عندما علمنا ان خمسة كتّاب وأدباء صينيين قدموا الى بيروت اصابتنا المفاجأة، اذ لم يسبق وان التقينا بهذا الصنف من الكتاب الآتين من لغة نعتبرها من اصعب لغات العالم، ومن بلاد لا تزال تعاند تمثلات النظام العالمي الجديد وصنوف العولمة، وتعاني من آثار سياسة الانغلاق السابقة والحذر من سياسة الانفتاح في آن. خمسة أتوا الى لبنان ليمثلوا دولة تعتبر قارة، فرهاب الارقام سيكون حاضرا في المقارنة بين دولة بالكاد تُرى في خريطة العالم وبين بلاد تمثل ربع سكان المعمورة. فالارقام التي نتداولها نحن ستضرب بألوف الاضعاف، بل احيانا بمئات الالوف. لا شك في ان الفضول الصحافي يقودنا حتما الى لقاء اولئك الذين يمثلون اربعين ألف كاتب صيني، ويمثلون ثقافة الصين وحضارة القلم العريقة فيها، بل يقودنا الى »المشاغبة« في مواضيع شتى، أولها، نيل منشق صيني لجائزة نوبل للآداب، وثانيها، الخلاف بين المثقفين واركان الثورة الثقافية، وثالثها خضوع عدد من الكتابات لسلطات الرقابة. لكن مع كل ما حملناه من اسئلة وتساؤلات، حول الادب الصيني وحضور الادب العربي المترجم، لا بد من الاقرار بأن علاقة الشعوب العربية، عموما، بالصين هي في افضل حال من الود والاحترام، ولم تشهد العلاقة الوطيدة تلك اي اهتزاز مهم. فنظرتنا الى الصين لا تشوبها ريبة او حذر، انما تكتنفها بعض الاسئلة والاستفهام من موقع الود والبحث عن الحقيقة. كان اللقاء في مقر اقامتهم في بيروت، بعد جولة قاموا بها الى الجنوب، امتدت من قانا حتى سجن الخيام، برفقة وفد من الهيئة الادارية لاتحاد الكتاب اللبنانيين، صاحب الدعوة. وقد بدت في حديثهم وعلى وجوههم علامات التأثر والانفعال. في هذا اللقاء كان التواصل بين هاتين اللغتين العريقتين والصعبتين منوطا بالسكرتير الاول لسفارة الصين في سوريا عادل وانغ باويي الذي كان مضطرا، اثناء ترجمته لاستخدام رطنات وامواج صوتية متباعدة ومتغايرة خففت من وطئها لباقته وسرعته في كسر المسافة. خمسة أدباء صينيين غاب منهم واحد هو لي غوانتونغ بسبب مرضه، فكان هذا الحوار: غاو هونغبو بدأنا لقاءنا بسؤال الشاعر غاو هونغبو، وهو رئيس الوفد، والامين العام لأمانة اتحاد الكتاب الصينيين، ورئيس تحرير مجلة »شعر«، عن اهمية الشعر الصيني ودوره في حياة الصينيين، قال: يمكننا ان نقول ان الشعر الصيني لعب الدور الرائد والموجه للتيارات الادبية في المرحلة الاولى من الانفتاح، اي بدءا من نهاية السبعينيات. كان الدافع للتغيير في الشعر ما كان ينقصه من تطور لمواكبة ظروف وآفاق جديدة تنسجم مع التطور الادبي العالمي. كنا نحتاج الى كسر الجمود الذي خلفته التيارات اليسارية المتطرفة التي كانت تقوقع التعبير الأدبي وتخضعه للاهداف السياسية، في وقت كان الشعب الصيني يريد فيه التغيير ويرغب في كشف الهموم والمعاناة الوجدانية في نفوس الناس من دون اي قيد. وهكذا ظهر شعراء شبان يعبرون بقصائدهم عن شعورهم الداخلي ووجدانهم وحبهم وانطباعهم الروحي، مما شكّل تيارا اتسم بالغموض، بل حمل اسم »غموض« يسعى باحثا عن الجمال. وقد لاقى هذا التيار اقبالا شديدا من جيلي. كذلك ظهرت شاعرة هي شو تن كتبت »قارب ذو شراعين«، تحوّل الى هدية حتمية من كل عريس الى عروسه. في التسعينيات خف الاهتمام بالشعر قليلا بسبب ظهور تيارات أدبية اعتمدت الواقعية وملامسة الاحداث اليومية والوقائع المباشرة. { ألم يؤثر أيضا الاهتمام بالسينما والتلفزيون في خفض الاهتمام بالشعر؟ بلى. { لكن هناك من رأى في العالم ان الشعر مات أو يتجه نحو ذلك. ما رأيك؟ نعترف بتراجع الشعر، لكنه لا يزال حياً. فنحن لدينا مجلة »الشعر الصيني« مثلا، لا تزال تنشر القصائد الموزونة التقليدية، تطبع منها 30 ألف نسخة تقريبا. وفي محافظة واحدة مثل تشين تيان (وهي جزء من مقاطعة تجوجيان) يوجد ألف من محبي وهواة نظم القصائد التقليدية. ويرجع ذلك ايضا الى ان قادة الصين ومنهم ماو تسي تونغ شعراء. { كم عمر الشعر الصيني التقليدي؟ يرجع الى ألفي سنة تقريباً، وكانت مرحلة النضج في أسرتي تان وسون. { نعرف، مثلا، صعوبة شعر الهايكو الياباني وقواعده الصارمة. ماذا بالنسبة الى الشعر الصيني؟ أصعب بكثير. (وهنا تدخّل تشن شي جو الخبير بالثقافة اليابانية والمختص بترجمتها الى الصينية بالقول: في الشعر الصيني شروط أصعب بكثير وتنويع أكبر). { نفهم ان الشاعر الصيني يحتاج الى معرفة واسعة حتى ينظم الشعر التقليدي، وهذا يعني ان النظم لا يكون في مطلع الشباب. صحيح. لكن هناك عدد قليل من الشبان الذين يرغبون في ذلك فيصلون. لكنهم بشكل عام يهتمون بالشعر الحر. ولعل اهتمام الصينيين الشبان بالشعر هو الذي أخذ استاذ الشعر ورائده وناقده شويان سيان الى القول: »كل شاب بلغ الثامنة عشرة في الصين شاعر«. { ماذا تقصد بالشعر الحر؟ هو موزون أم نثري؟ بعضه موزون وبعضه الآخر نثري. { وهل تتدخل السلطات في توجه الاجيال نحو شكل معين من الشعر؟ لا ابدا. لدينا آفاق واسعة وحرية تامة في كتابة القصائد. { بصفتك شاعر أطفال ايضا، ألا تحفّز السلطة الاهتمام بأدب الأطفال وشعرهم؟ بلى. { إلى أي تيار تنتمي بشعرك؟ الى تيار الاسلوب الحر وشعر الاطفال. ومع ذلك فأنا أنظم قصائد تقليدية في بعض المناسبات. { هل تجدون حدة في الصراع بين أنصار القديم والحديث في الشعر؟ لا. هناك شاعر اسمه تسان غوجيا، وهو أول رئيس تحرير لمجلة »شعر«، عمره حاليا 95 سنة، ومن أنصار الشعر التقليدي، له قول معروف: »أنا سلاح ذو حدين، أحب القديم ولن أعارض الحديث«. وهناك شبان يهتمون بالشعر القديم ثم ينتقلون الى الحديث منه. السفير الصيني في سوريا، مثلا، يكتب بالأسلوبين معا. { لماذا اتجهت الى شعر الاطفال، هل لأن السلطة ترغب في ذلك؟ لا. هو إلهام ذاتي. فأنا لديّ ابنة كنت أراقبها منذ طفولتها وأتتبع تصرفاتها، مما دفعني الى نظم القصائد لها.. هذه مسألة شخصية. أما القيادة الحزبية، فهي تشجع أدب الاطفال، وانا اشارك في هذا التشجيع، فالاطفال مستقبل الدولة. وهناك جوائز كبيرة مخصصة بهذا النوع من الادب والاديبة (التي معنا) هوانغ بيجيا نالت واحدة منها. هناك مئات المجلات المتخصصة بالاطفال في الصين. اما مجلة »شعر الاطفال« فهي تنشر بين 20 و30 ألف نسخة. اما جريدة الاطفال الاسبوعية فتوزع اكثر من 12 مليون نسخة (عدد الاطفال في الصين 300 مليون). هوانغ بيجيا الكاتبة الروائية هوانغ بيجيا نقلت الحديث من الصراع بين التقليد والحداثة الى الرواية فقالت: الروايات التقليدية القديمة تعتمد اسلوب السلسلة (اي ما يشبه روايات السير الشعبية في الادب العربي). { الى اي حد تأثرت بالاسلوب الغربي في الرواية؟ تأثرت كثيرا، واكتب بهذا الاسلوب. { نسمع عن روايات شبابية نسائية على شيء من الجرأة، خصوصاً في موضوع الجنس. هذا صحيح. فالشبان لا يهتمون كثيرا بالسياسة، هم يهتمّون أكثر بالحياة الخاصة، وبإبراز الخصوصيات الفردية. { كونك كاتبة سيناريو ايضا فأنت تعبرين حكماً في ممرات الرقابة؟ يمكنني القول انني حرة في تأليف مسلسلاتي التلفزيونية، فالرقابة لا تركّز مثلا على النواحي السياسية الا اذا طال الامر شخصيات قيادية بارزة وحوادث تاريخية محددة، وهي تركز على الناحية الاجتماعية والاخلاقية، فالمسلسل يشاهده ناس من جميع شرائح المجتمع واجياله، ولا بد ان تكون مناسبة للجميع، فلا يتضمن مثلا لقطات جنسية. والرقابة عموما تجعل الاعمال الفنية خاضعة للدستور الصيني، ولهذا تمر السيناريوهات قبل تسليمها للمخرج على الرقابة لأخذ رخصة. تشن شي جو أما تشن شي جو فهو يشغل منصب رئيس مكتب الشؤون الآسيوية في اتحاد الكتاب، وهو مترجم متخصص باليابانية. سألناه ان كان لبنان (الآسيوي) يدخل في مجال اهتمامه، قال: بالتأكيد. { لا شك ان مهمتك صعبة، فآسيا قارة التناقضات الثقافية. لكل بلد خصوصياته القومية، فالصين واليابان رغم جيرتهما وقربهما يختلفان. لكن كلما كان الاختلاف والتنوع موجودا كلما كان ذلك تميزا. فعلى سبيل المثال كانت في اليابان حركة اصلاح اسمها »مينتج«، متأثرة، قبل ألف سنة، بالأدب الصيني، لكن فيما بعد أصبح الامر معكوساً، اذ ذهب العديد من الصينيين لتعلّم الحداثة في اليابان، بعد موجة تقدمها في التكنولوجيا الغربية، مما أفسح في ظهور عدد من الادباء الممتازين ذوي الافكار الحديثة، فالاديب الرائد الحديث لو شون تعلّم في اليابان وتأثر بأفكارها الجديدة. كان ذلك في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، او في نهاية عهد أسرة شين وبداية الدولة الديموقراطية. { ما الذي يحكم العلاقات الثقافية الصينية الآسيوية، وما هي سياستكم في هذا المجال؟ نتمنى ان يكون لدينا علاقة بدول غرب آسيا، ولهذا نحن هنا في لبنان. { لكن هذه الزيارة تأخرت كثيرا. لماذا؟ هل لأن لبنان بلد صغير؟ لكن جبران خليل جبران كبير عندنا. ربما هناك نقص في عدد المترجمين الى اللغات الافروآسيوية وخصوصا العربية. وترى الدكتور »صاعد« يلعب مع الوفد دور مترجم مع انه واحد اصيل من اعضاء الوفد. { لماذا اليابانيون اكثر انفتاحاً؟ ربما بسبب صعوبة اللغة الصينية. { ولماذا لا تقول »بسبب الانغلاق«؟ قد يكون هذا سبباً. في لبنان كان لدينا ملحق ثقافي انسحب مع الحرب العام 1985. { هل ترى خطوات جدية في اتجاه الانفتاح الثقافي؟ سياستنا في الاتحاد زيادة التبادل والتعاون مع اتحادات الكتاب في مختلف البلدان الصديقة. غاو والمنشقّون وعن سؤال حول حصول كاتب صيني منشق على جائزة نوبل للآداب، قال رئيس الوفد غاو هونغبو: غاو كان زميلي في العمل الأدبي وفي اتحاد الكتاب، وهو كان مترجما في الاتحاد بين الفرنسية والصينية. لم تظهر موهبته في الابداع الادبي الا في مسرحيات اعتمد فيها الاسلوب العبثي المتأثر بالفيلسوف الفرنسي جان بول سارتر. وهو ألّف كتيباً بعنوان »فن الرواية المعاصرة«. هذا ما أذكره عنه حتى العام 1983 تقريبا، لكن الجائزة كما تعرفون لها اهداف سياسية. { لماذا نُفي غاو من الصين؟ لم يكن لأعماله اي اثر يستوجب نفيه ابدا. هو غادر لاصطحاب زوجته فقط، لكنه بعد ذلك ادعى انه منفي. { هناك عدد من الكتّاب الصينيين الذين يعتبرون أنفسهم منفيين او اختاروا المنافي الاوروبية والاميركية. ألا تدل هذه الظاهرة على نقص في الحرية بالصين؟ لا أظن انهم تعرضوا لأي ضغط، لكنهم ببساطة فكروا بالسعي الى حياة أفضل. هذا كل ما في الامر. ونحن عندنا في مستوى غاو مثلا ما يقارب الثلاثين كاتبا. { ألا ترى ان الحزب الواحد الحاكم قد يلجأ الى قمع الحريات للحفاظ على سلطته؟ هل تخرج الصين على هذا المفهوم؟ هناك قوانين مقدسة في الصين تنص على ان كل ما يكون ضد القيم او يشجع على الاباحية الجنسية والفساد وكل ما شابه ذلك غير شرعي. عندنا غير الحزب الحاكم احزاب ديموقراطية مختلفة تشارك في الحكومة الصينية وفي الاشراف على الدولة. وهناك أديب معروف جدا هو بادجين، وله منصب نائب رئيس لجنة الاستشارات السياسية، وعمره 96 عاما، ليس حزبيا. ايضا هناك أديبة معروفة هي بينغ شين، وقد نالت جائزة الارز اللبنانية لمساهمتها في ترجمة مؤلفات لجبران، هي الاخرى رئيسة لحزب دعم التقدم والديموقراطية. { إلى أي حد يمكن للكتاب ان يساهموا في خدمة التغيير عندكم؟ وهل هناك قنوات يمكنهم التحرك من خلالها لتحقيق ذلك؟ ابتدأت الثورة الثقافية بإلغاء اتحاد الكتاب الصينيين، ثم أُعيد انشاء الاتحاد مجددا العام 1978، بعد الدورة الثالثة للمؤتمر الحادي عشر للحزب الشيوعي الصيني، وكانت بداية حركة الاصلاح السياسي والانفتاح. الاتحاد عمره 50 سنة، يمتلك نخبة من الشعراء والروائيين والكتاب الممتازين. يملك دار نشر للكتاب، ولديه مجلة »الأدب الشعبي«، ومجلة »شعر«، ومجلة »مختارات أدبية«، ومجلة »الأدب القومي«، و»جريدة الفنون« الاسبوعية، ومجلة »الأدباء الصينيون« ومجلة جديدة أسبوعية هي »مختارات للأدباء«. من خلال هذه المؤسسات الأدبية يشجع الاتحاد حركة الابداع الادبي وينمي الحركة الادبية ويثقف الاجيال الجديدة، بل يشكل زادا روحيا، ويساهم في رفع المستوى الثقافي والحضاري للشعب الصيني. { ماذا يقدم الاتحاد لأعضائه؟ من واجب العضو ان ينهمك ويجتهد في الابداع الأدبي حتى ينتج اعمالا ادبية قيمة، فيقدم اكثر من مؤلفين اثنين، واشتراكا ماليا، ويشارك في الانتخابات. في مقابل ذلك يتدخل الاتحاد لتحصيل حقوق اعضائه في الطباعة والنشر، ويقدم لهم رعاية طبية واستراحات ورحلات صيفية سنوية مجانية، ويؤمن لهم زيارات أدبية استطلاعية في انحاء البلاد والعالم. وهو يسهل لهم الاشتراك في المسابقات لنيل الجوائز المحلية والوطنية، التي منها جوائز كبرى. { وماذا عن مستواهم الاجتماعي بالمقارنة مع فئات المجتمع الاخرى؟ هم فئة متوسطة. معظمهم غير محترفين ولديهم وظائف. { ما شروط الاحتراف؟ رتبة الاستاذية ومهمة التأليف. والحكومة تؤمن السكن وحياة أرفع من المستوى المتوسط. اما عدد المحترفين فلا يتجاوز 300 كاتب. { كم هو راتب المحترف تقريباً؟ 2000 يون (عملة صينية) اي ما يعادل 220 دولارا، هذا بالاضافة الى مدخول الكتابة الخاصة وترويج الاعمال في السوق. في حين ان الحد الادنى للاجور في الصين هو 280 يون. تشونغ جيكون صاعد حدثنا أستاذ الأدب العربي واللغة العربية في جامعة بكين تشونغ جيكون صاعد (صاعد: ترجمة عربية لاسمه الصيني) عن تعلمه اللغة العربية في جامعة بكين العام (1956 1961) وكان القسم العربي لا يزال ضمن الكلية الشرقية، وبعد ذلك اشتغل في السودان سنتين، ثم تابع دراسته في جامعة القاهرة (1978 1980)، قبل ان ينتقل الى اليمن مشتغلا في التدريس المهني، ثم يصبح بعد ذلك رئيس مجمع الأدب العربي في الصين. يقول صاعد: حضرت مهرجان المربد في بغداد العام 1978، وحينها قابلت نزار قباني وسعاد الصباح والبياتي، وحضرت مهرجان الجنادرية مرتين، وزرت ليبيا، وهذه هي المرة الثانية التي أزور فيها لبنان. وكانت المرة الاولى العام 1995، بدعوة من رأل أعمال لبناني هو بيار أبي خاطر، تقديرا منه لتعريفي بالاعمال اللبنانية في الصين، خصوصا اعمال جبران ونعيمة. وجدت لبنان من أجمل البلدان العربية، ولذلك حرضت زملائي على هذه الزيارة. فهو يتحلى بالجمال والجلال. وقد وجدت هنا الحضارات الانسانية تتمازج وتتزاوج، حتى لكأنني أقرأ هنا كتابا مفتوحا لتاريخ الانسانية. أعتبر رواد الادب العربي في لبنان مثل جبران ونعيمة والريحاني قديسين في الأدب العربي. هم رواد وعمالقة، وقلما نجد من يتفوق عليهم عند العرب. لا اقول ذلك على سبيل المجاملة. ترجمت »دمعة وابتسامة« و»آلهة الأرض« لجبران، وترجمتْ بين شين الرائدة الصينية المعروفة »النبي« و»رمل وزبد« ونالت جائزة على ترجمتها. وفي الصين يعتبر جبران الوحيد الذي تُرجمت اعماله الكاملة الى الصينية. واظن ان اللبنانيين يجب ان يفتخروا بذلك ويعتزوا. في الحقيقة جئت الى لبنان بمهمة، فأنا مكلّف بتأليف كتاب عن الادب العربي الحديث من قبل وزارة التربية والتعليم، وتنقصني بعض المعلومات الجديدة. { ما عمر حركة الترجمة بين الصينية والعربية؟ قبل 1949 لم نجد اعمالا أدبية عربية مترجمة الى الصينية، الا قليلا مثل ألف ليلة وليلة (عن طريق الانكليزية)، وبعض معاني القرآن. اما الآن فعندنا اكثر من عشر ترجمات لمعاني القرآن. في الخمسينيات تُرجمت بعض القصص والاشعار العربية، وكانت بمعظمها عن طريق الروسية او الانكليزية. ثم وجدنا الحركة القومية العربية هادرة كاللهيب، فكان لا بد من تعريف الصينيين بالادب العربي، لكن كانت تنقصنا الكفاءات. بعد ذلك حدثت الثورة الثقافية الكبرى عندنا، لكنها كانت ضد الثقافة، ولم نجد في المكتبات مؤلفات أجنبية، إذ كانت تملأها مؤلفات ماوتسي تونغ فقط. وهذا امر غير طبيعي. بعد ذلك بدأنا نمارس سياسة الاصلاح والانفتاح على العالم، فوجدنا المركزية الاوروبية لا تزال تهيمن على ميدان الآداب الاجنبية، وكان لا بد من كسر هذه المركزية، فأنشأنا تاريخ الآداب الشرقية في المناهج وقلنا للطلاب: »الشمس تشرق من الشرق وليس من الغرب«، فالحضارات والآداب نبعت من الشرق، والآداب الشرقية اصيلة لا منقولة. ومعظم العلماء المنصفون يعترفون بأنه لولا الحضارة العربية والاسلامية لما كانت حضارة اوروبية ابدا، وعلينا ان نعلّم الطلاب الحقيقة. { هل تطلعنا على حجم الترجمة من العربية؟ من أوائل الثمانينيات وحتى الآن ترجمنا اكثر من مئتي كتاب، من انواع مختلفة، هناك مثلا روايات محفوظ وغيرها من اعيان الادب والشعر العربيين، وسوف ننشر، السنة المقبلة، مختارات من الاشعار العربية القديمة، منها معلقتان لامرئ القيس وأبي سلمى وأبي العلاء. أفضّلُ ترجمة الشعر العربي، لأنني وجدت العرب شعراء، تماما كما في القول »الشعر ديوان العرب«، فكأنما العربي يرفرف بجناحيه فيتساقط الشعر. أسّسنا مجمع الأدب العربي في الصين العام 1987. ونحن ناقشنا محفوظ قبل نيله »نوبل« بسنة واحدة، واعتبرناه يستحق اكثر من ذلك. يضم المجمع حوالى مئة عضو من اساتذة الادب العربي والباحثين المتخصصين في اكاديمية العلوم الاجتماعية، ومن بعض هواة البحث ودراسة الادب العربي. في الصين توجد ثماني مدارس عليا تدرس اللغة العربية، تخرّج منها ثلاثة آلاف يتقنون العربية ويشتغلون في حقول مختلفة مثل العمل الدبلوماسي والثقافي والتجارة الخارجية والتدريس.