As Safir Logo
المصدر:

..كوميديا إلهية سرقت رسالة غفرانها من لصوص الميديا..

المؤلف: اسماعيل سامر محمد التاريخ: 2014-12-12 رقم العدد:12946

مشاهير السرقات الأدبية ماتوا جميعاً بعد أن أصابوا من (كتاباتهم) ما أصابوه في مشارق الأرض ومغاربها، يكفي فقط أن نقرأ كتاب " الكوميديا الإلهية" لـ"دانتي 1256-1321" حتى نعرف حجم السرقة الموصوفة للأديب الإيطالي من "رسالة الغفران" لأبي العلاء المعري و"الفتوحات المكيّة" لمحي الدين ابن عربي؛ الكتابان اللذان تمت ترجمتهما من العربية إلى "القشتالية" العام 1264 على يد الطبيب اليهودي إبراهيم الحكيم بأمر من ملك قشتالة ألفونسو العاشر. لكن السرقات الأدبية أخذت شكلاً وتعريفاً "أدبياً" مغايراً فيما بعد بين تناص وتلاص وترجمة ونسخ ونقل وتقليد ومعالقة ومعارضة ومحاكاة؛ مما يجعل البحث هنا عن "الأصالة" ضرب من المستحيل؛ فالبشر جميعهم "ورثة" من بعضهم البعض بطريقةٍ أو بأخرى - على حد تعبير الفيلسوف الألماني نيتشه؛ لكن السرقات الأدبية والفنية والإبداعية العربية عموماً اكتست اليوم لبوساً مختلفاً في التزوير والتحريف والسطو على المكتبة العالمية؛ ففي عصر الميديا المفتوحة ومافيات الصحافة الثقافية الإلكترونية؛ وأبطال المدونات وأدباء الفايس بوك؛ ونسخ موقع (غوغل) لملايين الكتب وتخزينها لصالحه من دون الاكتراث بحقوق مؤلفيها أو الامتثال للدعاوى القضائية المرفوعة ضد القائمين على محرك البحث الأشهر في العالم من قبل مئات الكتّاب وورثتهم؛ بات من الصعب الحصول على "النسخة الأصلية" من دون تشويهات تُبذل على مدار الساعة في كل أرجاء الكوكب؛ بما يصح فيه قول جبران خليل جبران: "وقاتل الجسم مقتولٌ بفعلته، وقاتل الروح لا تدري به البشرُ". يتعرض النص الأصلي باستمرار إلى تحوير ممنهج يجعل من مهمة التعرف عليه - حتى من أصحابه أحياناً - أمراً صعباً للغاية؛ كأن النسخة الأصلية باتت (خطيئة أصلية) في عرف من يحاولون إخفاء سرقاتهم وتمويهها؛ ناهيك عن مجموعات المترجمين الأحرار الذين لا يخضعون لأي سلطة معنوية أو قضائية تحد من نقلهم لذخائر المسرح والسينما والرواية والقصة إلى غير لغاتها الأصلية و من دون حسيب أو رقيب. الكاتب والسيناريست حسن م. يوسف يعرّف السرقة الأدبية بأنها: "أخذ ما للغير خفية، والسرقة الأدبية هي قيام أحد ما بنسخ نص أبدعه شخص آخر وتقديمه على أنه له. والحق أن هذا المصطلح يخضع لتأويلات شتى حتى ضمن إطار الثقافة الواحدة" - يتابع يوسف: "من المعروف أن مبادئ حقوق المؤلف لا تحمي الأفكار وإنما تحمي تعبير المؤلف عنها، إلا أننا نقرأ ما يشي بأن هذا المصطلح اكتسب طبيعة مطاطية، لأن كل مستخدم يعطيه ما يناسب وجهة نظره، حتى بات يختلف باختلاف المصالح كما مصطلح الإرهاب تماماً"!. قبل سنوات نشرت الباحثة الإنكليزية آندي ميدهيرست دراسة لافتة في الملحق الفني لجريدة (الأوبزيرفر) الصادر يوم الأحد 4 أيلول سبتمبر 1994. بعنوان (الرائعون السبعة، يستمرون ويستمرون) وقد قالت في مقدمة بحثها: (لم تعد هناك أفكار جديدة، هناك طرق مختلفة لقول الأشياء نفسها ) وبعد ذلك تشير الباحثة إلى سبعة حبكات أساسية تكمن في قلب أي نوع من الكتابة النثرية. وهي تورد تلك الحبكات من خلال أسماء أشهر الأعمال التي تعبّر عنها: حبكة روميو وجولييت، حبكة الطرف الثالث، حبكة العنكبوت والذبابة، حبكة الضعف القاتل، حبكة الصفقة الفاوستية، حبكة كانديد أو انتصار البراءة، حبكة ساندريلاَّ". يتفق م. يوسف مع هذه الباحثة الإنكليزية فيما ذهبت إليه، فالفنانون الأوائل، كما الجغرافيون الأوائل، اكتشفوا الحبكات الكبرى كلها، والقارات كلها، ونحن الآن، في الجغرافيا والفن، نعيش عصر اكتشاف التفاصيل! - يعلق يوسف بالقول متابعاً توصيفه: "ما يؤسف له هو أن طلاب الشهرة سوقوا دسائسهم الأدبية كسرقات، فقاموا باتهام أهم الكتاب والأدباء العرب بالسرقة، بهدف سرقة الأضواء منهم، وقد طالت اتهامات هؤلاء المتنبي وطه حسين ومحمد مندور وإبراهيم ناجي وأدونيس. لكن هذا لا ينفي حصول سرقات شنيعة، ولا شك أنكم تذكرون فضيحة "الشيخ" عائض القرني الذي سرق كتاب (لا تيأس) للباحثة سلوى العضيدان وعندما اكتشفت المؤلفة فعلته عرض عليها عشرة آلاف ريال كي تلزم الصمت؛ إلا أنها رفعت شكواها للقضاء الذي غرّمه بـ330 ألف ريال، رغم هذا فهو لا يزال يواصل حياته كرجل دين يمارس الوعظ والإرشاد"! الطريف في الأمر هو أن السرقة الأدبية باللغة الإنكليزية Plagiarism"" مشتقة من الكلمة plagium"" والتي تعني باللاتينية "سرقة البشر وبيعهم على أنهم ملكية خاصة". والحق أن بعض السرقات الأدبية تحاكي شناعة بيع الأرواح والأجساد - على حد تعبير الكاتب حسن م. يوسف. الذي يسرد هنا قصته الشخصية مع السرقات الأدبية فيقول: "قبل ربع قرن اكتشف الصديق الشاعر رياض الصالح الحسين أن شويعراً يعمل في إحدى الصحف قد سرق ديواناً كاملاً لشاعر مصري، وقد اضطر السارق لتغيير العنوان نظراً لأن اسم المؤلف يشكّل جزءاً منه، كما اضطر لاستبدال جبل المقطم بجبل قاسيون! الطريف هو أن السارق علم بأننا سننشر مقالاً عن جريمته فجاء وهددنا بأنه سينتحر على باب الجريدة إن نشرنا المقال. يومها قلنا له: إننا على استعداد لأن نشتري له الحبل، لكن الرجل لم ينتحر بل واصل حياته كما لو أنه قد اجترح مأثرة"! موسوعة للسرقات: "لا أعلم مصير (موسوعة السرقات الأدبية) التي أُعلن عن قرب صدورها قبل سنوات - يقول الروائي خليل صويلح ويضيف: "لكنني علّقت على هذا الخبر وقتها، بأنها الموسوعة الوحيدة التي لا يتمنى كاتب عربي أن يجد اسمه في فهرسها. أظن أن (غوغل) لجم مثل هذه الاعتداءات، نظراً لسهولة كشفها، وانتفاء المسافات بين الجغرافيات المتباعدة، بسطوة الميديا، رغم أن محاولات الانتهاك لم تتوقّف، أقله في الشوارع الخلفية للكتابة، عن طريق كتّاب مغمورين لا يمتلكون رصيداً سابقاً يخشون إهداره". اليوم هناك نوع من اللصوصية المضمرة، وذلك بتحويل فيلم أجنبي إلى رواية، بإضافة توابل محليّة على الحدث، بقصد إخفاء معالم الجريمة، أو اللجوء إلى مواقع التواصل الاجتماعي ولطش شذرة من هنا وشذرة من هناك، من دون ذكر صاحبها، لمآرب عاطفية لا تتعدى الحائط الهش للموقع". ربما كان "ماريو" بطل رواية انطونيو سكارميتا "ساعي بريد نيرودا"، من أروع لصوص الأدب - يعلق الكاتب صويلح - إذ كان يهدي حبيبته مقاطع من شعر نيرودا لتعزيز علاقته بها، قبل أن تكتشفه أمها، وتدمّر شاعريته المستعارة. لكنني أظن أن فوضى ما نعيشه اليوم، جعلت من السرقة الأدبية في حالة اكتشافها، مجرد وجهة نظر، وليست خيانة، بدليل انطفاء مثل هذه الانتهاكات بسرعة، ليعود أصحابها إلى الساحة ببزة أدبية جديدة، وكأن شيئاً لم يحدث". القاص والأديب ناظم مهنا يعقب على الموضوع سارداً حكايته أيضاً مع السرقات الأدبية: "منذ أيام قليلة مضت، أنهيتُ قراءة كتاب مترجم يتجاوز السبعمئة صفحة، اشتبهت بترجمة الكتاب، وتذكّرتُ أن في مكتبتي طبعة قديمة للكتاب نفسه بجزأين لمترجم آخر من بلد آخر، وأن الترجمة مسروقة مع بعض التضليل، وهذا مشين لاسيما أن الترجمة المسروقة صادرة عن مؤسسة نشر رسمية قد تفقد مكانتها إذا ما استمرت في التهاون بهذه الأمور". السرقات الأدبية أمر شائع جداً في التاريخ الأدبي، وقد أفرد لها النقاد العرب القدامى صفحات عديدة في كتبهم، ويكاد لا يخلو كتاب نقد قديم، بقليل أو بكثير، من ذكر هذا الداء - يضيف مهنا ويتابع: "ابن رشيق يتحفنا بأنواع عديدة من السرقات في كتاب "العمدة" منها: "الاصطراف، الاجتلاب، الانتحال، الاهتدام، الإغارة، المرافدة، الاستلحاق، وكلها قريب من قريب) في باب السرقات. ومنها عند بعضهم: الاختلاس، والعكس، والمواردة (التوارد) والتلفيق والالتقاط وبعضهم يسميه الاجتذاب والتركيب. وابن الأثير جمعها في ثلاثة أقسام: نسخ، أخذ اللفظ والمعنى. وسلخ، أي أخذ بعض المعنى. ومسخ، أي إحالة المعنى إلى ما دونه". بعض النقاد خفف من قسوة المصطلح فقال ابن قتيبة بـ" الاحتذاء أو الأخذ". ورأى ابن رشيق أن اتكال الشاعر على السرقة بلادة وعجز، وتركه كل معنى سُبق إليه جهل، وخير الحالات الوسط، والمخترع له فضل الابتداع، غير أن المُتبع إذا تناول معنى فأجاده في أحسن كلام؛ فهو أولى من مبتدعه، وله فضيلة حسن الاقتداء. وثمة من رأى منهم أن من أخذ معنى عارياً، فكساه لفظاً من عنده، كان أحق به. إلا أن عبد القاهر الجرجاني - كما يقول الأديب ناظم مهنا - يرفض هذا لانعدام وجود معنى عار من لفظ يدل عليه، ولشكّه بإمكان أن يأتي أحد بلفظ من عنده لمعنى من المعاني، وأن التغير في اللفظ يتبعه تغير في المعنى والعكس أيضاً. في النقد الحديث كان لهارولد بلوم مصطلحه الذي يتقاطع بشكل أو بآخر، في الجوهر، مع النقاد العرب القدامى، وهو في كتابه (قلق التأثر)، يستخدم مصطلح "ديالكتيك التأثر الشعري" ويرى أن الشعراء الأقوياء (الفحول) يصارعون أسلافهم حتى الموت، ويخفون ذلك عبر آلية الانحراف والتكتم، وأن الشاعر الواعد عندما يدرك لأول مرة أن الشعر يكمن داخله وخارجه معاً، فإنه يبدأ مسيرة لا تنتهي إلا عندما ينضب الشعر من أعماقه، وبعد أن يكون امتلك القوة على اكتشاف هذا الشعر خارج ذاته ثانية، يتم اكتشاف الهوية، وتكون ولادة ثانية". ويتابع مهنا بالقول: "شعراؤنا الأقوياء جلهم اتهموا بالسرقات! من امرئ القيس، مروراً بأبي نواس وأبي تمام والبحتري، والمتنبي، وحتى أدونيس. لابد أن نميز بين السرقة الأدبية المذمومة، وبين التأثر الذي تتوالد منه السلالات الأدبية وتتفاعل، رغم تداخل الحالتين أحياناً، ويكون الخيط الذي يفصل بينهما واهياً! وفي نصوص الحداثة وما بعد الحداثة، يأخذ التفاعل بين النصوص أشكالاً متعددة من التضمين أو عملية ابتلاع وهضم نصوص أخرى في نص واحد، والبعض يعتبر هذا سرقة. وفي ذاكرتي عشرات الشواهد التي عاصرتُها وسمعتُ بها عن سرقات أدبية تبلغ وقاحتها حد الطرافة"! فلقد تعرضتُ لحالتين مختلفتين من هذا التماس بين السرقة والتفاعل لا مجال ولا جدوى من الخوض فيهما - يعقب الكاتب مهنا: "إلا أنه لا يشغلني كثيراً موضوع السرقات الأدبية، ولا توجد ملكية خاصة للأفكار، وكما قال الأسلاف؛ المعاني مطروحة في الطرقات لمن يشاء، إلا أنني أرى أن على الكاتب أن يكون مخلصاً لمخيلته ولشخصيته. وأعتقد أن السرقة بشكلها البشع والوقح شائعة اليوم في عالمنا الصفيق، العدواني إلى هذا الحد،حيث كل شيء فيه مباح بما في ذلك الحياة ذاتها"! القارئ الغائب: الحديث عن السرقات الأدبية، من دون الاستناد إلى إحصائيات تؤدي دور الوثيقة، لن يكون أكثر من موقف أخلاقي قيمي من جريمة ٍ لا تقل خطورة عن جرائم القتل والاغتصاب - برأي الناقد والشاعر ياسر إسكيف - ويضيف: "إن السرقة الأدبية هي الخِسّةُ إن كان لها أن تتجلى. حيث السطو هنا يتم على كينونة تتداخل فيها المشاعر والأحاسيس والتصوّرات وتجارب العيش. وبالتالي تحيل إلى فاعل يعاني من عقدة نقص لها علاقة وثيقة بمحنة إثبات الوجود. والذي يدفع مُرتكب من هذا الصنف إلى استمراء فعلته وعدم الحذر حيال ارتكابها، غير مزاياه الشخصية، تندرج مجموعة من الأسباب أهمها غياب القوانين الناظمة، وبالتالي الرادعة، لحماية الملكية الفكرية والإبداعية. وإن وجدت كنصوص فهي مُجرّد حبر مسفوح كغيرها من النصوص القانونية الأخرى في ظل منظومات الفساد". يضاف إلى هذا، ولا يقل أهمية، "الضحالة الثقافية، والمعرفية، لأغلب المسؤولين عن الصفحات الثقافية - كما يعرّفها الناقد اسكيف ويتابع: "في الصحف اليومية السورية، ومثلهم في الصحف والمجلات صاحبة الاختصاص؛ يتّصف هؤلاء على الأغلب بانحطاط الروح النقدية، وضحالة الموسوعية الثقافية؛ بحيث لا يمكنهم الاستشعار بالأرواح الحقيقيّة التي تقف خلف المواد الإبداعية التي ترِدهم. ويأتي في المقام الثالث طريقة النشر الالكتروني التي تجعل من إمكانية المُقارنة، كطريقة للغربلة والحدس بصدقيّة المصدر، أمرا ً شبه مستحيل، كما تجعل المادة الإبداعية سائبة من دون حسيب أو رقيب". يسرق السوري الجهد الإبداعي للسوري محكوما ً بعقلية الكتابة للقارئ الغائب. انه متأكد من أن أحدا ً لا يقرأ. وبالتالي لن يقع في مرأى العين التي تشير إليه - يقول الناقد ياسر إسكيف ويتابع: "يسرق السوري جهد العربي وهو مُطمئن إلى أن المنشورات العربية غائبة عن المكتبات السورية، وبالتالي عن القارئ السوري إن وجد. إذ أن المنشورات العربية ممنوعة منذ بداية الأزمة السورية. ومن تمكن من الحصول عليها بات محظوظا ً، وربما أسال ذلك لعاب أصحاب الأرواح المريضة. والعربي يسرق جهد الكتّاب العالميين وهو يضع قدميه في دلو ماء بارد لأنه متأكد من أن فضيحته إن حدثت؛ فعلى الأرجح بعد موته بأجيال. وهذا الأمر عائد إلى الكسل الثقافي فيما يخص الترجمة وغاياتها ورعاتها". إنها الاستباحة بطريقة ما. الاستباحة التي لا ترى في الآخر أكثر من موضوع لتأكيد الذات - كما يوصفّها الناقد إسكيف - "استباحة بعيداً عن الوسائل والآليات. الاستباحة التي أشعرها الآن وكأنها ليست غير عبير الورود التي تفتحت كإعلان ٍ عن الربيع في الحديقة السورية" ! سرقات خبيثة وأخرى حميدة: الشاعر والمسرحي التونسي حكيم مرزوقي يدعو إلى إقامة (مرصد أدبي) يشهّر من خلاله بكل من يسطو على متاع الآخرين وينسبه إلى نفسه في مختلف حقول الأدب والفكر والفن، أسوة بتلك المراصد التي تنشط في المجتمعات المدنية، وتتعقّب الانتهاكات الحقوقية فتفضح مرتكبيها في الدول والمؤسسات. ويعقب مرزوقي: "قد يبتسم ويسخر في سرّه كل من يعتبر الأمر دعوة طوباويّة وضربا من (الفذلكة الثقافية) في مجتمعات تنخرها شتى الأمراض ما عدا (أحمدها وأنبلها) في التهام الكتب وإدمان حشيشة الفن والمعرفة؛ وقد يذهبون معي بعيداً ويفرضون جدلاً أنّ المراصد الأدبية قد أُقيمت على قدم وساق وقلم.. وتمّ إحصاء المتلبّسين من (اللصوص الأذكياء) والزجّ بهم ضمن لوائح سوداء قصد التشهير وردع كل من تسوّل له نفسه (الطمّاعة الذوّاقة) الاعتداء على أصحاب الأكفّ الناعمة من (بروليتاريا) الإبداع فتعيد للأقلام حقها قبل أن يجفّ حبرها وتعود إلى غمدها". لكن هل ستفتح غرف التحقيق وتقام المحاكم وتنصّب المقاصل للأقلام المزوّرة فينصف المعتدى عليه ويمكّن من استرداد حقوقه المعنوية والمادية؟... يتساءل حكيم المرزوقي ويجيب: "الحقيقة التي لا تقبل الجدل هو أنّ فعل السرقة وآلياتها ومحرّضاتها النفسية والاجتماعية واحدة من حيث هي رغبة كامنة وسعي للتفوّق المادي والمعنوي على الآخر؛ عبر الاعتداء على ممتلكاته من دون اعتبار أخلاقي أو رادع قانوني؛ وبتواطؤ مع مؤسسات اجتماعية ضمن منظومة فساد واضحة لا غبار عليها". يقول فقهاء القانون "لا جريمة ولا عقوبة إلاّ بنص قانوني" لكن جرائم السطو الأدبي استمرت وتستمر حتى بعد سَنّ القوانين الخجولة في الملكية الفكرية التي ظلّت "ترفاً حضاريّا" في سوريا وغيرها من البلاد العربية؛ مجرد نمر ورقيّ وبلا مخالب،كما غابت العقوبات إلاّ فيما ندر، ذلك أنّ هذه النصوص جاءت في البلاد العربية كنوع من ذرّ الرماد والتبجّح بأننا أمة تحترم المبدعين وتدافع عنهم. مسألة يرى فيها الأديب حكيم المرزوقي: "أنه لا بأس من غضّ الطرف فيما يخص الملكية الفكرية المتعلّقة بمنجزات عالميّة من شأنها أن تنقذ مجتمعات فقيرة بكاملها من الأوبئة كاللقاحات الدوائية، أو تتعلّق بأمنها الغذائي وثرواتها الطبيعيّة؛ إذ أنني لا أرى حرجاً ـ إطلاقا ـ في عدم الاستجابة لجشع الشركات المحتكرة ذات النشاط الربحي. كما لا أجد مانعاً من تحويل النصوص العالمية إلى أعمال درامية محليّة من دون التغافل عن ذكر المصدر لدى المتخصّصين" ويتابع المرزوقي معقباً: "لا زلت أنتصر لنظرية "روبن هود" و"طرفة بن العبد" في جدوى العدالة الاجتماعية وإعادة توزيع الثروة عبر افتكاكها من خزائن المترفين لا من أدراج المبدعين طبعاً... ألم يكن هؤلاء الصعاليك مبدعين؟... فلماذا لم تسرق منهم جذوة الإبداع في العصور الحديثة المتسمة بثقافة الطمع والجبن؟". لقد كان العرب على حق في تقديرهم لمبدأ "الاقتباس"، ذلك أنّ هذا المصطلح جاء من فعل اقتناء قبس النار من خيمة نحو الأخرى؛ كي تعمّ الفائدة وتُضاء مضارب القبيلة، وكذلك الشأن في مصطلح "الاستنباط" الذي يعود أصله إلى حضارة العرب الأنباط في منطقة وادي موسى، وعليه فقد سمّي كل تطوير في شؤون الدولة والمجتمع استنباطاً، خصوصاً في بدايات العصر الأموي؛ أمّا "التضمين" و"الاستعارة و"المعارضة" في الشعر العربي القديم فتنمّ عن نبل في الإشارة إلى المصدر؛ لكنّ "التناص" الحديث فكثير منه سرقة مبرّرة وغير موصوفة وكان الأجدر تسميته ب"التلاص". السارق قاضياً: من المفارقات العجيبة أن كثيرا من الصفحات على مواقع التواصل الاجتماعي التي تحمل اسم (السرقات الأدبية) أو (معاً ضد السرقات الأدبية) تضم عضوية بعض لصوص الأدب والترجمة المشهود لهم! وشر البلية ما يجعل السارق قاضيا! فكم هو واطئ حائط الأدب والفكر والفلسفة والعلم!! - يعلق الناقد نذير جعفر متسائلاً: "كيف للص أميّ مبتدئ أن يحسب ألف حساب لسرقة مادية عينية صغيرة ولا يتوانى لص "مثقف" عن سرقة شكسبير أو نجيب محفوظ أو أدونيس أو لوتريامون أو رامبو أو الحلاّج بضغطة واحدة في وضح النهار! لا بل سرعان ما يُنصّب ذلك اللص "المثقف" نفسه قاضياً ويوجّه التهمة لهؤلاء الذين سرقهم ليبعد الشبهة عما اقترفه بحقّهم"! كثير مما يسمى سرقات أدبية في التراث ليس سوى تناص وتوارد صور وأفكار وتشابه في سياق التجارب الإنسانية، ومع ذلك عدّه القدماء سرقات ولم يتساهلوا مع أصحابها سواء على مستوى بيت من الشعر أو مطلع قصيدة أو صورة بيانية، أما اليوم – يعقب الناقد جعفر: فهناك سرقات موصوفة كاملة لكتب بعينها، وأبحاث، ورسائل جامعية، ودواوين شعر، وهي تمر من دون ضجيج لأن هذا الحقل، حقل السرقات الأدبية بات ملتبساً ومشبوهاً، بسارقيه ومسروقيه وشهوده وقضاته! لا بل إن كثيراً ممن يدعون سرقة نتاجهم أو يسرقون نتاج غيرهم ليسوا سوى متطفلين على الإبداع وغايتهم لفت الأنظار أو تحقيق ربح ما أو نيل شهادة ليس غير! وحتى قوانين الملكية الفكرية لم تُفعّل في بلادنا حتى الآن لإحقاق الحقّ! فمن يملك شرعية توجيه الاتهام أو الحكم بالبراءة"؟ يتذكر الناقد السوري نذير جعفر هنا حادثة عن السرقات الأدبية: أذكر أن صحافياً سورياً سرق في السبعينيات ديوان الشاعر المصري الراحل علي قنديل: "كائنات علي قنديل الطالعة" ولم يغير فيه سوى العنوان، واسم بردى بدلا من النيل! وعندما عزم أحد الأصدقاء على فضح السرقة هدّد السارق بالانتحار ما دفع الصديق للتغاضي عن التشهير بالسارق! كما اكتشف أحدهم أن كتاب: "الإنسان والثروات المعدنية" الصادر ضمن سلسلة عالم المعرفة الكويتية مسروق بالكامل! وما زال الكتاب قيد التداول باسم السارق الذي تقاضى مبلغا محترما لقاء ادعاء تأليفه لذلك الكتاب"!

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة