قدمت فرقة »نيهون بويو« عرضاً واحداً على خشبة مسرح المدينة، مساء الاثنين الماضي. ستة اعضاء في فرقة يرأسها الراقص المشهور عالمياً المعلم رانكو فوجيما، حفيد المعلم فوجيكو فوجيما المصنف ككنز إنساني وطني في اليابان. لم تقبل الفرقة اليابانية بتقديم عرض آخر، عرض واحد فقط، جاء الجواب امام الحشد الذي قصد مسرح المدينة. بقي المئات في الساحة المحيطة بالمسرح، في حين وقف العشرات في الصفوف الفاصلة الكراسي عن بعضها البعض وفوق المنصتين الرفيعتين. حشد حول الفضاء في مسرح المدينة الى فضاء خانق. لم تخيب الفرقة اليابانية امل الجمهور بعرض ممتع في ثلاثة مقاطع. الاول اسمه »مياكو فوريو« (أسلوب المياكو المعقول) ويصف تغيرات الفصول الاربعة في اليابان. ثم »كيو نينغيو« (دمية من كيوتو) مع تحركات الدمية الهزلية. وأخيراً »سوما«. وهو عبارة عن عمل كلاسيكي. رجلان وامرأتان قدموا العرض، الذي قدم في لبنان كجزء من جولة عالمية، تشمل ايرلندا وتركيا وسوريا ولبنان. ولأن »نيهون بويو«، الراقص الياباني، يركز في الاصل على أساليب الرقص المؤداة في مسرح الكابوكي. ولان مسرح الكابوكي مسرح تراثي، تقليدي، في اليابان، ومعرفة الآخرين به قليلة، اضطر فريق العمل المسرحي الراقص ان يجزئ القسم الاول من العرض الى حركات، والى ان يفسره امام المتفرجين. لأن الدراما اليابانية الراقصة، مؤلفة من اشارات وكودات، كل واحدة منها ذات معنى او مغزى معين. هكذا اضحت اللعبة، لعبة تعليمية، في الطريق الى بناء صلات غير تعليمية بالجزئين الاخيرين. الرقص المنتسب الى الكابوكي ذي الاصول الدينية، ساحرٌ ويدور في مساحة بسيطة. لان النمنمة اساسه. ولان استقلاله مبني من اشكال عديدة. ذلك ان »النيهون بويو« كما يعرض اليوم، في شكله الخاص، هو احد اشكال الرقص الشاملة لكل الانواع، من الكابوكي الى الكاميغاتا مي والكيومي من منطقة كيوتو الى الرقص الاصلي الحديث. المساحة مرسومة بفراغ تحده ستارتان عند طرفي الخشبة. لا شيء غير ذلك، الا اجساد الراقصين وأرواحهم وكودات اجسادهم. كل اشارة برمز وكل رمز صورة وكل صورة جزء من بيئة. ثم ان الاجزاء تؤلف حياة كاملة، تمتد الى اربعمئة سنة الى الوراء. التقاليد تصير ألواناً، تصير خطواً لامعاً، مدهشاً. رجل يلبس كيمونو له تاج مع بنطلون واسع معروف بالهاكاما، بينما تظهر راقصة بشعر مستعار ووجه مغطى بالابيض. هذا ليس ايحاء بالشخصية، بل يمثل مظهر اليابانيين في حياتهم اليومية في نهاية حقبة الايدو وبداية الميجي. الرقص هنا، هو السو اودري. عبره، تنسج علاقة ذات توقيعات كبرى، ترسم الفصول في البساطة القائمة على اوجه العلاقات الثابتة في حياة اليابانيين في حقبة معينة. القطعة الثانية ترتكز على خرافة عن نحات لامع، اختلق قصة ان روحاً دخلت الى اعماله وأحببتها بشغف. روح جيفورو دخلت دمية، لن تلبث حركاتها ان راحت تجسد الحركات الذكورية الخاصة به. كأنها فصول شبيهة بالفصول في المقاطع الاول، تتأتى عن تبدل الدور الذي تلعبه الدمية. حركة ذكورية، ثم حركة انثوية. حركة انثوية، ثم حركة ذكورية. صور رائعة، تبدأ في فضاء تقليدي خالص، قبل ان تهجره بلكزات بسيطة الى عالم خيالي، يحلو للياباني الهجرة إليه شعرياً. كأنه الهايكو، الذي يقارب العوالم الواقعية المعاصرة في لمسات ذات اعماق تراثية حضارية هامة. التطور يقتدي بالاصل، لكي يصل الى قرينه. مشروع كامل، يبني معمورة لا تقصد رفاهة البشرية، قدر ما تروي اقدار الناس الدراماتيكية الملائمة لطموحات التفتح الدائم على غير الانشاء او الادبية الفارغة. مفهوم ثقافي كامل مكثف في اشكال شرق اقصوية تقليدية، تغذي الرحلات الدائمة الى الشرق. اطمئنان الى الماضي في سلوك طريق الاطمئنان الى الحاضر والمستقبل. حضارة عريقة كهذه، لا تموت، لن تموت، هكذا يؤكد العرض الياباني، الذي يغادر الكابوكي الى »النو« في »سوما« المقطع الثالث. تم نفي اريوارا نويوكيهيرا الى سوما، ولكن بعدها تم العفو عنه، ويسمح له بالعودة الى العاصمة. وبما انه تورط عاطفياً مع اختين، يخلف غطاء رأسه وعباءة الرسميين مع أبيات من الشعر كتذكارات. ثم يعود الى كيوتو. واذ تجد الاختان التذكارات، تحزنان وتأخذان بالبحث عنه دون أمل. بين جد وهزل يترسم هذا المشهد الكبير، في استفادة تامة من انظمة الاشكال التي تقدمها الرقصات اليابانية التقليدية. زهو وراحة يتلاءمان جيدا مع تقاليد المكان وطباع اهله. سماحة تحظى بالشرقي كما تحظى بالغربي في طبعة تمتاز بالعاطفية القصوى. مشروع انجاز جبار، بدأ يؤتي حضوره الاستثنائي منذ ازمنة بعيدة، ويتعزز قوة اليوم في واحدة من ملكات التعبير الخاصة جداً. لا مقالة ولا تعليق ولا خيبة امل ولا احساس بوطأة المعابر والتماثيل او تجيلات الامزجة السيئة. بل معان تقف كمعيار لبيان في حجم الاثار الكبيرة للحضارة الشرق اقصوية اليابانية. توقد الرغبة عنوانا اكيدا واللعب على المتناقضات في حرفيات باهرة، حيث يختلط الخيال بالحقيقة وبالحيوية العجيبة للناس على اختلافهم. يجذب النساء، كما يجذب الرجال (رانكو فوجيما، شيزوي فوجيكاغي، يوكا ميزوكي وموتوني هاناياغي) اربعة يشعلون المكان في المقطع الاخير، بالرقص والطرب، كما لو انهم يمارسون بديهية في جملة من منهاج رحلة شرقية، تم الاتفاق عليها منذ امد بعيد. شرق عظيم تنسجم فيه المتناقضات الى حد قيام تصوّر جمالي مثالي.