صورة عن مثقف زمن مضى. والزمن الذي انقضى، أو انحسر أكثر مما يجب هو »زمن التنوير العربي«، بلغة معينة، أو »عصر النهضة«، بلغة أخرى، الذي اعتقد مرة ان التقدم من طبيعة الأشياء، وأن التاريخ، حتى لو كان عنيدا ومتمردا، ينصاع في النهاية الى إرادة الإنسان المقاتل. وكان رئيف ابنا نجيبا لزمانه، يستأنس الإرادة والتفاؤل، ويدافع عن الحرية والعدالة والاشتراكية والوحدة العربية. كان خوري، المدافع باتساق مدهش عن رسالته الثقافية، صورة عن المثقف الحداثي بامتياز. يرى في الثقافة شأنا عاما، ويقرأ المفاهيم النظرية في ترجمتها العملية، ويدرج الأفكار في مشروع سياسي، يحول الأفكار وهو يسعى الى تغيير البشر. ومع أن مثقف ما بعد الحداثة الذي حملته السوق الاعلامية المسيطرة، يصادر، بغبطة المثقف الحداثي العربي، بهجاء مرتاح مفرداته: التبشير والايديولوجيا والأوهام السلطوية، فإن ذلك »الحداثي« المسؤول كان يهجس بشيء آخر. فقد كان التبشير المفترض دعوة الى زمن إنساني نظيف، والايديولوجيا استنهاضا لإرادات غافية وأوهام السلطة احتفاءً بحق بسطاء البشر بالكلام. وبهذا المعنى لم يكن رئيف خوري، كما من انتموا إليه أو انتمى إليهم، بائعا ل»الأوهام«، بل مقاتلا من أجل: يوتوبيا جديدة، تضع غايات الإنسان داخله، لا في مكان متوهم لم يره أحد. كان الإنسان المشخص هو البدء، وكانت الحداثة الاجتماعية هي الاقتراح الذي يخلق إنسانا جديدا ينتقل من الدعاء السلبي الى الفعل المتمرد. إن الحداثة الاجتماعية، من حيث هي تصور نظري وضرورة تاريخية، هي التي دفعت رئيف خوري الى وضع كتابه الأكثر أهمية: »الفكر العربي الحديث«، في عام 1944. وتوزع الكتاب على قسمين، عالج في أولهما أثر الفكر التنويري في قيام الثورة الفرنسية، مبرهنا عن معرفة عميقة بالموضوع الذي يعالجه، وتطرق في القسم الثاني الى تأثر المثقفين المستنيرين العرب بأفكار الثورة الفرنسية. وإذا كان بعض أدعياء التنوير العرب، مثل المصري مراد وهبة، يرى في التنوير شأنا أوروبيا خالصا، مختصرا المجتمع العربي الى مجتمع قوامه الاطلاقية والمطلقات، فإن رئيف خوري، التنويري المتسق الكاره للتلفيق، يربط بين الفكر والضرورة الوطنية. فالتنوير عند خوري، لا يقصد لذاته ولا إمتاعا للعقل وإرضاءً للمقايسات العقلية، وإنما يقصد كمنهج نظري عملي، يستولد معنى الوطن من معنى المواطنة، كما لو كان الإنسان مرجعا للوطن، والاستقلال والحرية والتحقق مراجع للإنسان والوطن في آن. ومثلها ان طه حسين عثر لدى ديكارت على شيء كان يبحث عنه قبل الالتقاء بالفيلسوف الفرنسي، فإن التنويريين العرب، الذين تحدث عنهم رئيف خوري، كانوا قد صاغوا أسئلتهم النظرية الوطنية، قبل قراءة روسو وفولتير وديدرو. يقول رئيف: »ان أدباءنا ومفكرينا لما اتجهوا بقلوبهم وعقولهم شطر فرنسا الثورية كانوا يرمون الى دروس ومبادئ يتعلمونها، لا الى تأييد دولة في غرض من أغراضها الخاصة«. يؤكد رئيف في هذه السطور، وغيرها بالضرورة، جدل الفكر والحاجة الوطنية من ناحية، وكونية المعرفة الإنسانية من ناحية ثانية، على مبعدة شاسعة عن مثقفين عرب، يصفقون اليوم ل»ثقافة العولمة« دون قلق أو تدقيق. المثقف اليومي ينطوي خطاب رئيف، كمثقف تنويري وطني، على نسق من المفردات البسيطة مثل: إنسان، وطن، حرية، عدالة، ثقافة للجميع، أي على »عمومية إيديولوجية« بعيدة عن »الاختصاص المعرفي«، بلغة زمن لاحق. ولهذا يخسر رئيف موقعه الثقافي في »فلسفة الاختصاص« المتأخرة، التي تميز بين »المفكر«، الذي ينتج »معرفة«، و»المثقف« الذي يروج ل»الإيديولوجيا«. وواقع الأمر ان رئيف، ومن شابهه، كان مشغولا، وفي سياق معين، بالفاعلية الثقافية الأخلاقية التي تنشد سلامة الأرواح البشرية، قبل ان تلتفت الى سلامة المفاهيم النظرية وأصداء الكلمات الكبيرة. ولعل القول بثقافة تفيد الناس، هو الذي جعله يتقاسم وطه حسين محاضرة عن: »ثقافة العامة وثقافة الخاصة«، بدا فيها رئيف، باتفاق مسبق مع السيد العميد، مدافعا عن ثقافة تذهب الى الجميع ويفهمها الجميع. وبالتأكيد، فإن رئيف لم يكن مشغولا في مداخلته التي نشرت لاحقا في كتاب »الأدب المسؤول«، بالثقافة في ذاتها، بل بتوليد مجتمع جديد، تبنيه الثقافة النقدية في لحظة، ويعيد بناء الثقافة الراقية في لحظة لاحقة. قاد نفي »ثقافة الاختصاص« رئيف خوري الى اتجاهات متعددة، تبدأ بالفاعلية التنويرية وتنتهي بها. فهو: المثقف اليومي الذي يعايش البشر ويلمس قضاياهم، قبل ان يعود الى بيته ويضع القضايا المعيشة في شكل كتابي، واضح المعنى ورائق الأسلوب. وهذه الممارسة اليومية للثقافة، أو ممارسة الثقافة كمداخلة يومية، جعلته يكتب عن الطائفية ورغيف الخبز واحتكار القول السياسي وأوهام »الفينيقية« وهي التي أملت عليه، في زمن مبكر، أن يرى الى أحوال فلسطين، وأن يكتب عن »جهاد فلسطين«، في منتصف الثلاثينيات. وبداهة، فإن التحرر من سحر الكتب والانغماس في اليومي، فرض على رئيف، وهو المثقف اليومي، أن يعيش ثقافته سجالا، وأن يرى في السجال فضاءً ذهبيا لإنتاج المعرفة، ما دام السجال يذهب الى المشخص، ويزهد بالمجرد والقضايا الزائفة. وعلى أرض المشخص، ساجل خوري السياسات التربوية في لبنان وطه حسين والنزوعات القطرية المتعصبة، مثلما ساجل قسطنطين زريق، حين وضع كتابه عن »الوعي القومي«. اتكاءً على تصور ثقافي يبدأ باليومي، ويعطف اليومي على مشروع فكري سياسي، كان على رئيف، المسكون بفكرة الفاعلية التنويرية ان يتوزع على ألوان مختلفة من الكتابة. والقصد واضح تقترحه الغاية الأخيرة، فالكاتب اليومي يذهب الى أجناس كتابية مختلفة، كي يشرح أفكار الأساسية بأشكال مختلفة. كما لو كان الجنس الكتابي ذريعة لهدف يتجاوزه ويتخطاه. ولهذا حاول رئيف الرواية والمسرحية والنقد الأدبي والمقالة السياسية، وكتب عن العروبة وديكارت وعمر بن أبي ربيعة وماركس... ولم تكن تلك الكتابات إلا »عمومية تنويرية«، إن صح القول، تتكئ قليلا على »النظرية والفلسفة والمفاهيم«، وتتكئ أكثر على مقولات »غير نظرية«، مثل العدالة والكرامة والاستقلال الوطني. وإذا كان خوري يستأنف نهجا تربويا أخذ به عبد الله النديم وفرح أنطون في زمن سبق، فإنه كان، في اللحظة عينها، يدفع بالنهج التربوي الى تخوم غير مسبوقة، أي الى تسييس واضح للأسئلة والإجابات معاً. ويعود تسييس الخطاب هذا الى أمرين: الى التزام ماركسي متواتر لم يتخلَّ عنه رئيف حتى حين رمى عليه »الرفاق« بالتخلي والحرمان، والى التزام حزبي، لا يفصل بين الممارسة الثقافية والممارسة السياسية. وقد يستطيع الفكر الشكلاني، ربما، اختزال رئيف خوري الى »مثقف إيديولوجي« ترفعه الايديولوجيا لحظة وتخفضه في لحظة أخرى، كما لو كان المثقف يتعرف بفكره الحزبي لا بالمجتمع الذي أملى عليه خيارا إيديولوجيا محددا. واستنتاج الفكر الشكلاني خاطئ، ذلك ان أهمية خوري، كما غيره من مثقفي الاستنارة، تتأتى من موقف حديث يرفض »احتكار الكتابة«، وذلك في مجتمع عضوي ورث من السلطة العثمانية أشياء كثيرة، ليس آخرها مزج السلطة بالثروة، واحتكار السلطة والرعية والقلم. وبهذا المعنى فإن رئيف خوري وطه حسين وعبد الله النديم لا يُدرَسون، فعليا، في خيارهم السياسي والفكري، بل في نقضهم العملي لتصور متوارث، هو: »كاتب السلطان« الذي يساوي بين مهنة الكتابة والتميز الاجتماعي. انتسب رئيف الى نسق ثقافي معيّن، وانتسب الى ذاته اولا. وكان يترجم في انتسابه الأول فلسفة التقدم التي تواجه التاريخ بالإرادة المتمردة، وفي انتسابه الثاني كان يعلن عن تلك الفردية المتميزة، التي تحتفظ بما يفردها وهي تقاتل مع المجموع في سبيل هدف يتجاوز الافراد. اعلن رئيف عما لا يختصره الى غيره في مواقع متعددة: فهو المثقف الذي يعرف التراث الأدبي العربي بدقة ودراية وعمق، ويلمّ، في الوقت ذاته، بنصوص الثقافة الفرنسية. وثقافته العربية تتجلى في اسلوب كتابي رائق وشبه فريد. أما ثقافته الفرنسية فيشهد عليها الياس ابو شبكةحين كتب عن »الفكر العربي الحديث«: »وصفوة القول ان قيمة كتاب الأستاذ رئيف خوري هي في غزارة مادته وفي تلك الاستشهادات الكثيرة التي لا يتوافر مثلها إلا لمن خزفت ذاكرته جوامع من الكتب تسخّر لهضمها عقل بصير وثقافة شاملة. روابط الفكرح والروح بين العرب والفرنجة 1945 ص. 73«. ويظهر تميّز رئيف في موقع آخر أشد تعقيدا عنوانه: المثقف الملتزم النقدي، وذلك في زمن لم يكن يحتضن الصفتين إلا نادرا. فهو الملتزم الماركسي والشيوعي والحزبي المنضبط، الذي نقل ذات مرة كتاب جدانوف »ان الأدب كان مسؤولا« الى اللغة العربية. غير ان هذا الانضباط ان واجه ما لا يقتنع به غيّر موقعه: انتقل من الانضباط أمام الحزب الى الانضباط أمام العقل. ولهذا تأمل رئيف ممارسات ستالينية كثيرة، ليس آخرها الموقف من قضية فلسطين، وانتهى الى ما كان عليه، أي ظل ماركسيا في زمن كان »الحزب« فيه »يهب« الماركسية الى من رضي عنه ويمنعها عمن يرفض التلقين والاستظهار. وعلى الرغم من نزع قومي عربي خالص وعميق، مزج رئيف موقفه الايجابي من الناصرية بإشادات نقدية. والأمر كله قائم في فردية متمردة ترفض ان تحوّل وجهها الى قناع باهت تتراكم فوقه اقنعة باهتة اخرى. غير ان هذا الوجه الناصع ما لبث ان برهن على صحة مواقفه، معلنا ان الماركسي لا يساوي الحزبي بالضرورة، وان الحزبي، حتى لو كان قائدا، لا يكون ماركسيا بالضرورة. نقطة ثالثة يتراءى فيها الوجه الناصع الذي يكره الاقنعة. فقد أكد بعض التنويرين العرب مقولات العقل والثقافة والديموقراطية والتعليم، وهمّش الأمر القومي، على خلاف مثقفين »قوميين« اشتقوا القومية العربية من »روح الأمة« ومن بلاغة مستهلكة. أما خوري، اللبناني الحصيف، فقد عطف التنوير على القضية القومية والعقل على بناء »الوعي القومي«. وكان في نهجه يربط القومية المنشودة بالديموقراطية والعلمانية وشروط الحياة اليومية والحراك الشعبي، بعيدا عن وعي قومي شكلاني يعتقد، وهْماً، ان القومية »خالدة« لا تمسها الأزمنة التاريخية، ولا تحتاج الى التاريخ او تتعرف عليه. الماركسية والتنوير عرفت الحركة الشيوعية، في العالم العربي وخارجه، صفا طويلا من المثقفين، اعتاش على »المائدة الشيوعية« زمنا، وعاش ازمنة لاحقة على موائد لاحقة، بوابتها الذهبية التنديد بالشيوعية والشيوعيين. ولم يكن رئيف من هؤلاء، كان متسقا وهو حزبي، وكان متسقا أكثر وهو ماركسي بلا حزب ولا »نقد ذاتي«. والسبب بسيط وبالغ البساطة وقوامه ما يلي: اعتقدت العقول البسيطة ان بين الماركسية والتنوير اكثر من خلاف، فالأولى ثورية و»بروليتارية« والثاني ليبرالي وبرجوازي. وبسبب هذا الاعتقاد البسيط، كانت العقول البسيطة تعود هادئة الى وعيها التقليدي، حين تضع ذاتها خارج »الحزب الثوري« او يضعها الأخير خارجه. أما رئيف خوري الذي لم يسقط فجأة من »المعطف الماركسي«، بل ولد في احضان التاريخ التنويري، فقد ظل مخلصا لما آمن به، رافضا ان يقيم قطعا ساذجا وجاهلا بين الماركسية والتنوير. وبهذا المعنى يكون خوري مرجعا متأخرا لماركسيين لاحقين في زمن مضطرب أدركوا، بعد سقوط الاشتراكية، ان الماركسية تبدأ بالارتقاء الاجتماعي، لا بطبقات اجتماعية متخيّلة غالبا. وبقدر ما سيكون رئيف مرآة مسترجعة يتأملها ماركسيون أرعبتهم الخيبة اللامتوقعة، سيكون بدوره درسا »قديما« لمثقفين قوميين، اكتشفوا ان »روح الأمة«، بلا ديموقراطية ولا إرادة شعبية، روح خاوية يجرفها التاريخ دون عبء كبير. في صفاته الجميلة كلها، وبسببها، يطرح مسار رئيف خوري سؤالا ملتبسا عن المثقف المختص والمثقف الهارب من الاختصاص. فلم يترك رئيف، رغم معارفه الواسعة والمتنوعة، نصا نظريا كبيرا جديرا بالاحتفاء به الى اليوم. فلا هو بالناقد الادبي، وهو يقرأ النصوص مدفوعا بالذائقة، ولا هو بالمنظّر السياسي، وهو يحلل الوقائع اليومية بشكل يومي، ولا هو بالفيلسوف، وهو ينثر أقوالا فيها اشياء من الحقيقة. والسؤال هو: لماذا صادر المثقف اللامختص امكانيات مثقف شديد اللمعان؟ وهل الاختصاص الثقافي فضيلة في المآل الأخير؟ هل الثقافة مهنة أم رسالة، وهل المثقف مقاتل جميل يوزع الاحلام أم انه فارس شارد يثير الأسى؟ لم يكن رئيف يقبل بالكتابة كتراصف لكلمات جميلة الرنين، كما قال ذات مرة، وإنما كان يبحث عن شيء آخر، ترجمه كما أراد. وهذا »الشيء الآخر« لا يفرضه المثقف بل تقترحه الأزمنة. وعن أحوال الأزمنة، التي لا يسيطر المثقف عليها، تصدر أحلامه الزاهية وخيبة بلا قرار أيضا. ومهما تكن فضائل الاختصاص الثقافي وفضائل نقائضه، والارتباك ممتد بينهما، فقد كانت حياة رئيف خوري هي النص الأكثر جمالا، كما لو كان رئيف يريد ان يعطي درسا في ممارسة المثقف العملية، قبل ان يترك نصوصا تجاور نصوصا اخرى. كتب رئيف ذات مرة مقالة بعنوان: »الريحاني: الأديب الفاعل« جاء فيها: »أمين الريحاني هو من الأدباء المفكرين الذين يستمد أدبهم من شخصياتهم وزنا فوق الوزن الذي يكون لذلك الأدب نفسه ولتلك الأفكار نفسها لو أنها انبثقت من أدباء سواهم... ويغلب على يقيني ان هذه الظاهرة خاصيّة يتصف بها جميع الأدباء والمفكرين الذين ما اشتفوا يوما بمجرد التعبير وإنما كان يهزّهم أبدا شوق لاعج الى ان يحققوا بالعمل، ما يعبّرون عنه بالكلمة. الأدب المسؤول ص: 222«. في هذه السطور كان خوري يكتب عن ذاته وعن الذين يحبهم وعن أمين الريحاني أيضا.